حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

النقد العربي الحديث:
من غربة السياق إلى غموض المستقبل

تعالت في العقد الأخير من القرن الماضي أصواتٌ تنادي بمساءلة مشاريع النقد العربي الحديث في علاقته بالغرب وقد تشكلت مقاربات مهمة طرحت مسائل شائكة تشمل رؤية الحداثة العربية تأسيسا في التراث وتواصلا مع الحداثة "الأصلية" كما نهضت في الغرب منذ قرون وقد تعدّدت محاولات تشخيص ملابسات النقد العربي الحديث واختلفت منطلقاتها وتوجّهاتها غير أنّها، في الأغلب، تتفق في الإلماع إلى وجود ثغرة بل أزمة في إنتاج "البديل" النقدي العربي خصوصا وإن هذه "الدعوى" غير مطروحة لدى شق من النقاد العرب كبير، من جهة ثم إن شقا آخر منهم يظهر أن طموحهم اكبر من إنجازهم العملي من جهة أخرى ولا يخفى أن من أدواء النقد العربي البينة الأدلجة والتجزيئية في الفهم والمقاربة، وما ينجز عن ذلك من مغالطات مكشوفة ومستترة، وما ينطبع من سمة الارتجال في كثير من الممارسات "النقدية"، وهي عيوب تظهر مع غيرها الحاجة الملحة إلى تولد نقد ذاتي ونقد للنقد يحاول رفعها إنارة لمقومات الحداثة الواعية غير المموهة.

في هذا الإطار، تطلع علينا كتب ومقالات مهمة تضطلع بهذه المهمة باشكال مختلفة بعضها واضح المرامي نبيلها وبعضها دون ذلك ولعل مقال د.سعد البازغي (وهو أستاذ بقسم الأنجليزية –كلية الآداب- جامعة الملك سعود- السعودية) المنشور بمجلة "عالم الفكر" الكويتية وعنوانه "مستقبل النقد غربة السياق:

من إشكاليات المثاقفة في النقد الأدبي العربي الحديث" لعله يعد مثالا واضحا للجهد الأكاديمي الموفق – إجمالا- في رصد بعض مظاهر القصور في ممارسات نماذج من إعلام النقد العربي الحديث.

تقوم بنية مقال د. سعد البازغي الحجاجية على تبيان الفرق بين رؤية الغرب ورؤية العرب لرموز الحداثة الغربية.
فقد عاد كل من أدموند هوسرل وطه حسين في الثلاثينات القرن العشرين إلى ديكارت، غير أن وجه الإستفادة من تلك العودة بدا مختلفا باختلاف الأخذين تكوينا وتفكيرا وأهدافا، فالتشابه بين العودتين أن هو ألا شكلي يعبر عن تزامن وعيين أحدهما شرقي (طه حسين) يريد إن يصطنع رؤية للشعر الجاهلي غربية شكية ديكارتية، والآخر غربي (هوسرل) ينطلق "من ادراك المضمون الفلسفي للديكارتية ويعلن عدم حاجته إليها" أما الاختلاف فهو عينة من اختلاف اللحظة التاريخية التي تمر بها الحضارتان العربية فهذه المقارنة، تحيل على المفارقة بين التصورين العربي والغربي للحداثة الديكارتية، فقد وقف عندها العرب جامدين يرون أنفسهم – إن لم يتبنوها- وقفوا خارج الحداثة بل دونها أما الغرب، فقد عادوا إلى حداثة ديكارت ناقدين متجاوزين.

ولعل في عرض البازغي لقراءة هوسرل لديكارت ولا أخذ طه حسين للشكّ الديكارتي أخذا "إيديولوجيا"، درسا ينبغي الاستفادة منه يتمثل في التعامل العميق البناء النقدي مع نتاج الغرب الفكري لا إن يكون التعاطي معه سطحيا "تكتيكيا" نفعيا، فهذا يؤدّي إلى الإسقاط.
طبعا لا ننكر في هذا السياق المنفعة الجمة التي جناها حداثيو العرب عندما وجدوا طه حسين رائدا ودليلا، رغم ما حفّ بمحاولته في قراءة الشعر الجاهلي على ضوء منهج الشك الديكارتي، من مزالق نحو السطحية والإسقاط.

أثر هذا التمهيد يشرع البازغي في عرض ورقته الرئيسية فعمد إلى نقد النقاد العرب المحدثين في طرق تعاطيهم مع المناهج الغربية، واتخذ من النقاد العرب أمثلة هي نماذج ثلاثة: سامي سويدان ويمنى العيد وكمال أبو ديب، وقد علل اختياره لهؤلاء دون غيرهم بقوله "وانتقاء هؤلاء إنما جاء لتوافق طروحاتهم مع الأطروحة الرئيسية لهذه الورقة".

والملاحظ أن الباحث يتحرى الدقة فيعرج فقط على النواحي النظرية والمبدئية التي حكمت الاختيارات المنهجية التي اعتمدها كل واحد من هؤلاء ويشير سعد البازغي أيضا إلى أن ما وجهه إليهم من نقد هي ملاحظات "محصورة في النصوص المدروسة فقط" و"لم يقصد منها أن تكون تقييما لجهودهم النقدية بشكل علم".

ويتسم مقال البازغي بالنزعة النقدية الصارمة، فقد أشار إلى منزلقات وقع فيها النقاد العرب المحدثون وقد ركز مقاربته على من اختارهم نماذج، ولكن لم يفته أن "يمرر" –كلما سنحت الفرصة- ملاحظة نقدية تخص غير أولئك من النقاد. وقد استرعى انتباهنا إشارته في هامشين إلى ناقدين تونسيين أوّلهما د. عبد السلام المسدي وثانيهما د. البازغي سندا لتشخيص بعض أدواء النقد العربي الحديث (غياب البعد النقدي والبعد الأصولي) ولكنه في نهاية تعليقه بالهامش ذاته سلط عليه (أي على د. المسدي) أسلحته ذاتها وانتقده لأنه نسي نفسه وكأن مشروع المسدي خارج عن النقد المنطبق على سائر النقاد العرب، والحال أنه- ففي نظر البازغي- يندرج في السياق ذاته.

أمّا الثاني وهو د. حسين الواد فقد أشار إليه الباحث في هامش آخر من هوامش بحثه عندما عرض رأي صلاح فضل القائل بأن دراسة الأستاذ الواد "البنية القصصية في رسالة الغفران" (تونس- ليبيا) هي أحد ثلاثة أمثلة "لم توفق في تطبيق البنيوية"، ولما اقتصر رد البازغي التهمة عن مثال واحد (هو مثال نازك الملائكة في دراستها للشعر العربي) لأسباب تاريخية فالدراسة المذكورة "صدرت قبل التعرف على البنيوية في العالم العربي بل قبل انتشارها في الدراسات النقدية الأوروبية" فهذا يعني أن البازغي موافق ضمنيا على رأي صلاح فضل في نقده دراسة حسين الواد.

ويبدو لنا أن الاكتفاء بـالمصادقة" على رأي الباحث المصري دون إقامة الحجة على ذلك ممل يجعل الحكم السالف بين قوسين.
واللافت للانتباه أن الحجة التي اعتمدها الباحث في انتقاء أمثلته ليست واضحة بالقدر الكافي –فيما نظن- فما معنى موافقة طروحاتهم لأطروحة الباحث؟

فهل يعني ذلك أن نماذج المنتقاة قد وضحت فيها مواضع النقد وضوحا كبيرا بحيث ساعد ذلك أن عدها الباحث خير مثال لتقوية أطروحته.
فهي مدونة "على المقاس المطلوب" ولا تحتاج آراء النقاد الواردة فيها إلى أعمال اجتهاد في التأويل أو استخراج مواطن الخلل التي حاول الباحث معاينتها؟ أم إنّ البازغي قصد من قوله ذلك أنّ المحور الذي ركّز عليه أطروحته وهو –كما يظهر من العنوان الفرعي للمقال- "مستقبل النقد، غربة السياق"، هو محور أجلى ما يكون بروزا في مدوّنة أولئك النقاد بشكل خاصّ؟
وهنا لا يسعنا إلا أن نتجه إلى عمله بملاحظتين:

* الأولى: لا نشك في أنه مطلع عليها، وهي أنه –على سعة إطلاعه وجودة نقده- لم يكن ليستقصي كل ما كتبه النقاد العرب في تثاقف مع الغرب ولا أغلب ما كتبوه، وقد ذكر في موضع من المقال أنه "أقا نقص (كذا) من نقد سويدان" طبعا السياق مختلف عن الاستقصاء الذي نتحدث عنه، ولكن نفهم من اختيار البازغي المنهجي أنه يروم القبض على الكليات لذلك نأى بنفسه عن الاستغراق في فيض التفاصيل لكي لا يعوقه ذلك عن استخلاص أمهات المسائل وكلياتها.

* الثانية: أن الباحث قد ألم في العنوان الفرعي لمقاله بأمرين على غاية من الأهمية في مقاربة النقد العربي وهما إشكاليتا: مستقبل النقد وغربته عن السياق (وهي- في نظرنا- غربة مزدوجة غربة عن الأصل عن طريق النقل "غير الأمين" وغربة عن السياق المنقول له عن طريق "التعسف" في التطبيق.
والواقع أن اختيار الباحث المنهجي المتمثل في مقاربة مدونة مخصوصة لثلاثة نقاد عرب جعلته يضطر إلى تناول المسألتين بشكل ضمني فلا يقف قارئ المقال على رأي تأليفي واضح يتصل بإبراز أطروحة الباحث عن تلكما المسألتين.

ولكن، من حيث لا نتوقع، نرى أن البازغي قد استشهد بالمؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي في مواضع حاسمة من المقال مما جع_لنا نحس بأنه وإياه يصدران عن رؤية إن لم تكن متطابقة. فهي أقرب إلى أن تكون كذلك فالعروي نقد النقاد العرب في إهمالهم حركية العلم واتخاذهم "مهملات" الغرب نماذج للمحاكاة الجاهزة المهدرة للبعد التاريخي وللتطبيق الحرفي أو "الصحيح" في أحسن الحالات، في نطاق القول بعالمية المعرفة وكونية العلم، ممّا يشكل- في نظر العروي والبازغي أيضا- قصورا عن إدراك مسار التحولات في العلم عند الغرب وقيامه نتيجة حاجات واقعية تولدت في مجتمعاته بحيث تقوم مناهج وتسقط وتموت ولكن النقاد العرب يقفون مع كل واحد منها يستقدمونه موقف المشدوه المتعجب الذي يقدسه (حتى ولو تناقض هذا التعامل مع محتوى ما يتم نقله، ولعل من أمثلة هذه الوضعية المفارقة أن ينقل ناقد مبدأ إزالة التقديس عن النصوص، ولكن الناقد لا يعمل بمحتوى ذلك المبدأ عندما ينقله فيقدسه تقديسا) وربما عجز عن إدراك سياقه فحرفه – عن غير قصد- أو ربما تصرف فيه أو مازج بين مناهج مختلفة- ناسيا أو جاهلا- الفرق والبون الشاسع بين خلفياتها المعرفية التي تؤسسها فأدّى به كل ذلك إلى ضروب من التشويش والخلط والاضطراب.
فلا يستقيم حال الناقد، وقد ضيع الوصلة في متاهات المناهج الغربية.

أو ربما –وهذا وارد أيضا- انتقض الناقد العربي ذاته فإذا عنّ له أن ينقد منهجا غربيا، ألفيته مترددا حذرا متشككا يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى مخافة أن يكون رأيه خطلا أو أن يكون نقده زللا والحال أن المفكرين الغربيين المتأخرين يصدعون متى استقامت لهم الحجة –بآراء تجب وتنقض وتهدم ما شيد أسلافهم لا من الموتى فقط بل ومن الأحياء أيضا.
يبدو أنّ المفارقة تكمن في العلاقة بين الشكل و"الروح" كما يسميه البازغي فمدارس النقد الوافدة والمستوفدة هي من الغرب فنحن ننقلها عنهم نقلا. أمّا روح تلك المدارس:

أي أطروحاتها ومواقفها ومضامينها فهي ذات محمول عقلاني في الغالب (ما عدا ما ظهر من تقليعات غربية ظرفية كالسوريالية وغيرها، والغريب أن بعض "مبدعي" الحداثة العرب تناولوها بشكل ساذج لا ينم إلا عن حيرة شكلية مسيرة بحدود وشروط شكلية محض تفتقد الأصول المعرفية والحيثيات الاجتماعية التي ولدتها...) فهذا ما يشكل مفارقة صارخة بين التلقي النقلي والمحتوى أو المضمون العقلي فيكون الناقد بين مطرقة الوفاء للنقل الصحيح الحرفي "العلمي" لما يرد عليه من الغرب وسندان الامتثال لتعاليم المنهج المنقول العقلانية ولعل أهم تلك التعاليم الإمتثال إلى سنة المعرفة البشرية في وجوب خضوعها إلى النقد والنقد الذاتي بما هم السبيلان الأقْوَمان إلى التطوّر والتطوير.

تبقى عملية تطبيق المناهج الغربية أمرا حساسا. متى نحكم على عمل بأنّه نجح في التطبيق ومتى نصمه بالإخفاق؟ خصوصا إذا تذرع كثير منا بالنسبة، أو بالأحرى، بضرب من النسبية "المائعة" التي تنقلب ضربا من اللاأدرية أو نوعا من القول بتكافؤ الأدلّة.
إذا كان التطبيق آليا يغصب النصوص على أن يتوالج المنهج، (بما هو الجانب النظري) والمدوّنة، (بما هي الجانب العملي) عسفا وقهرا، فهذا الضرب من التطبيق قد يكون مفيدا مدرسيا لتدريب الناشئة على اكتساب المنهج وأحكام قوانينه ولكنّه إن مورس بشكل مطلق أنتج تشويشا وأعقب عُقما.

أمّا الملاينة والتصرّف الذكيّ فيحتاج إلى مهارة وإلمام عميق بأصول "اللعبة"، وقد ينجح الناقد في مواضع ويخفق في أخرى وليس النجاح الكلّي بمضمون مسبقا لأي كان لأن العصمة قد رفعت.
نشير في النهاية إلى أهمية المقال الذي كتبه د. سعد البازغي، فقد حرك فينا شجونا إذ عرّج على مقاتل في الممارسة والفكر النقدي العربي الحديث، يحتاج توصيفها إلى أكثر من آلة...

ويكفي الباحث فخرا أنّه تحرّى "الواقعية" في غير إسراف في التشخيص الذي اقترحه ولعلّنا أنأى ما نكون عن المحاباة إذا اعتبرنا المقال المذكور، لَبِنَةً صالحة ليعمّق المفكرون العرب المعاصرون اهتمامهم بنقد النقد ولِيُولُوه المكانة التي يستحقّ فقد حان الوقت لتجاوز "الديبلوماسية" و"النفاق" و"المجاملة" في معاملة النصوص الناقدة، (دون أن يكون في ذلك تحريض على الجرأة في غير "الحقّ") وكأنّ المعرفة النقدية للناقد حصانة كافية له من أن يُعرض نصُّه بدوره على مرآة النقد و لولا أنّ اللغة تختصّ بالوظيفة الانعكاسية فتدور على ذاتها لمَاَ كُشفت العيوب ولما تقدّمت المقاربات نحو الأنجع والأنفع والأجمل طبعا.

 

صابر الحباشة - (الصباح الجديد)



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri