صدفةً توجد
الإسكندرية
عبر القطارُ
الذي صنعه الأطفال هديةً لآبائهم، فسرقه آباؤهم ليمشي في شوارعهم،
جميلاً مع ذلك، فارغًا، صاخبًا مثل بيتٍ لأهله فقط،
عبرَ أمامى،
في الشارع الضيق الجميل الذي انحنى بغتةً وعن عمدٍ ليخفي القطارَ
إلا قعقعةً لعازفٍ نام بينما أصابعه صاحيةٌ تتحرك بوعى جديدٍ
ومغايرٍ كلَّ لحظةٍ تتحرك تتحرك كأنها البحر الذي هو البحر
لأنه يتحرك ولأنه ذاهبٌ باقٍ في كل لحظة
ـ وأينما أنظر
يا أخى كنت أجده حتى وأنا أضع على شفتيَّ الأحمر في مرآتى
أما أنا فرأيت
أنَّا نسير معا، بينما تتوالى على عنوان بيتنا ـ الذي يتغير
مع كل خطوة ـ بطاقاتٌ من الموتى يهنئوننا:
"حبٌّ جديد
دائما،،
جدك"
"لتكن كل نظرة
الأولى،،
جدتك"
"شكرًا على
اهتمامكا بأمري...
كافافي"
عرفوا جميعا
بأمرنا حين قالت:
ـ وأصبح البحرُ
ممشاي ومخدتي التي تحت خدي
والشارع في
حجم ترعةٍ على صفحةٍ من كراسة الرسم التي كانت أكبر من حقيبتي
المدرسية فأزعل لحوافها تنثني، أنا الصغير الذي لا يزال يرى
الأشياء أكبر، والعمر أطول، والبحرَ
ونحن مركبٌ
على بازلت الشارع، مركبٌ يرفُّ شراعُه
ـ هنا، حيث
يمكنها أن تطلب الندى بالتليفون، بيتُ مريم
نختفي كالقطار.
ولا يرتد الشارع مع ذلك، يبقى صغيرًا، كتوقيع "عدلي رزق الله"·،
مؤديا إلى البحرِ
وهنا حيث تبدأ
المدينة وتنتهي، قالتْ، تشرب خمرًا لا ينقطع، وأشارت إلى بنتٍ
جنب بار. وهنا على هذه الصخرة تنظر في البحر وفي ساعتك فتعرف
كم مضى على الآخرين. وهنا سمكٌ رخيصٌ وطيب. وتمشي لوحدك. أنت
تعرف الآن بعد كل هذا المشي. وتعرف، لم يكن ما جرى بيننا قصة
حب، إنما الموتى لا يفهمون شيئا، على الأقل عن الأحياء
الأحياء الذين
باستطاعتهم وحدهم ألا يظلوا قبورا لبناتٍ موءوداتٍ،
يظهرن ظهورَ
البحر
ويختفين اختفاء
الندى.
أحمد شافعي /
الإسكندرية - ahmadsshafie@yahoo.com