القصيدة
و الجسد
القصيدة
والجسد إن الشعر ملك الملوك ،لأنه هو الأساس وهوالمنشأ لكل الفروع
والأنواع الأخرى. وقد ربطنا بين الشعر والجسد ،فلا يوجدعضو من أعضاء
الجسدإلا يتقدم بمطالبةإلىالسلطةالمهيمنة... إلى العقل.. وهناك في
القبةالجاثمة بين الكتفين تتم دراسة الطلبات، بعضها يرفض ، وبعض
منها ينفذ، وبعضها الأخر يقمع ويوبّخ العضو ويعاقب على مطالبه تلك.
فالقمع النفسي لا يتحقق في الهواء.. إنه يتحقق داخل الجسد، والحرية
النفسية بالمقابل، لا تتحقق في في الهواء، بل في الجسد نفسه. فالطبيعة
البشرية خزان النفس ومستودعه،فلا بد من الانطلاق منها لمعرفة (المعنويات
المتجسدة في كتابة).إنها مقياس المقاييس، ورادار المعرفة. إن أي
فكرة في مجال الشعر، مهما أوغلت في التجريد، لا بد من أن تستعين
بأعضاء الجسد وأجهزته، حتى يكون لها حضور وبروز، بدءاً من الخلية
وانتهاء بأرقى الأجهزة العصبية. ومهما أوغل الشاعر في التجريد، ومهما
أكثر من استخدام (الأمل) و(الرجاء) و(المحبة) و(الصبر)... الخ فإن
من المحال عليه أن يستشعر موقفاً مجرداً، فلا بد من أن يأمل شيئاً
ما، ويرجو شيئاً ما، ويحب شيئاً ما، ويصبر على شيء ما... الخ ولهذا
لا نرىأي فلرق بين المادي والمعنوي. وقد ركزنا اهتمامنا كثيراً على
هذة الناحية.إن أدق المعنويات تخرج من الجسد مثلما تصب في الجسد...
وهذا ما يدور حوله كتالنا. ولكن كيف ندرس القصيدة بناء على ذلك؟
1) قبل
كل شيء. لا بد من أن نلاحظ أن الشعر متشابه لدى جميع الشعراء في
العالم - ونقصد الشعراءالحقيقيين لا الدخلاء - مثل تشابه الأجساد.
ولكنه في الوةت نفسه يحمل معالم خاصة به ، تماماً مثلما يحمل الجسد
معالم خاصة به . هذه الفرادة لا تنبع من فرادة الجسد فقط ،فهناك
عوامل أثنولوجية وبيئية تتجلى في الشعر .ولهذا فإن الثوب المستعار
في القصيدة سرعان ما ينكشف ،إذا كان لا يدخل ضمن المشترك العام
2) الجسد
ينتشر في القصيدة ، عن طريق مطالب ملحة . إنه ينشد سلطة ... ينشد
حرية. فأي قمع .أي اضطهاد، مهما كان معنوياً، له تجليات جسدية .
خذ أي حصار معنوي تجد له انعكاسات في الطبيعة البشرية. فحصار حرية
الكلام، أو حريةالتجمع،أو حرية الجنس أو ما شئت من الحريات، ليس
في التحليل الأخير سوى حصار الجسد. حصار للسان واليد والأذن والعقل.
حصار للنزوعات التي يهفو إليها الجسد الذي ينشد اشباع جوعه. جوعه
إلى حرية التصرف.. جوعه إلى تلبية النداءات التي ترسلها أجهزته المختلفة.
جوعه إلى خلق الجديد.. جوعه إلى المثالية.. باختصار: إن الجسد ينشد
التحرر.. التحرر من كل ركام قوانين القمع.. ومن السخرية الحديث عن
حرية نفسية في جسد مقموع.
3) النزوع
إلى.. أو الخوف من.. بداية أي مشروع شعري. ومثل هذه البداية تستدعي
نوعاً من التوتر. قد نسميه توتراً نفسياً.. ولكننا لا نعرف التوتر
النفسي إلا بتجليات جسدية. ويختلف هذا التوتر باختلاف الأفراد..
ولا يمكن رصد الأسباب الكامنة خلف التوتر، لكثرتها، وتشعبها وتشابكهاأيضاً..
ولكنها تكون في القصيدة واضحة بعض الوضوح. والتوتر النفسي ذاته يتراءى
عن طريق مطالب الطبيعةالبشرية في القصيدة.