حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

تويجات الدم

رواية من الأدب الكيني

اذا كانت الرواية وليدة عصر ليس بالبعيد جداً. فان هذه الولادة تبدو اكثر التصاقاً بالنماذج الأدبية الأوربية منها بالنماذج الأفريقية لاعتبارات وثقافات تأثيرية.

الا ان ذلك لا يعني تنكراً للإنتاج الأدبي الحديث في أفريقيا. لان الأدب انعكاس لواقع اجتماعي وسياسي معين. وهو صورة الواقع. لكن بتفاوت وبقدرات ابداعية متباينة. فالادب لا يكشف الا فيما ندر عن امتداد التطور الادبي التاريخي فالشوط الذي قطعته الحركة الادبية وخاصة في كينيا أفرز لنا كتاباً اكثر التصاقاً بافريقيا وقضاياها الوطنية لان ما مرت به افريقيا من عبودية واستعمار شكلت المعين الذي استقى منه الادباء مادتهم. فرواية (تويجات الدم) للكاتب الكيني (نفومي واثيو نغو) من ابرز ما كتب الى جانب اسماء لامعة اخرى شغلت نتاجاتها النقاد ووجهت انتباههم الى هذه القارة كثيرة الهموم والمشاكل والتي مازالت تناضل من اجل الحرية والانعتاق. فرواية “تويجات الدم” فيها بصمات كينا وشعبها وتأريخ نضاله الطويل وايضاً نضاله ما بعد الاستقلال وهو اشق واصعب من قبله.

اذاً الرواية الحديثة في كينيا تمرد على المضمون الايدلوجي الاستعماري وبناء اسس ومواقف جديدة ترتكز على الثقافة الوطنية وتستلهم التاريخ لوضع قواعد ذات هوية قومية لادب افريقيا. تتوزع شخصيات الرواية على مساحة كبيرة من واقع اجتماعي ترتبط فيه بمعان سياسية وتاريخية معينة لها دلالاتها الفكرية اذا ما طور دورها لتمثيل سلسلة من الاحداث. فالموروث الشعبي وتأكيد الشخصية الافريقية وصورة ما بعد الاستقلال ثوابت اقرها الادب الكيني. فالكاتب الكيني (نفومي واثيونفو) تبنى في الرواية الصراع الذي افرزه الواقع السياسي ما بعد الاستقلال وما ترتب على ذلك من صراعات بين قوى الثورة والشعب من جهة والقوى المستفيدة والمتسلقة من جهة اخرى. مما اعطى للواقع السياسي في كينيا صراعاً وبعداً، استطاعت -خلاله- القوى الانتهازية من تثبيت اقدامها والسيطرة على التوجه السياسي للبلد. لقد ناقش المؤلف وضع كينيا بعد الاستقلال من خلال شخصيات الرواية. فحاول ان يطرح نماذج ابطاله (منيرا- أنجا- كاريفا) وشخصيات ثانوية اخرى، وذلك بربطها بحركة التاريخ اليومية بحيث تكون لها انتماءات طبقية ترفد عوالم الرواية وتظهر شكلها الفني من زوايا فهم التاريخ وحركة الواقع.
(منيرا) مدير المدرسة ما زال انتماؤه لاهله وعاداتهم الطبقية، تسيره تلك العادات وتحكم تصرفاته في المجتمع انتماءاته العشائرية. يعيش ازدواجية السلوك والافكار وهذه السلوكية دفعته الى الابتعاد عن ما مرتبط بحركة المجتمع اليومية وبذلك عكس حياة شريحة اجتماعية ما تزال متأرجحة ضمن رؤية تجمع الماضي والحاضر.

اما (أنجا) فتاة المشرب التي فقدت وزنها النضالي في الوضع الجديد فظلت متعلقة بماضيها الذي اسدل الستار عليه وصار هامشياً؛ فنراها تعيش حالة الاحتجاج على وضع انكر عليها ماضيها النضالي وسد بوجهها سبل العيش الشريف فسلكت طرقاً أجبرت عليها لكن دواخلها بقيت نظيفة وهي اشارة ذكية من المؤلف لفترة نضالية تاريخية سابقة. وهذا ديدن المؤلف حيث يعطي بين شخصية واخرى دفقاً والقاً به نسغ الفعل والحركة ضمن ايقاع خاص وإمكانيات واضحة تخضع لظرفها الاجتماعي. فالاستحواذ غير الطبيعي على مكونات السلطة والمجتمع الجديد وصراع قوى الثورة المناضلة التي تشعر ان موقعها بدأ ينحسر بسيطرة وتسلق قوى مضادة انتهازية على مقاليد وثمار السلطة، ظل محور الصراع في الرواية مع الاحتفاظ بالرؤية الاخلاقية، من دون ان يقطع الاوصال الطبيعية مع موروثات المجتمع. لقد اعطى المؤلف لشخصية (كاريفا) النقابية دوراً هاماً ومساحة كبيرة في نسغ وتحرك الرواية. لما لهذه الشخصية من انشطة جماهيرية صارت مركز استقطاب للعمال وحركتهم واخذت ابعاداً سياسية في كينيا. لذلك لم تلق هذه الشخصية ايضاً في الوضع الجديد ترحاباً ومكانة تليق بها لقد همشها النظام الجديد وصادر حريتها وأودعها السجن، وهذه حالة اراد المؤلف ابرازها ليصور وضع الثقافة الوطنية التي كان لها ان تتبوأ مراكزً متقدمة وحضارية لا تنزلق الى حضيض الفساد والمحسوبية مما اضطر "(كاريفا) ان يواجه وضعاً شاذاً وغريباً لم يألفه زمن النضال فهجر مدينته يبحث عن مستقر آخر. ان الرواية المبدعة هي من افراز كاتب مبدع. يعرف كيف يتناول موضوعه وشخوصه ويحركهم وفق مساحة زمنية ومكانية وتحت ظروف سياسية واجتماعية صعبة، يكون الكاتب ملماً بعوالمها لكي تكون مآثر في وعي ابطالها. فهي جزء كبير من لحظات كبيرة لها تواصل مع الماضي والحاضر والمستقبل. فأحداث رواية (تويجات الدم) تثير عدة تساؤلات حقيقية على مستوى تجربة الكاتب الروائية، فهي تخضع لتجربة واقعية موضوعية في منطقة جغرافية تمثل الواناً من حالات التخلف في العالم.

إن الخط الذي ساره المؤلف يربط بين الفن الذي يخلق ويبدع وأحداث وشخصيات الرواية فالنضج الفني الروائي في كينيا هو من نضج الاحداث السياسية والاجتماعية المرتبطة اصلاً بالنهوض القومي لذلك البلد. فالرواية توضيح لحالة الفشل المؤقت لشخصيات كان لها ان تكون اكثر فاعلية وتأثيراً في حركة المجتمع واحداثه ومساره. الا ان الظروف المعقدة حالت دون ذلك لاعتبارات خضعت لقوة اكبر منها.

يبقى التدفق اللغوي الذي يحمل من الغرابة والمفاجأة الشيء الكثير يدفع للقارئ المتعة، وتفيض مضامينه نسقاً درامياً ذا مدلول جمالي يقع تحت تسلسل زمني يخلق التوتر والتأويل، وهذه ميزة احتوتها الرواية في بعض مشاهدها وأحداثها. نشعر ان المؤلف نقل أحداث روايته في الجو الاجتماعي المتوتر الى سلوك اخر اكثر وعياً وإدراكا تحدد فيه مسار الفكر الإنساني الذي هو واحد وان اختلفت مشاربه وتباينت مساراته.

 

محسن حسين عناد



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri