بـيـــغ بـــن بـيــــغ بـــرّ

تقول الانباء ان ساعة العبد توقفت عن الحركة والصوت مع انها ما زالت صامدة في قلب ساحة النجمة. توقّف عقرباها عن الدوران حول النهار والليل، وصمتت ولم تعد تدق. ساعة العبد قدمها واحد من عائلة العبد، فصمموها لتنصمد في ساحة النجمة في بيروت. ساحة النجمة البيروتية لها اخت في باريس، تتفرع منها جادة الشانزليزيه. اما ساحة بيروت فتتفرع منها جادة الاركليزيه، والفارق بينهما ان للباريسية عطرها اما البيروتية فلها "رائحتها" التي تغزو قناطر شارع المعرض وزواياه. يقابل المعرض في باريس شارع ريفولي. وعلى سيرة الريفولي فان السينما البيروتية التي تحمل اسمه كانت عرضت على شاشتها قبل وقوع الحرب التي دامت سبعة عشر عاما فيلما مصريا عن رئيس مصر آنذاك الذي يدعى السادات. في بيروت ايضا شارع يحمل اسم عائلة الرئيس المصري وفي آخره مقهى يدعى "سيتي كافيه" هو الاول فتح في رأس بيروت بعد الحرب. صاحبه منحه الله منحة التنبؤ بفتح المقاهي، اذ كان منح شارع الحمراء اول مقهى فيه هو "هورس - شو" لحبّه للحصان. ولبرنارد شو. ثم قامت في الشارع مؤسسة ثقافية رياضية كبرى هي "رد شو" لغير الاحذية.

اما الحمراء فشارع اشتهر في الستينات من القرن العشرين بمقاهيه ودور السينما وبالمجلات وبالمحلات واللوكندات والملاهي والاماكن السرية والاماكن العلنية للخلاعة والسياسة والمطالعة. يقابل شارع الحمراء في بيروت قصر الحمراء في غرناطة، في اسبانيا الاندلسية، ذو الحدائق الغنّاء.

انا لا اقول الغنّاء لأصف الحدائق، كما يقال عادة، بل لأنها حدائق معلّقة، على اشجارها الباسقة طيور تغنّي وتناجي مياه الحدائق وتتحاور معها بانغام غنّاء. لا ابالغ والله العظيم وإن كنت ابالغ فلأن الشوق قد اخذ مني كل مأخذ (اتساءل: ترى ماذا اخذ مني وانا المعروف بحرصي على اشيائي وعلى الصعوبة التي يلقاها كل من يجرّب ان يأخذ مني ما يريد).

هو شوقي الى الاندلس. اي اندلس أبكي؟ اندلس بيروت ام اندلس فلسطين ام اندلس بغداد؟ إن بكيت فسيطول بكائي، وان غنيت فسأسمع بحّة صوتي واختناقي.

توقفت الساعة، ساعة العبد. تسألني عنها اقول لك انها لقادمة. اتطلع اليها لأستفسرها، فأراها بلا حراك وعقربيها بلا روح. دائرتها المملة ليس فيها نقطة انطلاق ولا نقطة وصول. الغريب اني اتطلع الى معصمي فأرى ساعتي ايضا متوقفة. تذكرت اني كلما اتيت الى المقهى في ساحة النجمة، تتوقف ساعتي. اسأل النادل: كم الساعة؟ ينظر اليّ ويتمتم ثم يهز رأسه ويبتعد عني.

عندما توقفت ساعة العبد عن الدوران، بقي الناس منتشرين على ارصفة المقاهي او جالسين على حافات الارصفة او على ادراج البرلمان او حول برج الساعة. ظلوا نهارين وليلتين هناك الى ان خرج من باب البرلمان رجل، فنظر حوله ثم رمى نظرات عديدة على الناس وهم نصف نيام، صرخ بأعلى صوته النيابي: "لتمش العقارب. لتسرع. سرّعوها. اجعلوها تدق اكثر من اثنتي عشرة دقة".

في الحال راحت العقارب تتحرك بعصبية والساعة تدق وتدق وتدق، ومعها اجراس الكنائس الكهربائية ومكبّرات الصوت في المآذن تنادي الناس الى الصلاة.

عمّت الفوضى في انحاء ساحة النجمة واختلط الحابل بالنابل، وارتطمت اجساد الناس بعضها بالبعض الآخر، وسمعت اصوات تصرخ وتلعلع في كل مكان: "بالروح، بالدم بالقبل والشم، بالبكم والصم، نفديك يا ابن العم" ثم علا هتاف ثان: "لا لساعة بيغ بن. نعم لساعة بيغ بر". ثم خرج الرجل ثانية وظهر على باب البرلمان وحيّا الناس، فدوّى التصفيق في الساحة وراح الجميع ينشدون الاناشيد الوطنية و...آخ يا بلدنا.

 

أمـيـن الـبـاشـا - النهار


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri