البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

جورج باسيل وغرباء لوحاته


اتكاء


"الى اللقاء وتصبح على خير"


ما بعد العشق

"كم مرة يخامرنا شعور الضجر بقوة في يوم واحد، وكم من الناس نرغب في التكلم معهم عبثاً؟ عندما تصادف أحداً ما في الشارع وتتملكك رغبة جامحة في التقرب منه، هل تتجرأ حتى على الاقتراب؟ لماذا يعجز بعضنا عن التحدث مع البعض من دون سابق معرفة؟ ألم تشغل بالك هذه الفكرة بقوة في الصغر؟ شخصياً، كنت انظر إلى الأمر كأنه مصيبة، لماذا نولد من دون معرفة الآخر على نحو عفوي وعادي بدلا من خوض معمعة خرق شكليات التعارف؟ ولماذا ينظر الناس إلى التقرب من الغرباء كأنه أمر غير طبيعي؟ كم هي سماكة الجدار الذي علينا سحقه قبل أن نتعرف الى شخص نجهله؟ العشق، بمعنى مشاركة الجنس واللذة مع شخص آخر، إلى أي حد هي معقدة وشائكة ويائسة، المسالك أمام بلوغه؟ لربما كانت الأمور اسهل على إنسان العصر الحجري، لكنها اليوم تزداد صعوبة اليوم بعد اليوم، الامر الذي اعتبره أقصى حالات اليأس". بالرغم من قوله هذا، لا يعتبر الرسام اللبناني جورج باسيل أن لوحاته تمثيل لليأس الإنساني إنما نقل صورة صادقة لحقيقة الظرف الإنساني الواقع علينا والواقعين فيه.

- لست إنسانا يائساً على الإطلاق، وما من مكان للغم في أعمالي. ترتبط لوحاتي بحالات نفسية ذات علاقة وثيقة بالجنس عامة. فلا تعاني شخصياتي مشكلات إنسانية درامية كبيرة. جل ما أصوره هو التوق إلى إنسان آخر أو البحث عن شخص ما، وفي الأغلب، العزلة المرتبطة، بلا أدنى شك، بقوة حضور الجنس أو انعدامه في حياة هذه الشخصيات.

* لو تفادينا التطرق إلى التراجيديا الإنسانية الناتجة من موت عشيق أو شخص مقرب أو اقتطاع عضو من أعضائنا من جراء حادث ما، بما معناه الألم في أقصى حالاته المتطرفة، نجد في أعمالك الضجر والعزلة والعجز عن التواصل مع الآخرين، أليست هذه أقصى حالات اليأس؟

ـ لا أنظر إلى هذه الحالة في اعتبارها يأساً بل الحياة على ما هي عليه.

إزاء مشاهدة أحد أعمال باسيل، عبرت صديقة بالقول: "لو علّقت هذه اللوحة في منزلي لشعرت باليأس من الحياة مدى العمر". غير أن الاكتفاء بوسم أعمال باسيل باليأس لا شك في أنه لا يفيها حقها اذ لا يقف كمّ أعماله الكبير والمتنوع عند هذا الحد وحسب: "أمضيت كامل حياتي بحثا عن هذه الكتف"، قالت إحدى النساء أمام لوحة تتكىء فيها امرأة على كتف امرأة ثانية. يلوح معظم الناس في لوحات باسيل في حالة ترقب مستديمة، وفي حالة انتظار لإيماءة حميمة أو كتف تخفف من وحشتها. وهي على استعداد دائم للمسامرة مع المشاهد وقص حكايتها للزائر إن قرر الاستماع إلى خبرياتها. وفي أعمال أخرى نختلس النظر إلى لحظات حميمية في حال من الحذر الاجتماعي، من النوع الذي لا يدور سوى خلف الستائر المسدلة والأبواب الموصدة بإحكام. تخلو اللوحات من الأفق أو الارض لتهيم شخصياته في فراغ مطلق يحتمل أن يكون بلا حدود بقدر تماثله بجدار قاتم على وشك الانهيار فوق شخصياته المحاطة بإطار محكم يثقل وجودها. الوجوه مواظبة على الحضور على نسق لقطات الكلوز اب السينمائية. وعيون واسعة ومتكدرة غالباً، يسوّرها الفنان إما بكحل مفرط واما بالسواد الناتج من التعب والسهر. تجحظ بك ناسه بوقاحة أو تتوسل التحسس بدواخلها أو تشيح بأنظارها تعبا وبلامبالاة. للمرأة، باستثناء المغوية، حضور رئيسي في لوحاته. نشهدها في علاقاتها المثلية على نحو غير مباشر، ووحيدة ومهملة تارة، وكدمى متحركة طورا، أو كربة منزل تقليدية غافلتها الحياة لتوقعها في دائرة عيش كريه لا مفر منه. وفي الكم الأكبر من أعماله، يستبد اللون النبيذي القرمزي ببقية الألوان، يعتمد اللون القرمزي ويزاوجه بالسواد، لما في طبيعة مشتقات اللون الأحمر من خصوصية دافئة تساعد في نفح أعماله بالحرارة وشحنها بالمشاعر. فاللون نفسه، في حالته الصرف، يمتلك قدرة بصرية على تهييج المشاعر على نحو غريزي.

في عمل "ما بعد العشق" لحظة الاسترخاء ما بعد النشوة الجنسية، تحمل اللوحة دلالات منفصمة بعضها عن البعض الآخر بقدر ارتباط مضامينها. فمن ناحية نحن أمام حالة موت نتبينها من مقاييس اللوحة بامتدادها المفرط الاستطالة الأشبه بالتابوت وظلمته المماثلة للون الخلفية الأسود القاتم، ولون الجسد في معظم تباينات الأبيض المماثل للون الجثة. من ناحية ثانية، نشهد مفارقة فظيعة بين الجسد المجهز بقضيب يلوح مثالاً للفحولة، بحسب النظرة التقليدية في التعاطي مع الفحولة وفق حجم العضو التناسلي، وبين الملامح الأنثوية لوجه الرجل. فنحتار هل هذه امرأة مع قضيب مركب بدلا من مهبل أم انه رجل مخنث؟ وان كان مخنثاً، كم يشكل ثقلاً هذا القضيب الذي تصير ضخامته بلا قيمة فعلية؟ ضبابية الهوية الجنسية المتعمدة في الكثير من لوحات باسيل هي إحدى مناوراته البصرية الثابتة، يتلاعب من خلالها بمشاهديه لإثارة موضوع الجندر وخلق الشكوك في الثوابت الاجتماعية. وغالباً ما يختلف المشاهدون أمام أعماله ما إذا كانت وجوهه أنثوية أم ذكورية من دون إجابة حاسمة. تُخلد اللوحة هنيهة ما بعد العشق وتجمدها في الزمن، أين العشيق أو العشيقة؟ ولمَ ترك عشيقه وحيداً في الظلمة بدلاً من النوم إلى جانبه؟ هل كان عشيقا لليلة واحدة أو ساعة واحدة ثم رحل؟ وإلى أي حد يشبه هدوء ما بعد فجور الجسد، وتهالكه إثر بلوغ النشوة والموت الموقت للذة الجنسية وإشباع الرغبات، سكون الموت وهمود الزمن؟

يقول باسيل: "أجد ان تمثيل العلاقات غير المثلية فنياً مسألة مملة ولا تلفت انتباهي أو اهتمامي". في سلسلة من أعماله زوج مثلي متكرر، يحتل واجهة اللوحة وجه رئيسي وإلى جانبه وجه آخر كأنه يقحم نفسه بالقوة ليتكىء على كتف الآخر. وبالرغم من الالتحام الجسدي الطفيف، ليس من تواصل حقيقي بينهما، ولا يلوح ان وجودهما المشترك مثير للارتياح أو يخفف من العزلة، كأنهما يتشاركان الوحدة. كما انها مثال للطابع البائس الأكثر انتشارا في العلاقات العاطفية، الكامن في اشتهاء من لا يشتهينا أو يرغب بنا بالقوة نفسها. وفيما قد يثير شفقتنا مستجدي المشاعر ونتضامن معه باعتباره الأضعف في العلاقة، فإنه لا يقل قسوة الشريك الأخر الذي يقابل عواطفنا بلامبالاة ومع ذلك يريدنا أن نبقى بقربه فهو الآخر يستجدي الاهتمام وإن بتعال وخفية. والمستجدي سادي بقدر مازوشيته، لانه يتمتع بلعب دور الضحية ولا يعتق حرية المتعالي عليه ويفرض عليه عواطفه ويتلاعب بإحساس الآخر بالذنب بهدف الحصول على أكبر قدر من الطلبات.

في هذه السلسة "كل يغني على مواله"، يقول باسيل، ويتابع: "الشخص في المقدمة هو من ترغبه وتعبده أو تؤلهه، أما الشخص الآخر فهو يستعطي العواطف والاهتمام. يتسول بقاء معبوده إلى جانبه. جميعنا كان أو لا يزال على علاقة مع إنسان أساسي الحضور في حياتنا، وجميعنا يريد منه شيئا لا يرغب الآخر في إعطائه اياه. الجانب المازوشي في المرء والكامن في استجداء الاهتمام والعواطف ممن ينبذنا. وبالرغم من الفارق في تبادل المشاعر هناك تشابه في الأفراد حتى في الجانب البصري، فأنا انقل ملامح وجوه الشخصيات كأنهم توائم. لا أصدق ما ترفع المشاعر العاطفية، وما من وجود حقيقي للحب. اما الشغف فحضوره قـوي، ولـلـعلاقة التي يتخللها الكثير من القهر، حضور أقوى. ما يطلق عليه الحب، أترجمه بملمس جلد ورائحة جسد وطباع شخصية.

نسأل باسيل: يتضح للمشاهد ما الذي يطلبه الشخص المقيم الى الوراء، لكننا نحتار حيال الواقف في المقدمة، فما الذي يفعله مع الآخر؟

يجيب: هو الآخر يبحث عن شيء ما ويشارك الآخر شعور انعدام الاكتفاء.

* هل تعتقد بإمكان حدوث علاقة عاطفية معقولة بين رجلين؟

- بالتأكيد.

* لمَ لا نشاهد هذا في أعمالك؟

- لا أملك جواباً.

في لوحة "إلى اللقاء وتصبح على خير"، ينعدم التواصل في شكليه الجسدي والنفسي بين رَجُلي اللوحة، ويشغلهما باسيل كأن الآخر انعكاس للأول في المرآة، الجسدان العاريان على شكل زجاجتين فارغتين. رجل يشيح بظهره بلا اكتراث بالعشيق وبأنظارنا على السواء، بينما نرى الفاجعة واضحة على الوجه الظاهر لنا، من دون أن ندري أهي نابعة من ممارسة جنسية غير مشبعة أم من وهلة البقاء في صمت الوحدة بعد جلبة الانغماس في مِسك الجسد وتطاير أطايب العرق والمني في زوايا الحجرة، أم القلق من تحية مسائية تعد بلقاء قد لا يتجدد؟ أم بكل بساطة من رجل انهكته الحياة والتكرارات والضجر من لقاءات واعدة تختنق وهي لا تزال في مرحلة استهلال الحوار ليبقى الفراغ المسامر الوحيد والزائر الحصري وحسب.

 

منير عبدالله - ملحق النهار - الاحد 21 أيلول 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri