البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

"الهامش الجنسي; لإرفن جيل شكْ في ترجمته العربية "الاستشراق جنسيا"


نظــرة غربيــة الى الإروتيكيــة في شـرقٍ تركـيّ وعـربـيّ

نبّهنا فرويد الساكن في الذهن الباطني، نحن مقلّعي الاضراس من ضنى الغرام ووهج اللذة ونشوة اللقاء، الى ان حلمنا ويقظتنا جاران لا يفترقان، فوعينا لا يجمع وذهننا لا يخلد، لا بل ان فكرنا برمته يحوّم ابد الدهر في مجرة الغرام بضروب شتى، عن وعي وبلا وعي، فما من حركة، او سكنة للروح في وثبتها او رقدتها الا للشبق فيهما قسط وفير، ومن هذا بالنذر القليل، بل تماسك عظيم، ولاعجب ان لا يطول هناء الغرام في دنيا معاش للورى هم فيها حائرون، فالحب، كما علمنا صاحب "الاساس" الزمخشري، تقدس سره، دواء، فيما العشق سم قاتل،وكان ذلك قبل قرن فرويد بتسعة قرون، وقرن فرويد طويل، ويبدو انه امسك بقرننا، حتى الان على الاقل، ومن يعش ير، ما لم تلصق ورقة التوت على عورة فكرنا. طلع علينا فرويد منذ قرن ايضا وايضا بمبدأ اللذة وعقيدتها فأماط واذا بالغريزة عادية تحت مجهر التحليل وان تكن العين المجردة تفي بالغرض احيانا، والاذن عند بعض صحبنا احيانا اخرى، فهي جهاز التقاط لا يخيب ظن صاحبه به، فالجنس واقع وسطوته علينا واسعة، وهذا اعتقدنا انه كاف الى ان جاء بمن يبشر بأن للجنس مجالا آخر سياسيا في دائرة التصور ومنطق التمثل، وها هو الكاتب التركي ارفن جميل شك Irvin Schick يصدر بالانكليزية The Erotic Margin (الهامش الجنسي) وها هي "قدمس للنشر والتوزيع" تعممه بالعربية في 358 صفحة من القطع الوسط مع غلاف انيق تحت عنوان "الاستشراق جنسيا" (*)

في مقدمته الثمينة (ص 25 - 42) يلح ممدوح عدوان على ان الازدواجية المؤسسة استشراقيا "بين الفتحين الجنسي والاستعماري ادت عدة ادوار في وقت واحد. فمن ناحية اولى اطرّت المشروع الاستعماري ضمن سياق معترف به، سياق السيطرة الجنسية للرجل على المرأة، ومن ناحية اخرى اختزلت جرما سياسيا معقدا يحتاج الى الشرعنة.وهو جرم السيطرة القومية على شعوب اخرى في مناطق اخرى" (ص 36). تندرج مقدمة عدوان تحت خانة "الاستشراق الجنسي استعماريا" من باب انه "اذا كان [هذا] الشرق، الان، نبعا للنفط، ومجالا للمصالح الحيوية، فانه كان طوال تاريخه امتدادا لشهوة التوسع الغربي. وذلك مثلما كان الغرب امتدادا لشهوة التوسع الشرقي. ومنذ الاسكندر  (356 ق. م. - 323 ق. م) وهانيبعل (247 ق. م. - 183 ق. م.) لم يتوقف المد والجزر بين الشرق والغرب حتى يومنا هذا" (ص 25). لكن الشرق في العقل الغربي هو الشرقي التركي، فإثر سقوط القسطنطينية (1453) صارت كلمة "تركي" مرادفة لكلمتي "مسلم" و"عربي"، وعليه فالبلد الاجنبي هو ما ليس في اوروبا، انه نقيض الفضيلة والاعتدال البرجوازي الاوروبي، في ما شاء الله: الارض عذراء وشرسة والمستعمر عاشق مروض! مقدمة عدوان واضحة جلية وخلاصتها بعد بحث وتدقيق "ان الجنس الذي يحيط بالشرق هو جنس مختلق موضوع. لأن الشرقي يختلف، جنسيا، عن (غيره) الاوروبي" (ص 42)، من هنا رأيه الصائب بأن الكتاب اضافة حقيقية "لمكتبتنا العربية، انه يساعدنا على فهم الطريقة التي تم تصويرنا فيها في ذهن (ذلك) الغربي" (ص 42).

