البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

نقد المسكوت عنه في خطاب المرأة والجسد والثقافة

يتسم المشهد النقدي في الثقافة العربية بالتشوش الذي ينجم عنه إكثار اللغط حول الكتابة النقدية وممارستها، ويكشف عن خلل في تقويم الواقع، وتقويم عملية الخلق والإنتاج من خلال الاعتماد على مقاييس أو الاستعانة بمقولات لا علاقة لها بجوهر عملية الخلق ولا بالعملية النقدية. وفي هذا المجال تشكو أمينة غصن في كتابها "نقد المسكوت عنه في خطاب المرأة والجسد والثقافة" من "ناقد الحداثة العربي"، كونه جعل "من نفسه نواة ومركزاً لعلوم الغرب"، لكن شكواها تكبر وتمتد الى النقد الحديث برمته، كونه صار معقلاً خطراً وحالاً من الهذيان ينقض بعضه بعضاً.

وتقوم الفاعلية النقدية عند غصن على المغيّب أي كشف السكوت عنه في الخطاب وبالتالي الحفر في جذور النص المغيبة التي لا يقولها ظاهره بشكل مباشر، بل إشارة أو حالة أو إيحاء وتلميحاً وهنا تتجلى قدرة التأويل وفاعلية القراءة التأويلية في الغوص إلى أكثر معاني السكوت عنه حساسية، وهو الكبوت والمهمش والممنوع وتطبق غصن هذه الفاعلية عبر قراءات ثلاث، تنصب على قراءة خطاب تحرير المراة المنعزلة عن قراءة مكانتها في "الكتاب""والأصول" و"الفقه" و"لاحكام" وقراءة مفهوم النقد الثقافي الذي ارتبط اسمه في الفضاء النقدي العربي باسم الناقد السعودي عبدالله الغذامي وقراءة "حديقة الحواس"بوصفه نصاً ممنوعاً أو شاهد بياض واستبداد الرقيب بقراءته بورنوغرافياً، لا "أروسيا" هذه القراءت الثلاث تختارها غصن كي تكشف عن خطاب تحرير المرأة ذلك الخطاب الذي يرجع في جذوره إلى اللحظة التنويرية العربية ونص حديقة الحواس ينتمي إلى النص الكتابي الرمزي فيما ينهض مفهوم النقد الثقافي على لحظة النقدية، تحاول وفق منهجية معينة أن تجعل من نفسها تأسيسية.
الأقنعة وتحاول غصن ملاحقة صور المرأة في النصوص الدينية، وفي الخطاب الديني، وفي الموروث الثقافي، ثم تنتقل إلى تلمّس ملامح المرأة في العصر الوسيط، من خلال كشف الأقنعة التي تقنعت بها امرأة كمثل شهرزاد، التي حملت فداء العذراى في براءتهن وطهرهن، فوقفت متحدية الملك الأقوى وقوضت مملكة ذكوريته وشبق بطريركيته. ومع أن كتاب "ألف ليلة وليلة" لا يصوّر شخصية بالمعنى النقدي الأدبي، إنما يصوّر الأشخاص في الليالي كنماذج لا كأفراد، أكبر دور قامت به المرأة في الليالي وأهمه هو دور المرأة العاشقة. كما لعبت دوراً خطيراً في تكوين خطاب الليالي الخلقي فهي بوفائها أو بغدرها، بدهائها ومكرها أو بحيلتها وتعقلها كانت مؤثراً خطيراً لا في الحكم عليها فحسب ولكن في الحكم على ثنائية الحياة وصراع الخير والشر وتنتقل غصن إلى امرأة القرن التاسع عشر من خلال زينب فواز العاملي (1860 ـ 1914) وهي رائدة مجهولة في خطاب تحرير المرأة ولها كتاب "الدر المنثورفي طبقات ربات الخدور" المطبعة الأميركية ببولاق سنة 1893)، ركزت فيه على قضايا تحرير المرأة وحقوقها، لذا فإن من المغالطة أن نصر على منح قاسم أمين لقب محرر المرأة وقد سبقه كذلك رفاعة الطهطاوي في هذا المجال ولم تكن زينب فواز وحيدة في العناية بشؤون المرأة بل كانت إلى جانبها ملك حفني ناصف (1886 ـ 1918)، ولقبت بلقب "باحثة البادية" لأنها راحت تسائل النساء القرويات والحضريات من حولها عن معاناتهن في الزواج ودرست مقدار ما تؤثر به الضرة على الحياة الزوجية وعلاقة الزوجة الأولى بزوجها وماذا يصيبها وتنتقل غصن بعد ذلك إلى تناول خطاب تحرير المرأة عند قاسم أمين ملاحظة أن قاسم أمين كان من أكبر دعاة تحرير المرأة من خلال تعليمها ومشاركتها في العمل أو الحياة وبالانتقال إلى العصر الراهن ترى غصن أن الفارق بين خطاب النهضة وخطاب الإسلام المعاصر هو الفارق بين الجمع والتشتيت، وبين مفهوم "الوطن" المعتمد على وحدة الأرض والتاريخ والمصالح المشتركة، وبين مفهوم "القبيلة" المعتمد على وحدة الدم، أو مفهوم الدين المعتمد على وحدة العقيدة. وعليه صار خطاب تحرير المرأة خطاباً مريباً يرتبط بالدوائر الاستعمارية وبخطاب التآمر.
وتناول عصن المشروع النقدي للغذامي ملاحظة ان مشروعه الذي سعى به لتعريته. ثم هدم الأنساق الثقافية، انتهى به إلى تأسيس نسق جديد، انطلق به من تصورات قبلية وأحكام مسبقة وراح يبحث عما يؤيدها ويدعمها في التراث النقدي والشعري فقد استولد الغذامي متصارعين اثنين كانا منذ آدم وحواء وهما متصارعا: الأنوثة والفحولة اللذان سيشحنهما بشحنات المعاصرة والحداثة و"ما بعد الحداثة".
وإن كان لونجينوس وفق غصن هو مؤسس ما بعد حداثة الغذامي فإن لونجينوس رأى أن الروعة وسحر البيان يعودان إلى الاقتدار في الرصانة والاعتدال والبعد عن التهور، لكن المهم هنا هو أن غصن تقبض على نقطة جوهوية في مشروع الغذامي وهي نقطة انتهائه إلى تأسيس نسق مع أنه يدعي هدم الأنساق النقدية ـ الشعرية وتعريتها.
إذاً قدمت غصن في قراءاتها الثلاث في هذا الكتاب فاعلية نقدية. تنهض على كشف ومغامرة، وعلى تأويلية تتجاوز الوحدة، وتهاجر مع الدلالات خارج أي تمركزية، حيث تنظر في ارتحالات المفاهيم دون أن تتمركز حول المؤنث أو المذكر الفحولة أو الأنوثة محاولة كسر واحدية المعنى، لذا بدا نصها النقدي خليطاً من مقولات مؤتلفة ومتناقضة وهو مايفسر هجرات قراءتها وتجاوراتها، وتناص نصها في كثرة من نصوص راهنة وقديمة وبذلك ينفتح أفق النقد على كثرة ثقافية، تحتاج إلى نسغ وحامل يقيها من التناثر في الكثرة.

الكتاب: "نقد المسكوت عنه في خطاب المرأة والجسد والثقاف
المؤلفة: أمينة غصن

 

عمر كوش - المستقبل - السبت 10 أيار 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri