الأدب
العربي المعاصر
من
منظور ألماني
إذا ما بحثنا عن الأدب
العربي انطلاقاً من أوربا وبعيداً عن روايات "ألف ليلة وليلة"
لتراءت لنا على الفور ظاهرة فريدة من نوعها، حيث لن نتمكن
حتى مع أفضل النوايا من تسديد النظر نحو وجهة بعينها ومن إيجاد
بؤرة الرؤية الصحيحة، إذ تبدو الصورة بلا المركز وأياً كانت
الزاوية التي يقع الاختيار عليها لالتقاط الصورة فنحن غالباً
ما نحيد عنها. وهذا أمر لا ينبغي أن يثير العجب إذا كنا نتحدث
عن منطقة جغرافية تضم اثنتين وعشرين دولة، يختلف بعضها عن
بعض اختلافاً شديداً، وتمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج
العربي.
مشكلة الرؤية الصحيحة
لذا يجب ألا ينظر إلى
أى ما يقال في كلمات عامة حول الأدب العربي – خاصة وإن صدر
من أجنبي – على أنه الجانب الوحيد للأمر وإنما هو مجرد ملمح
يعوزه بالضرورة الاستكمال ويتطلب الاعتماد على جوانب أخرى
عديدة ذات ثقل موضوعي وجغرافي آخر لتصبح الصورة مكتملة. فالأمر
حين يتعلق بظاهرة متغايرة وغير متجانسة، وتتميز بالتبدل والتحول
المستمر مثل الأدب العربي، يستحيل معه تقديم صورة موضوعية
عن هذا الأدب، مهما حاولنا وسعينا إلى ذلك.
ويزيد على ذلك ظاهرة
أخرى بالنسبة لغير العرب مفادها أن الأدب العربي الحديث ليس
أدب تصعب معالجته فحسب، ولكنه نادراً ما يتعرض له أحد بالبحث
والدراسة أيضاً (وذلك لأسباب سوف يرد ذكرها فيما بعد). فمن
يدرس الاستشراق في ألمانيا على سبيل المثال يكاد لا يجد أساتذة
تخصصوا في دراسة الأدب العربي الحديث، حيث تندر مراجع البحث
ولا توجد سوى بعض المجموعات من المقالات المختارة ومن الأطروحات
القصيرة. أما في الوقت الحالي فلا يوجد عمل واحد في سوق الكتاب
الألمانية يقدم عرضاً جامعاً شاملاً للأدب العربي، ناهيك عن
الأدب الحديث. وهاك مثال لتوضيح أحد أوجه صعوبة الأمر، إذ
تختلف الآراء بشكل كبير عند توجيه السؤال حول بداية الأدب
العربي "الحديث" بوجه عام.
متى بدأت الحداثة لدى
العرب؟
وفقاً لرأي واحد من
أشهر ممثلي الحداثة العربية، وهو الأديب السوري على أحمد سعيد
المعروف بالاسم المستعار أدونيس، بدأت الحداثة تعرف طريقها
إلى الأدب العربي في القرن الثامن، وذلك أثناء فترة حكم الخليفة
الشهير هارون الرشيد وشاعر بلاطه الماجن أبي نواس، واللذان
تدور حولهما الكثير من قصص ألف ليلة وليلة. "المحدثون" هذا
هو الاسم الذى أُطلق على الأدباء الذين ثاروا على أشكال ومحتويات
شعر البدو العربي المألوف آنذاك، وذلك تحت تأثير حياة مدينة
بغداد الكبرى (وكانت حقاً آنذاك أكبر وأروع مدينة في العالم).
لذلك يطلق أدونيس على أبى نواس لقب "بودلير العرب". إن فكرة
الحداثة الأدبية قبل عصر الحداثة تستهوي في ذاتها نفوس العرب،
فهى تحررهم من عقدة الشعور بالنقص المتمثلة في أنهم لم يعرفوا
الحداثة سوى عن طريق أوربا. لكن هذه الفكرة تنطوي كذلك على
نقيصة كبرى: فهذه الحداثة السابقة على عصر الحداثة لم تستمر
سوى في عصر ازدهار بغداد. فقد غرقت الحضارة العربية قبيل هجوم
المغول على المدينة عام 1258 في سبات عميق مثل ذات الجمال
النائم دام مئات الأعوام. ولم يكن الأمير الذى أفاقت على قبلته
سوى أحد أبناء الثورة الفرنسية، ألا وهو نابليون. فقد حدد
المؤرخون بداية النهضة التدريجية للحضارة العربية بحملة نابليون
على مصر، إذ نتجت هذه النهضة عن اللقاء بأوربا بوجه خاص. وسواء
أردنا أو لم نرد، فإن للأدب العربي المعاصر أوجه مشتركة مع
الأدب الأوربى الحديث أكثر مما له مع الأدب العربي الكلاسيكي
(القديم)، ومن ثم هو أبعد ما يكون عن مجرد تقليد حرفي.
الظروف الصعبة المحيطة
بالأدب العربي
كانت الظروف السياسية
والاقتصادية التي حقق العرب تحت وطأتها تطوراً خلال مائتى
عام، وهو ذات التطور الذى استغرق أوربا ما يقرب من الألف عام،
سيئة للغاية. إن القارىء الذي يشتري ترجمة لعمل أدبى عربي
أو يطلبه من إحدى مكتبات بيع الكتب الألمانية وافرة العروض،
بنفس البداهة التي يتعامل بها مع أى عمل أخر، لا يكون لديه
على الأرجح تصوراً حول مدى سوء وصعوبة هذه الظروف حتى اليوم.
لكن كل عمل عربي يظهر اليوم ينضح بهذه الظروف التي تُسجل نصاً
في بعض الأحيان.
إشكالية اللغة العربية
تبدأ الإشكالية بالتساؤل
عمن يقرأ بوجه عام. والمسألة لا تتمثل في قضية الأمية، بل
في الاستعداد النشط للقراءة والقدرة على ذلك، وفيمن يمسك بالفعل
بكتاب ليقرأه. وهو الأمر الذي يُعزى إلى وجود صعوبات في اللغة
العربية تتطلب وقتاً طويلاً وحماسة في التعلم للتغلب عليها.
يكمن السبب الرئيسى في ذلك في أن اللغة العربية الفصحى لم
تتغير عملياً من ناحية النحو أو الصرف منذ عصر ما قبل الإسلام
(الجاهلية)، أي منذ 1500 عام تقريباً. صحيح أن هذا يسهل على
كل عربي مثقف قراءة أقدم النصوص، لكن بالنسبة للبسطاء تعد
اللغة العربية الفصحى للوهلة الأولى لغة اجنبية، حيث أن اللغة
الأم بالنسبة لهم هى اللهجة السائدة التي تُرَد في العادة
إلى اللغة العربية (هذا إذا لم يتعلق الأمر بلغات البربر أو
لغات التي تتحدث بها مجموعات قليلة مثل الكردية والأشورية
والأرمينية وخلافه) ولكنها تبعد عنها بعد لهجة سويسرية تخص
فئة معينة عن الألمانية الفصحى. وقد أدى ذلك إلى عدم ندرة
الأخطاء النحوية حتى لدى بعض الكتاب العرب الراسخين، وهى أخطاء
لا يرتكبها لدينا حتى الطلبة، ولكن الكتاب أنفسهم يستشعرون
أنها صحيحة. فقد ازداد فقدان الإحساس بما هو جيد وصحيح لغوياً
في العالم العربي ووصلت المشاحنات بين الكتاب العرب ممن يتبادلون
الاتهام فيما بينهم بأنهم لا يتقنون اللغة إلى حد غير مسبوق.
ولا يعد ذلك فقداً للإحساس اللغوي فحسب، بل هو أيضاً عرض التحرر
من قيود لغة متقادمة يعتبرها الكثيرون مقدسة، لأنها لغة القرآن.
وقد يكون هذا التحرر من السطوة المطلقة للغة العربية الكلاسيكية
هو نفسه أهم سمات التيارات الأدبية الحديثة في العالم العربي
في بداية القرن الحادي والعشرين.
مشاكل الأدب الاقتصادية
يزيد على كل هذه العصوبات
غياب عملية التحرير المتقن في دور النشر لأسباب اقتصادية (أى
المراجعة اللغوية والتصحيح الذى يمتد ليشمل محتوى وأسلوب ما
كتبه المؤلف). وانطلاقاً من كل هذه الأسباب يفضل الكثيرون
من الكتاب العرب الكتابة بلغات أخرى، خاصة اللغة الفرنسية
(في الغالب كتاب شمال أفريقيا أو مسيحيو لبنان). فاللغات الأوربية
أكثر سهولة من حيث الاستخدام، كما تتيح لمن يكتب بها مدخلاً
إلى سوق للكتاب يُعتمد عليها وقوية من الناحية المالية. وهناك
مشكلة أخرى كبيرة تواجه الأدب العربي المعاصر تتمثل في عدم
وجود سوق منظم بدقة كما هو الحال في ألمانيا. كما أنه لا يوجد
نظام متبع لطلب الكتاب، أو فهرس يعتد به للكتب التي يمكن الحصول
عليها، فضلاً عن غياب تجارة الكتب عبر الإنترنت باستثناء بلاد
المنفي و دول الخليج. ولا تسطيع دور النشر المتخصصة في نشر
الأدب العربي الحديث الإبقاء على وجودها غالباً إلا عن طريق
الكتاب الشباب والأقل شهرة الذين يدفعون نقوداً مقابل نشر
كتبهم. إلا أن ذلك لا يشكل وبالاً على الكتاب فحسب، بل أيضاً
على صورة ذلك الأدب في حد ذاته لأنه يتسبب في إغراق السوق
الذى يتسم بالضعف على أية حال بفيض من الأعمال غير مكتملة
النضج والتي تستلزم البحث فيها لاستخلاص تلك الأعمال التي
ينصح بها حقاً، ويكون الأمر أشبه بمن يبحث عن إبرة وسط كومة
من القش.
في العالم العربي لا
يستطيع حتى الكاتب القصصي المعروف أن يربح أموالاً كافية من
كتبه. ويرجع ذلك ببساطة إلى قلة القراء، بل أن بيع ثلاثة آلاف
(3000) نسخة يمثل أمنية بعيدة المنال بالنسبة لأغلب الكتاب.
ومن يحقق رقم مبيعات أعلى يعتبر نجماً، لكنه لا يستطيع أن
يعيش على ذلك. لذا يضطر كافة الكتاب تقريباً إلى العمل في
إحدى المصالح الثقافية الحكومية سواء كصحفيين معينين أو مدرسين
وأساتذة، وهى كلها وظائف لا تدر دخلاً معقولاً في العالم العربي
لكنها توفر الوقت الكافي للكتابة، إذا عاش المرء بقدر كاف
من التواضع.
وعلى عكس الصورة الراسخة
لدى الرأي العام الغربي فإن الرقابة الأدبية ومنع الكتب أو
مصادرتها أصبحت من الأمور النادرة، فالوضع أضحى مغايراً للستينيات
والسبعينيات كما أنه مغاير لما عليه الحال في إيران، حيث لا
يتعرض الكتاب في الوقت الحالي لإجراءات تأديبية أو قمع بسبب
أعمالهم إلا في القليل من الدول العربية، كالسعودية على سبيل
المثال. ويستطيع الآن كافة الكتاب العرب تقريباً، المعروفين
لدينا بأنهم كتاب في المنفي العودة مرة أخرى إلى ديارهم.
مركز تناقل الأفكار
والتقاليد
بقدر ما يواجه الأدب
العربي المعاصر ظروفاً صعبة، يكون حجم الضغوط التي يواجهها
من ناحية أخرى في سبيل التعبير عن الذات وإعلاء الصوت، خاصة
وأن الأدب أو الكلمة المكتوبة تحظى في العرف بأكبر تقدير.
وبهذا القدر تتنوع أيضاً التيارات الثقافية التي يمكن لكاتب
أن ينتمي إليها. فكما كانت موانىء دول الشام القديمة مركزاً
لتبادل البضائع بين الشرق والغرب، يعد الكاتب العربي اليوم
مركزاً عملاقاً لتناقل الأفكار والتقاليد. وقد شهدت التسعينيات
على وجه الخصوص تزايداً ضخماً في الإمكانيات الأدبية، حيث
يتوافر في الأدب العربي اليوم كل شىء بمعنى الكلمة؛ فنجد الأدب
رفيع المستوى والمبتذل الرخيص والأدب الملغز والرومانسي-الشرقي
والتجريبي إلى جانب الأدب الكلاسيكي والتجديفي والرجعي. فالمشهد
الأدبي في العالم العربي إذاً ليس بالصحراء ولكنه أدغال لا
يتجاسر الأجنبي بوجه خاص على دخولها، أما من يجترئ على الدخول
فلن يجد مخرجاً محتملاً.
نقل الأدب إلى الخارج
نظراً لعدم وجود كشافة
محترفين ووكلاء كما هو الحال بالنسبة لآداب لغات العالم الأخرى،
يعانى الأدب العربي حالياً من أزمة وساطة واضحة، حيث تُلقى
كافة أعمال الوساطة تقريباً على عاتق القلة القليلة من المترجمين،
وهو ما يثقل كاهلهم بطبيعة الحال. أما العمل الرائع الذى يقدمونه
فيبدو واضحاً في تزايد كم الأدب العربي باللغة الألمانية الآن
عما يمكن لأكبر محبي أدب الشرق قراءته. وقد رصدت مجلة فكر
وفن، وهى المجلة العربية التي يصدرها معهد جوته، كافة الأعمال
المترجمة إلى الألمانية من الأدب العربي الحديث وقدرتها بحوالي
مائتي (200) عنوان، علماً بأن هذه القائمة لا تحوي المختارات
أو الأعمال الكلاسيكية أو تلك الأعمال التي كتبها أدباء عرب
بلغات أخرى. فإذا أضفناهم للقائمة لبلغ عدد الأعمال المترجمة
حوالي أربعمائة (400) عنوان. أن الأدب العربي يعيش باللغة
الألمانية.
أمثلة وتوصيات
ولكن ما الذى يمكن أن
ننصح به القارئ المحب للاطلاع لكنه غير متخصص على سبيل البداية؟
مع الأخذ في الاعتبار أن الكتب المذكورة هنا هى توصيات نابعة
من ألماني على دراية بسيطة بالأدب العربي وموجهه إلى ألمان
لا دراية لهم به على الإطلاق. والأمر يتعلق هنا بالكتب المترجمة
فحسب بطبيعة الحال. ولعل أحد المتخصصين العرب كان ليوصي بكتب
مختلفة تماماً، وهو بالتأكيد أمر حسن، إذا استطاع فعله. كما
ذكرنا سلفاً فإنه يوجد العديد من المنظورات المختلفة التي
يمكن رؤية الأدب العربي الحديث من خلالها، ولكن أياً كان المنظور
الذى يتحدث منه المرء فعليه في كل الأحوال أن يعي وجود منظور
آخر وأن الموضوعية قد تكون شيئاً منشوداً ولكنه لا يمكن الوصول
إليها أبداً.
الأدب الروائي
صدر في السنوات الأخيرة
الكثير من أهم وأفضل الأعمال في الأدب العربي الحديث بالألمانية
– دون أن يلاحظها الرأي العام – ويتعلق الأمر في الغالب بكتاب
الأدب الروائي العربي المعاصر الكلاسيكيين من الستينيات والسبعينيات
والثمانينيات. ويعد الأديب المصري نجيب محفوظ الحاصل على جائزة
نوبل أشهرهم على الإطلاق، فهو يوضح في أغلب أعماله التي تتميز
بالسلاسة في القراءة كيفية تسرب الانحدار الأخلاقي وفقدان
التوجه الحديث داخل الطبقات المتوسطة المصرية، كما هو الحال
في روايته الشهيرة "ثرثرة فوق النيل". لكن الأدب العربي بعد
محفوظ كشف وطور ثانية طاقات وموضوعات وأشكال أخرى تماماً.
وتعد رواية الطيب صالح - مواليد عام 1929 - الصغيرة الحجم
"موسم الهجرة إلى الشمال" منذ صدورها واحدة من أهم عشرة أعمال
في الأدب العربي الحديث، فضلاً عن تقديس جيل كامل من مثقفي
الشرق الأوسط لها. تصور الرواية الترقي الشاق في الوظيفة للطالب
السوداني مصطفي سعيد في الوطن الأم للاستعمار. وسعيد هو شيطان
وصولي مثقف وهو الجد الأفريقي الأول لأبطال برت إستون إليس،
كما أنه ينفث جنسياً عن الروح الانتقامية الكامنة فيه تجاه
البريطانيين الذين يدعمونه ولكنهم لا يعتبرونه نداً لهم أبداً،
حيث يدفع الإنجليزيات اللاتي يقعن في غرامه الواحدة تلو الأخرى
إلى الانتحار أو يقتلهن بيديه. ويتم إنطلاقا من فكرة "العودة
إلى الجذور" البحث في أصل هوس سعيد براوى الحكاية، وهو شاب
من وادى حميد، وهى قرية على النيل يعود إليها سعيد لكى ينفض
عن نفسه ذلك التحول إلى الغرب المرغوب فيه وغير المرغوب فيه
في الوقت ذاته (وذلك طبعاً دون جدوى). وحتى الآن لم يستطع
أى عمل أن يتوغل بمثل هذا العمق داخل تلك العلاقة ذات الشقين
التي تربط بين المثقفين العرب والغرب. أنه حقاً عمل هام جداً
في الوقت الحالي .
ولا شك أن فن الإيجاز
الذى يميز رواية صالح ذات المائة والتسعين (190) صفحة يعد
ممثلاً للأدب العربي الحديث، شريطة غض النظر عن محترفي القصة
القصيرة المخضرمين مثل المصري يوسف إدريس والسوري زكريا تامر.
أما الأطراف المقابلة لصالح والتي خطت خطوات كبيرة في مجال
النثر، فيمثلها على سبيل المثال الليبي إبراهيم الكوني (1948)
والكاتب الروائي العراقي – السعودي عبد الرحمن منيف (1933–2004).
تصف أعمال الكوني في واقع الأمر عالماً ليس عربياً على الإطلاق،
كعالم الطوارق، أو بدو الصحراء. وهو لا يصور أثناء ذلك حياة
هؤلاء البدو بشكل واقعي يقترن بمشاكلهم الملحة، وإنما يسجل
صورة لنموذج مقابل للحداثة غني أسطورياً. وفي عالم الكوني
القديم تحارب المتضادات بعضها البعض: المال والأخلاق، الإفراط
والزهد، الرجل والمرأة، التقاليد والتجديد، كل هذا يدور في
عمله الملحمي الضخم "السحرة" الذى يحوي ثمانمائة (800) صفحة.
ويشير نجاح مبيعات أعمال
الكوني في الدول الناطقة بالألمانية إلى أن القراء الغربيين
يقدرون بشكل ملحوظ في الأدب العربي ما يخالف تماماً المألوف
لديهم ، هذا الذي لا يجدونه في الروايات الألمانية أو الأمريكية
على حد سواء. وإلى هذا يمكن أن يُعزى أيضاً الصدى الكبير لرواية
الكاتب السعودي الأصل عبد الرحمن منيف "مدن الملح" التي تحوي
560 صفحة عند ظهورها أخيراً بالألمانية (في الحقيقة ظهر الجزء
الأول فقط من هذه الخماسية!) عام 2003. يصور منيف بحس مرهف
وبدون خجل من التابوهات تحول السعودية من دولة بدو في عصر
ما قبل الحداثة إلى دولة بترول يتغلغل فيها الغرب. كما يكشف
العمل الذى صدر عام 1984 أصول الحرب الأهلية التي تهدد السعودية
في الوقت الحالي.
النساء أيضاً يكتبن
لكن الأدب العربي لم
يعد حكراً على الرجال منذ زمن طويل. ولا ينطبق ذلك على الكاتبات
اللاتي يكتبن باللغة الفرنسية مثل أسيا جبار فقط. فالكاتبات
اللاتي يستخدمن اللغة العربية يتميزن أيضاً بأنهن ثوريات وواثقات
بذاتهن ومتحررات، ونذكر منهن على سبيل المثال أبرز ممثلة للأدب
الفلسطيني، سحر خليفة من مواليد عام 1941، والتي يظهر أحدث
أعمالها "صورة وأيقونة وعهد قديم" حالياً بالألمانية أيضاًً.
تقوم سحر خليفة التي عاشت وقامت بالتدريس طويلاً في أمريكا
بتوصيل رؤية مفزعة من داخل الحياة اليومية للمرأة الفلسطينية،
فهى تكافح من ناحية ضد عنت الاحتلال الإسرائيلي ومن ناحية
أخرى ضد التركيب الأبوي داخل المجتمع الفلسطيني. اسهم الكثير
من الكاتبات الشابات في التسعينيات في تغيير صورة الفتاة العربية
بشكل إيجابي حقيقي. فتصور المصرية ميرال الطحاوى على سبيل
المثال، المولودة عام 1968، في كتابها الباذنجانة الزرقاء
كيف دخلت دوائر الإسلاميين أثناء فترة الدراسة، وتصف الصراعات
التي اعتملت داخلها والتي كان عليها احتمالها لتنجو بنفسها.
إن لغتها التي تظل حتى مع الترجمة مفعمة بالرموز والتي تعد
إلى حد ما مجهدة للأذن الألمانية، تشهد على عملية التحرر المضنية
تلك.
أهمية الشعر
لا يطرق العرب بعنف
على البوابات المصفحة لنادي "الأدب العالمي" الذى يسوده الغرب
بفنهم الروائي فقط. فلا زال الشعر هو الجنس الأدبي الذى يحظى
بأرفع مكانة لدى العرب حتى اليوم. ومن أسعده الحظ مرة بالاستماع
إلى قراءة للشعر العربي يعرف السبب. ويعد أدونيس المولود عام
1930 واحداً ممن يلقون استحساناً خاصاً لدى محبي الشعر الأصلاء،
علماً بأن أشعاره ليست ملغزة على الإطلاق كما تبدو لأول وهلة.
يصف أدونيس بوضوح انطلاق الحداثة في العالم العربي قائلاً:
بكت المئذنة / حين جاء الغريب اشتراها/ وبنى فوقها مدخنة.
وتعتبر قصيدته الطويلة
"قبر من أجل نيويورك" التي كتبها عام 1971 وترجمت مؤخراً إلى
الألمانية قصيدة لها وقع الانفجار، حيث اعتبرها الكثيرون ممن
فسروها بمثابة نبوءة شعرية بأحداث الحادي عشر من سبتمبر. أما
من يبغى مدخلاً أكثر هوادة إلى الشعر العربي فعليه بشعر فؤاد
رفقة. حصل هذا الشاعر اللبناني الأصل على درجة الدكتوراه من
ألمانيا عن أطروحة عن هايدجر، كما ترجم الكثير من الأشعار
الألمانية، وهو يكتب بلغة تتسم تماماً بما صاغه في قصيدة له
بعنوان "لغة" في الديوان الذي يحمل عنوان "وادي الطقوس": عارية
/ بسيطة وفقيرة / كلام أطفال / في بداية الكلام/ لغته: لغة
الأعماق
ولكن الشعر العربي الحديث
بالغ الثراء لدرجة تحول دون عرضه بأسلوب مكافئ عن طريق سرد
بعض الأمثلة، ومن يرغب في الاطلاع عليه فعلاً، فعليه أن يلجأ
إلى إحدى مجموعات المختارات الصادرة بالألمانية (انظر الفهرس).
العرب الذين لا يكتبون
بالعربية
يجب أن نذكر كذلك الكتاب
العرب الذين يكتبون بلغات غربية، حيث أنهم يجسدون الانصهار
الثقافي ويدين لهم أغلب القراء بأولى لقاءاتهم الأدبية بالشرق،
كما أنهم معروفون عادةً أكثر من زملائهم الذين يكتبون باللغة
العربية. فالأديب السوري–الألماني رفيق شامي والمغربي–الفرنسي
طاهر بن جلون هما الأكثر شهرة على الإطلاق. وسوف يقدم رفيق
شامي هذا الخريف أكبر رواياته حتى الآن، وهى أشبه بقصة حب
دمشقية على غرار روميو وجوليت وتحمل عنوان "الوجه المظلم للحب".
ولا شك أن الأدباء الذين
يكتبون باللغة العربية يراقبون نجاح زملائهم الذين يستخدمون
اللغات الأجنبية ببعض الحسد ويفضلون دائماً أن يتهموهم بأنهم
يقدمون للرأي العام الغربي صورة رخيصة للشرق تتسم بالغرابة،
وهو ما ينطبق على القلة القليلة منهم ولكنه لا يسري على الغالبية
العظمى بالتأكيد. فذلك الأدب الذى خطه عرب بلغات أجنبية يتميز
بسعادة الحكي الرائعة، وبالرغبة الكبيرة في التلاعب باللغة
والمادة الدرامية سواء كان ذلك باللغة الألمانية على يد السوري
رفيق شامي والعراقي حسين الموزانى أم باللغة الفرنسية على
يد المغربي الفرانكوفوني بن جلون، والجزائريين رشيد بوجردة
وياسمين خضره أو بوعلم سانسال، وكذلك على يد اللبنانيين أمين
معلوف وفينوس خورى – غاتا . فكل هؤلاء الأدباء يمثلون إثراءً
للأدب العربي وللغات التي يكتبون بها على حد سواء.
درس شتيفان فايدنر علوم
الإسلام وهو محرر مجلة فكر وفن وصدر له منذ فترة ليست بعيدة
كتاب بعنوان "مختارات من الشرق. دليل لآداب العالم الإسلامي"،
طبعة صادرة عن دار نشر زيلينه (Selene)، فيينا 2004.
مداد
ترجمها للعربية: د/
علا عادل عبد الجواد
مراجعة: طارق عبد الباري
و وسام سامي
الكتب التي وردت في
المقال كمقترحات للقارئ الألماني:
Adonis: Ein Grab für
New York. Gedichte, arabisch und deutsch. Ammann Verlag,
Zürich 2004. 24,90 EUR
Ibrahim al-Koni: Die
Magier. Roman. Lenos TB. 16,50 EUR.
Sahar Khalifa: Die
Verhei?ung. Roman. Unionsverlag. 16,90 EUR.
Nagib Machfus: Das
Hausboot am Nil. Roman. Bibliothek Suhrkamp, 12,80 EUR
Abdalrachman Munif.
Salzst?dte. Roman. Diederichs, München 2003. 24,90 EUR
Fuad Rifka: Das Tal
der Rituale. Gedichte, arabisch und deutsch. Straelener
Manuskripte, Straelen 2002. 24.90 EUR
Tajjib Salich. Zeit
der Nordwanderung. Lenos TB 9,95 EUR.
Miral al-Tahawi: Die
blaue Aubergine. Roman. Unionsverlag, Zürich 2002. 16,90
Eur.
Lyrik-Anthologien:
Khalid Al-Maaly (Hg.): Zwischen Zauber und Zeichen. Das
Arabische Buch, Berlin 2000.
Stefan Weidner (Hg.):
Die Farbe der Ferne. C.H. Beck Verlag, München 2000.