وفي مقدمته الى الطبعة العربية بين يدينا بفضل "قدمس" يؤكد المؤلف على ان غرضه من مبحثه "فهم كيف ادت الجنسنة (مثل) هذا الدور المركزي في تشكيل وجهات نظرنا حول الشعوب والامكنة (الاخرى) (ص 49).

الكتاب اذن اجزاء ثلاثة معقودة في الجنسنانية والاروتيكا تتخللها رسوم وصور شهوانية لا بأس بجرأتها  قياسا بأفول نجمنا في سماء البحث المؤصل للشبق وتساميه، ففي جزئه الاول يظهر ارفن جميل شك انه يتم تحويل الجنسانية الى ثابت تاريخي يمكن استخدامه لتمييز الشرق والغرب والشمال والجنوب والذات والاخر وهنا وهناك (ص 57 - 145) وفي جزئه الثاني يناقش المؤلف النمط الانثروبولوجي في الادب الصريح جنسيا ويستعرض الكم الهائل للكتابة عن الممارسات الجنسية للشعوب، فيظهر ان لهذا النمط جذورا في الهجوم القروسطي على الاسلام، ثم يناقش حالات تصور فيها لنساء الاجنبيات  على نحو متبدل بوصفهن مغريات او مهددات جنسيا. والرجال الاجانب بوصفهم  متأنثين متخنثين او مغتصبين  خطيرين. والبلاد الاجنبية بوصفهما ملاذات جنسية (ص 151 - 271)، فيما يركز في جزئه الثالث ("نساء الحريم في الاروتيكا العربية") على تمثيل النساء المسلمات في الكتابة الاوروبية الصريحة جنسيا (ص 275 - 329).

في البدء، وعلى خطى روبنسون كروزو على شاطئ المعرفة، يؤكد شك على ان الادب ليس الا احدى الوسائل التي تم بها بناء الامبراطورية على نحو استطرادي، ولا عجب فالامبراطورية توسعاً لا مستند تاريخياً وعادياً تمتلكه سوى خطابها المسوّغ، ليس إلا، ثم مبررها الرأسمالي في حقبة لاحقة، اي نشأة الامبريالية تاريخياً. تبدأ مثلاً بالبحث عن مسمار جحا ثم تقوّض الحائط على ساكنيه، وحديثاً، كان المثال ساطعاً بنهب متاحف بغداد وحرق مكتباتها، من ان يخرج الفطري "على المألوف حتى يقع على نحو ثابت في الهامش [فيفرض] تهديداً قليلاً على النظام المركزي" [ص 118] فإذا بمواقع الليبيدو في الفضاء الشرقي كما "جغرفة" الغرب تحتل صدارة النص عند دو ساد وفلوبير وموباسان، فهنا اشارة الى "أسرّة تركية" وهناك وصف لصاحبة ماخور تركية وما بينهما "ارداف انثوية"، على الارجح تركية، ولكن عندئذ قلّة فرق.

ثم يردّنا المؤلف الى مفهوم فطن لفوكو يقول ببروز "دافع سياسي واقتصادي وتقني للحديث في الجنس" [ص 151]، بدءاً من القرن الثامن عشر، فالأخذ بالتقاليد الجنسية من باب الفهم الاثني للشعوب الشرقية مدخل لا بأس بأهميته الاستراتيجية لجنسنة جغرافيا تلك الشعوب قبل الاجهاز عليها، وها هو تاريخ الاستعمار عندنا برهان على مدى قرنين ونيّف ويبدو ان الآتي اعظم، فالاستباحة على اقدام وسيقان، والفضاء والجغرافيا والامبراطورية تُبنى اتنياً ثم اجتماعياً، فالاكتشاف جنسياً يحمل في ثناياه تورية الغزو استعمارياً، والبلد الاجنبي متى صعُب على المحتل يُمسي في نظره عذراء يجب اخضاعها وفضّ بكارتها، او على اقل تقدير "امرأة جامحة ينبغي ترويضها" [ص 194] ومن هنا اشارة أليس بلنت الذكية في  كتابها الصادر عام 1994 الى ان "كُتّاب الرحلات في القرن التاسع عشر استخدموا في اغلب الاحيان الصور الجنسية لخلق وتعزيز [المنزلة] البطولية لكثير من المستكشفين والرحّالة الذكور الذين كتبوا عن فتح واختراق القارات الخطيرة، المجهولة، المتميزة غالباً بخصب الخضرة المحلية والنساء" [ص 194]. مسكين الاوروبي، وحديثاً الاميركي، اصابتهما حمّى الفتك بالغير، سواء كانت الاقطار الاجنبية مطواعة او جامحة، عذرية او شرسة، مثّلت امرأة ينبغي ان تُوخذ عنوة; ان تُستدجن من قبل الاوروبي رجلاً; اي ان "بناء الحقد الجنسي مُكملاً لبناء حقد يجب استعماره" [ص 195]. وليس في ذهني الآن مثال اسطع من الفتك ببغداد اليوم، وهتكها ونهبها، اي القدس بالامس فالسلام عليهــا في ظــل نخــوة العرب، من مسقط الى طنجة، وفي غياب الرجال تؤخذ الدنيا ايضاً عنوة.

أما نساء الحريم في الاروتيكا الغربية فمدار الجزء الثالث من "الاستشراق جنسياً"، ولا عجب، فمصنّفات الغرب في حريم الشرق على رفّ، وهمّ الشرق عنده على رفّ، ولا مشتبك بينهما، فالغرب يجرد حريم الشرق من ثيابه في المخيلة فقط، وليس في الواقع، تماماً كما يتخيّل الشرق سياسة، ولا عجب فشل الغرب المخزي، أما عن خزين فحدث ولا حرج، فحتى الجنس خيالاً وتصوّراً وتمثلاً فمحرومون منه، كما من خبز السياسة الحق والساخن. على مدى صفحات هذا الجزء [ص 277-329] يرصد المؤلف ظاهرة انشغال الكتّاب الغربيين بجنسانية النساء الشرقيات "بوصفهن ذوات جنسانية منفلتة" [ص 134]. دعوة المؤلّف في خاتمة كتابه جلية: ان معرفتنا بأنفسنا مكانياً ومرحلياً حلقة في سلسلة طويلة من كتابات تسعى الى تقويض الانماط المقولبة كونها غير ثابتة الا في الفكر المجرد والوهم الخالص، وقانا الله من سطوتهما علينا.

اما وان الاستشراق بانت نواجذه ولاحت اظافره اثر سقوط قناع عفّته غداة نكبة بغداد بالامس، فيحق لنا القول من وجهة جنسية، ايضاً، انه مهماز اغتصاب، وعلى عينك يا تاجر، ليس الا، واما اننا اليوم لم ننجُ الى الساعة من حريق العراق، فيبدو ان نكبة فلسطين سائرة الى نهاية لم تكن في الحسبان، اي ان ما من نكبة الا هي اغتصاب، ويبدو ايضا ان جيل النكبات من مسقط الى طنجة على الجرار، ولا عجب فمن يهن يسهل الهوان عليه، فما لجرح بميت إيلام؟ كتاب "الاستشراق جنسياً" قراءة فوكوية فرويدية لجغرافيا الشرق.

(*) ارفن جميل شك، الاستشراق جنسياً. ترجمة عدنان حسن. تقديم ممدوح عدوان. قدس للنشر والتوزيع، بيروت/ دمشق، .2003 مع صُوَر وفهارس وغلاف يردّ المُحبط الى وعيه والشيخ الى صباه; راجعه زياد منى; دققه لغوياً مظهر اللحام; الغلاف نبيل المالح، اخراج طارق صبح. في 358 صفحة من القطع الوسط.

 

محمود شريح - النهار - الاحد 1 حزيران 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri