البيانات
الشعرية بين التأصيل والاختلاف
يتبادر الى الذهن
احيانا، ان المبدع في سعيه الى اكتشاف المساحات الغائبة من القول
الشعري، يقدم تصورا ينطوي على الكثير من الهواجس التي يفتقر
اليها نصه، مما يجعل الابتعاد عن فضاء الكتابة الشعرية مبررا
للدخول في فضاء المراقبة للعمل الشعري، وقد اتضحت هذه المراقبة
في طبيعة البيانات الشعرية التي يكتبها عدد من المثقفين محاولة
منهم وضع اطار نظري قد تفتقده كتاباتهم الا انها لا تخلو منه
تماما، فالاتفاق على ماهية البيان الشعري تكاد تكون ملاصقة لضرورته،
وهل يحتاج الشعر الى بيان للترويج له؟ ام ان البيان يمثل حلقة
وصل يجدها البعض مترهلة ان لم تكن معطلة ؟!
تتطلب كتابة
البيان الشعري وعيا لا بالمنجز الشعري وحده وانما تتجاوزه الى
معرفة بالمنجز الثقافي العام فلا توجد أهمية لبيان يعبر عن تجربة
شخصية قام بها الشاعر بمفرده وان كان الانطلاق في كتابة البيان
تتوسم وجود مثل هذه الخصوصية، غير ان اثر البيان في المتلقي
يقع في اتجاه مغاير من كاتب البيان فالمتلقي يبحث عن طبيعة المبدع
الذي كتب البيان فضلا عن أهمية الطروحات التي يقدمها كما علينا
ان نميز بوضوح بين البيانات التي تؤرخ لفترة شعرية يكون فيها
الشاعر مجرد مساهم في تحول ثقافي، وبين البيانات التي تبتعد
عن التسجيل التاريخي وتعنى بالرؤيا الجديدة التي يقدمها صاحب
البيان، فالنوع الاول ( التاريخي ) يمثل صوتا جماعيا يغيب فيه
طابع الابداع الفردي على اعتبار ان المبدع يستمد شرعيته من الجيل
الذي ينتمي اليه والذي يتوافق معه في الاعم الاغلب والنوع الثاني
من البيانات ( الرؤياوي ) يمثل صوتا فرديا يغيب فيه طابع الابداع
الجماعي وتظهر فيه سمات الاختلاف بوضوح شديد مما يجعل من الصوت
الفردي غير مؤهل للانضواء تحت مسميات جيلية مختلفة، واذا كان
البيان التاريخي يمثل مشروعا مشتركا فان البيان الرؤياوي يمثل
مشروعا فرديا كما يمكن ان نلحظ سمات اخرى تتعلق بالبيانين (
التاريخي والرؤياوي ) وهي سمة الانتماء المؤسساتي، فالتاريخي
اكثر ما تتضح صورته في الثقافة العربية في المثقف الذي ينتمي
الى مؤسسة ( سلطة ذات طابع رسمي ) في حين يقف البيان الرؤياوي
خارجا على كل سلطة ورافضا للانتماء بمختلف اشكاله.
نحاول في مقالنا
هذا ان نقرأ طبيعة اشتغال المبدع العربي في صياغة بيانه الشعري
/ الثقافي من خلال اختيارنا لبيانين، الاول بيان الحداثة لادونيس
والثاني بيان الكتابة لمحمد بنيس والبيانان منشوران في كتاب
البيانات الصادر عن اسرة الادباء والكتاب في البحرين عام 1993.
يمثل البيان
الشعري عند ادونيس ازاحة لنصوص وترويج لنصوص اخرى وهو ما يتضح
في ( بيان الحداثة ) الذي قدم له بالحديث عن اوهام الحداثة فلماذا
تتقدم الاوهام على ظاهرة الحداثة، فاوهام الحداثة التي يحددها
ادونيس هي( الزمنية، المغايرة، المماثلة، الاستحداث المضموني،
وهم التشكيل النثري ) واذا اعاد القارئ ترتيب مثل هذه الاوهام
يجد ان البيان يتخذ صيغة قراءة موجهة تتبع النص العربي الحديث
في سلبيته، وصولا الى الشكل الشعري الذي يكتبه صاحب البيان وهو
ما يعبر عنه ادونيس بقوله: ( تلك هي، فيما يخيل الي، اوهام لا
يصح الكلام على الحداثة الشعرية العربية الا بدءاً من نقضها
او ابطالها ) البيانات 24، واذا اضفنا الى البيان صيغة التلاقح
بين الثقافات وبين مبدع واخر وهو ما يعبر عنه بعدم امكانية توجيه
نقد لمبدع اخذ من ثقافات الغير، التزام جانب النقد او توجيه
راي في النقد وهو ما يعبر عنه ( ينبغي على القارئ / الناقد ان
يواجه في تقييم شاعر ما ثلاثة مستويات : مستوى النظرة او الرؤيا،
مستوى بنية التعبير، مستوى اللغة الشعرية ) لماذا لايضع ادونيس
التنميط مثلا الذي يمثل ( اعادة انتاج العلاقات نفسها : علاقة
نظرة الشاعر بالعالم والاشياء وعلاقة لغته بها، وبنية تعبيره
الخاصة التي تعطي لهذه العلاقات تشكيلا خاصا ) مع اوهام الحداثة؟
ينحو البيان
عند ادونيس منحى مدرسيا يحاول تعريف المتلقي بطريقة تعتمد التقسيم
والشرح، ويحاول ايضا استدراج القارئ وهو ما اتضح بصورة مباشرة
في تقديمه للاوهام التي تمثل رايه الخاص بالحداثة الوافدة على
الثقافة العربية والى جانب هذه المدرسية هناك عنصر الابهام الذي
يعد نقيضا للمدرسية في صياغة الخطاب النقدي مثل قوله” ان الحداثة
الشعرية العربية لاتقيم الا بمقاييس مستمدة من اشكالية القديم
والمحدث في التراث العربي ومن التطور الحضاري العربي ومن العصر
العربي الراهن ) فما معنى اشكالية القديم والمحدث؟ وهل هناك
اتفاق على ماهية كل منهما ؟ واذا كان لهما معنى خاص في طروحات
ادونيس فان ذلك لايؤهلهما لان يكونا اساسا في تقييم الحداثة.
ويمكن القول ان البيان عند ادونيس يتخذ صيغة التفوق دائما اذ
تبدو الاشارات واضحة لذلك في قوله محاولة التبسيط او ادخال مفاهيم
جديدة الى الثقافة العربية فلماذا التبسيط مع خطاب يفترض به
ان يكون موجها لاصحاب الاختصاص اصلا؟: (واود ثانيا ان الجأ الى
شيء من التبسيط فاقسم الحداثة الى ثلاثة انواع: الحداثة العلمية
وحداثة التغييرات الثورية الاقتصادية الاجتماعية السياسية والحداثة
الفنية) كما نلحظ محاولة الدمج والمقارنة في آن واحد بين اسماء
لمثقفين ما زال حضورهم مربكا في الثقافة العربية مثل قوله: (لا
اظن ان احدا يمكن ان يقول ان رينيه شار، مثلا او سان جون بيرس
او جوف او بونج او بريتون او بونفوا او دوبوشيه اكثر حداثة من
هيراقليطس او نيتشه او هولدرلين او غوته او رامبو او مالارميه
او لوتريامون الا بالمعنى الزمني) ص46.
يؤكد ادونيس
في بيان الحداثة على علاقة الانا / الاخر من خلال هذه العلاقة
يحدد مفهومه للحداثة، اي لا انفصال في العلاقة اذا اردنا فهما
حقيقيا للحداثة، وان مثل هذه العلاقة قد تحددت بشكل اوباخر ضمن
ظروف قد لاتكون على مساس مباشر بالحداثة الشعرية التي كان ادونيس
بصدد التاصيل لها في الثقافة العربية.
فاذا كانت المفاهيم
المتداولة في الثقافة العربية هي مفاهيم نقلت بصورة عشوائية
من مجال تداولي ولدت فيه”الغرب“ الى مجال آخر عني بالنقل قبل
التمحيص”العرب“ فان الحداثة كانت نتيجة لهذا النقل العشوائي
الذي لم يكن نقلاً معرفياً بقدر كونه نقلاً يتسم بمحاولة ايجاد
مصطلحات لم يعرفها العرب اصلاً.
ان هوية الحداثة
هوية مشتركة من خلال وعي كل امة بخصوصية منجزها وبقدرة هذا المنجز
على تقديم اشكال تتجاوز الاشكال التقليدية. وقد اشار ادونيس
الى ذلك بقوله”يصح ان نقول ان الحداثة مبدئياً ليست غربية اكثر
مما هي عربية، واذا كان ثمة تفاوت بين الغرب والشرق في ممارستها
التطبيقية، فانه فرق في الكم لا في النوع، وظني ان هذا التفاوت
هو مما ينبغي ان يدفعنا اساسياً الى ان نعيد النظر بشكل نقدي
شامل وجذري، في ماضينا المعرفي وحاضرنا على السواء“. 41. وهنا
يقدم ادونيس اختلافاً وتأصيلا في آن واحد، الاختلاف يتمثل في
صياغة رؤية مختلفة عن السائد المعرفي الذي يصور الحداثة منجزاً
طارئاً على الثقافة العربية مما يجعل الثقافة العربية ثقافة
تقبل لا ثقافة انجاز. والتأصيل هو ماراده ادونيس من الدعوة الى
اعادة النظر في المنجز العربي وطرح اسئلة تستوعب ما قدمته الثقافة
العربية في عصورها المختلفة.
اما محمد بنيس
في بيان الكتابة فانه يحاول ان يقدم مبررات لكتابة البيان الشعري،
وذلك للتحول الذي طرأ على الشعر والثقافة بصورة عامة بالتحول
من الشفاهية الى الكتابية، وان كانت دعوة بنيس دعوة لكتابة بيان
شعري مناطقي”المغرب تحديداً “ فان هذا لا يخرجه من دائرة كتابة
البيان الشعري العربي، والدعوة هنا دعوة للنهوض بواقع الشعر
المغربي الذي يجده بنيس لم يتوافر على قراء ونقاد ينقلونه الى
فضاء جديد، واذا كان بيان الكتابة يقسم الى ثلاثة حدود عني الاول
بالتعريف بالشعر المغربي وكتابة تاريخ له، وهو عمل تنأى عنه
البيانات الشعرية، بوصفها تنأى بشكل او بآخر عن الدخول في فضول
لا يمس العملية الابداعية، فضلاً عن ان تاريخ الشعر عند بنيس
قد التزم المنهج التقليدي في ربط الادب بالحقبة السياسية”مع
حركة التحرر الوطني في الريف بقيادة الامير محمد عبد الكريم
الخطابي، بدأ تفجير بنية الشعر المغربي التقليدي، وظهور بنية
مضادة في آن. التحرر بدل الاستسلام، الجموع بدل المفرد، الوطن
بدل السلطة “ ص 65. من هنا كان الحد الاول في بيان الكتابة يمثل
شهادة لشاعر يقدمها عن تاريخ شعري مغيب، وهناك فرق لا يخفى على
المتلقي عن طبيعة الشهادة وخصوصية البيان، فالشهادة تفترض مسبقاً
الانحياز الى امور قد لا يكون الشعر اهمها، فالشهادة تنحاز احياناً
للدفاع عن واقع مأزوم عاش الشاعر تجلياته، كما انها تعبير مباشر
عن الاشياء التي لها مساس مباشر بحياة الانسان ولا تختص بالمبدع،
في حين يقف البيان مبرزاً خصوصية فنية تتعلق بمفهوم كتابة شعرية
تتجاوز القوالب الجاهزة، البيان نظرية مصغرة في الشعر، فضلاً
عن ان الشهادة تكون ذات رؤية متفقة اذا هي صدرت عن مبدع عربي
فلا فرق نوعيا بين الحدث السياسي بين مغرب الوطن العربي ومشرقه
وانما هي فروق كمية. غير ان طبيعة الحد الاول قد ظلت منساقة
الى طبيعة السلطة بمعناها الاحادي وليس ما اراده” فوكو “ منها
من انها تمثل انساقاً مختلفة، او ان الشعر كان دوماً يحاول التحليق
خارج دائرة الصدق، تلك الدائرة التي وجدت الانظمة العربية ضرورة
امتلاكها، واذا كان بنيس يرفض ان يكوت بيانه ممثلا لجيل معين،
فانه يقع في هذا الانتماء الجيلي الذي ارغمت الثقافة العربية
مثقفيها على الدخول فيه”لقد حان الوقت للتأمل في ما تم انجازه“
البيانات 70. من وجهة نظر من؟ قطعاً من وجهة نظر الجيل السبعيني
الذي ينتمي اليه بنيس.
واذا كان الحد
الثاني من بيان الكتابة يعلن”علينا ان نغير مسار الشعر، هذا
ما كانت تعلنه الدواخل، وهي تواجه جملة من النماذج القليلة التي
كانت تنشرها الصحف والمجلات المغربية. ان نغير مسار الشعر معناه
ان نبني النص وفق قوانين تخرج على ما نسج النص المعاصر من سقوط
وانتظار. ان نؤالف بين التأسيس والمواجهة“. البيانات 72. فان
هذا الاعلان ايذان ببداية البيان ونهاية الشهادة، فالشهادة وعي
بالموجود في حين ان البيان تأمل في المجهول.
يمكن القول ان
محمد بنيس قد قرأ ادونيس بصورة جيدة، غير ان هذه القراءة جعلته
اسيراً للطروحات الادونيسية، وهو بصدد تقديم عمل يميز طروحاته،
وقراءة بنيس لأدونيس لا تعني انه تمكن من مجاوزته، لأن ادونيس
يعد لحظة فاصلة في تاريخ الشعر العربي الحديث وفي تاريخ فهم
النص في وقت واحد، بل يمكن للقارئ ان يضع معجماً خاصاً للكتابات
الادونيسية النثرية قد لا يكون ثراً تماماً لأن الكتابة الادونيسية
تعتمد في اصلها على التكرار بصيغ مختلفة كما تعتمد في جانب آخر
على تقديم الخطاب بأشكال مختلفة جداً، ومضامين محدودة تماماً،
واذا اضفنا الى ذلك محاولة ادونيس المحافظة على طروحاته التي
قدم بها ديوان الشعر العربي والذي صدر بعد ذلك على شكل كتاب”مقدمة
للشعر العربي“ لوجدنا ان فهم العملية الشعرية عند ادونيس ظل
اصولياً- بمعنى محاولة الحفاظ على الاصول التي قدمت له فهماً
مغايراً للنص الشعري- ويلحظ في الحد الثاني لبنيس لجوؤه الى
عدد من القواعد التي يعتقد بضرورتها في مجال التحول الشعري والقواعد
هي”مغامرة، نقد، تجربة ومماسرة، تحرر“ تلك القواعد التي يشوبها
بعض الخلط المتأتي من تسرب لغة ادونيس الملغزة، فلا حرية لكتابة
بنيس بعيداً عن الكتابة الادونيسية، فالمغامرة هي القاعدة الاولى
لكل نص يؤسس ويواجه، ولا معنى للنمو خارج التحول، يهدف النقد
الى تفكيك المفاهيم والقيم والتصورات”الطرح من كتاب الثابت والمتحول”
الابتعاد عن قصيدة الذاكرة وقصيدة الحلم”ما يتعلق بكتاب الصوفية
والسوريالية“ او قوله في التحرر”هناك من يعتقد ان مجرد كتابة
نص تحرري يؤدي بآلية مباشرة الى احداث التحول في الواقع العيني“،
”رأي ادونيس في شعر المقاومة من كتابه زمن الشعر“ الى غيرها
من الآراء التي يبثها بنيس في بيانه مما جعل بيانه مجرد تكرار
للمقولات الادونيسية، تلك المقولات التي وظفها ادونيس في كتاباته
النثرية بدءاً بكتابه ”قضية باسترناك“ وليس انتهاء بسيرته الشعرية/
الثقافية”ها انت ايها الوقت“ كما ان هناك ظاهرة اهتم بها بنيس
كثيراً، فهو طالما اكد اعجابه الشديد بأدونيس مما جعل هذا الاعجاب
يتسرب بصورة واضحة تماماً الى بيان بنيس الشعري، ذلك البيان
الذي يفترض ان يكون ممثلاً خالصاً لكاتب البيان وليس مجرد صدى
لمبدع آخر.
د. عصام العسل