
الأنثوية
وفلسفتها في الحياة
تناقش الأمريكية
ليندا جين شيفرد في كتابها "أنثوية العلم" (سلسلة عالم المعرفة
306/2004 الكويت) موضوعة على قدر كبير من الأهمية، ربّما لم
يتناولها أحد بهذا الاتساع والعمق. انها تتناول العلم من منظور
الفلسفة النسوية، وتكشف عن الوجود الأهبل للأنثوية فيه، ليس
من باب الدعوة لعلم أنثوي منفصل ومواجه لعلم ذكوري مضادّ، وانما
من باب البحث عن التكامل بين الرجل والمرأة، التي يتم إقصاؤها
في الغالب، انطلاقاً من المتقادين: الأول ترجع أصوله الى ارسطو
طاليس الذي وضع المرأة في مكان سفلي من حركة التاريخ، والثاني
يرتبط بالفهم القائل ان العلم منذ نشأ كان ذكورياً بحتاً.
يتكون هذا
الكتاب من اثني عشر فصلاً، يجمعها ناظم البحث عن الأنثوية في
العلم الغربي، وهو ما يجوز ان يعتبر مدخلاً الى الأنثوية في
الحياة بشكل عام. ولأن الكاتبة عالمة في مجال الكيمياء الحيوية،
فقد قامت في عدد من الفصول، بتحليل سوسيولوجي اناسي لواقع العلم
في الغرب، وفي مجالات متعددة منه وليس في مجال الكيمياء وحدها،
بهدف الكشف عن وجود الأنثى ودورها في العلم، الذي هو دور فاعل
كما نرى وليس دوراً هامشيا البتة، وهي الحقيقة التي يجري تغييبها
عادة لصالح تأكيد ذكورية العلم، التي هي ذكورية العقل كذلك.
ولأن شيفرد من جهة اخرى تمتلك معارف واسعة بنظريات علم النفس،
والاجتماع، ومثلها بالفلسفة، فانها في الفصول الاخرى، التي هي
فكرية بالدرجة الاساس، حاولت تقصي اسباب نشوء السلطة الذكورية
في العلم، التي تعزوها الى الثقافة الغربية التي استمدت اسسها
وحتى الآن، اي طوال مايزيد على الفي عام، من ارسطو طاليس، فيلسوف
اليونان، الذي اعتبر المرأة "مخلوقاً شائهاً" تارة، و "رجلاً
مجدباً له روح حيوان" تارة اخرى.
في ضوء هذا الفهم،
فإن المؤلفة في كتابها المهم هذا، وهي تنظر إلى العلم من منظور
الفلسفة النسوية، باستنطاق علم النفس، ونظرية يونج على وجه التخصيص
مّرة، وبالاسترشاد بتجربتها الشخصية كواحدة من العالمات، وتجارب
أخريات من العالمات الشهيرات مرة أخرى، استطاعت أن تقنعنا كقراء،
بأهمية بروز الأنثوية في العلم، بعد أن حل بها الخسوف فترة طويلة.
بل إنها تطالب
الرجال بضرورة العمل من أجل تحقيق هذا الهدف، دفاعاً عن الحقيقة
من جهة، وتخليصاً للعلم مما قد يصيبه من تطرف مدمر بسبب سيادة
الذكورية من جهة، وفكرة التراتب الهرمي الذي يقضي على تعددية
الرأي من جهة أخرى. أي إنها وفي بحثها الدؤوب، ومما تبديه من
قدرة فائقة على الإقناع، اكدت لنا أن اكتمال الحياة أو توازنها
بتعبير أصح، لايكون الا بالتحام الاثنين: الرجل والمرأة أحدهما
في الآخر، ذلك لأنها –الحياة- تحتاج مثلما قال عالم النفس يونج
الى "كونشرتو" من الأصوات العديدة، لتأخذ سياقها الطبيعي كما
هو الحال في اصل الخليقة. هذا يعني أنها في فصول الكتاب، تبحث
عن مبررات فهم جديدة، وثقافة غير سائدة الآن، تؤمن بضرورة تكامل
مبدأي الذكورة والأنوثة، وليس اصطدامهما ببعضهما، او سيطرة أحدهما
على الآخر. وهي من اجل تحقيق هذه الغاية، تقدم في مقابل فلسفة
التراتب الهرمي الذي يقف الرجل في قمته، ليلغي رجالاً ونساءً
آخرين، تقدم فكرة البنية الدائرية الانثوية، حيث الجميع يقفون
في مواجهة بعضهم، وليس أحدهم فوق الآخر، ولا مجال بالتالي أمام
اي عالم لإلغاء غيره من العلماء، إن في العلم كميدان، او في
غيره من الميادين. ومما تعتبره بهذا الصدد، ان مثل هذا الأيمان،
يعتبر الخطوة الطبيعية الأولى لارتقاء الوعي الإنساني.
ان ليندا شيفرد،
العالمة الكيميائية، والفلسوفية، وعالمة النفس أيضا، لم تنطلق
في بحثها من فراغ. وهي عندما تدافع عن الانثوية في العلم، فإنما
تكون قد تقدمت خطوات عديدة، وتجاوزت حركة النسوية المعاصرة،
تلك التي ظهرت كما نعرف عام (1895) وانحصرت همومها بالمطالبة
بحقوق للمرأة في مقابل حقوق للرجل. وهي أيضاً غاية علم النفس
الأعماق، الداعي إلى إنقاذ الأنثوية، والانتقال بها من الظلال
المعتمة، إلى ضياء الحياة. لقد نظرت شيفرد إلى ماحولها، فاكتشفت
ان الرجل الذي قهر العلم وروضه لصالحه، قهر الأنثى وقهر الشعوب
في الوقت نفسه. ومعنى هذا فإنها –شيفرد- تسعى لإقناعنا بوجود
خسارة كبيرة أصيبت بها الإنسانية نتيجة الخسوف الذي حل بالأنثوية.
هذا يعني من جانب اخر، ان شيفرد تبحث عما يحقق للحياة التجدد،
وهي غاية سامية، تمت مناقشتها بجدارة الأنثى الباحثة عن السمو
والارتفاع، والراغبة في الخروج من الحضيض الذي وضعتها فيه أفكار
أر سطو التي سيطرت على الثقافة الغربية التي منحت العقل الذكوري
سيطرة كاملة.
يوسف يوسف - خاص
بالاإمبراطور - 09.01.2005