البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

<<كأس سوداء>> للجزائرية نصيرة محمدي

قصيدة الرغبة و الشوق للآخر
لم تحد الشاعرة نصيرة محمدي عن مسارها الشعري الذي اختارت. انها لا تزال جريئة فوق العادة، ورقيقة في مخاطبتها للرجل، ولها بصمتها الخاصة في تركيبتها اللغوية... نصيرة محمدي التي طلقت <<رابطة الاختلاف>> لأسباب تبدو غامضة الى يومنا هذا، وتنازلت عن رئاستها لغيرها، انضمت الى اتحاد الكتاب الجزائريين برغم ان خطها الابداعي مختلف تماما عن خط الاتحاد. وإن كانت نصيرة من النوع المنطوي الذي يفضل الصمت ردا على كل الاسئلة، فإن قصيدتها عكس شخصيتها تماما هذا ما يقوله من يعرفها عن قرب على الأقل فقصيدتها صاخبة، مدججة بالبوح بكل ما هو <<طابو>>، وهي تخترق كل انواع المحرمات بالإيقاع نفسه فتتحدث عن الجسد ذكوريا او أنثويا بطلاقة، كما تقتحم المقدس الديني لتصوغه بخيالها الخاص. أما السياسة فيبدو ان الوطن الذي يعبر أعتم مراحله يفرض نفسه في كل المواقف، اذ يبدو ان لا مفر من التعرض لما يحدث له والتعليق على من أوصله الى النفق.

وإن كانت نصيرة محمدي ايضا من الشاعرات القليلات اللواتي يجمعن الثالوث المحرم في قصيدتهن، فإنها ايضا تكاد تتفرد بصوتها في مغازلة الرجل بجرأة، في زمن تراجع فيه صوت المرأة قليلا الى الخلف خوفا من الإقصاء الذي يمارسه التطرف ضدها. تقف محمدي مخاطبة رجلها قائلة <<أتسلمك عاريا>> وتركض على جسده لتوقد <<فوانيس الشهوة>>، لا شيء يمنعها، ولا شيء يوقفها، حتى ذلك الخجل من المجتمع او من الله تتخطاه باليقين بلغة جسدها وتعيش اللحظة طبيعية لا يشوهها عرف او تقليد. وبأقصى اشكال الحرية، وبتعبير يتجاوز جمال العفوية تقول <<ها أنغمس فيك

أتعثر في خطوي

ويتجلَّى فيّ البرق

اتركوني للذي تحدَّى شهوتي>> (المجموعة ص 20).

كسر القاعدة

بالنسبة للمجتمع الجزائري المحافظ والمنغلق تبدو جرأة نصيرة خطوة لم يسبقها اليها احد، حتى الشاعرتان زينب الأعوج وربيعة جلطي اللتان كانتا سبّاقتين للحديث عن جسد المرأة، والجهر بالأنوثة وبعض تفاصيلها. فلنصيرة محمدي اعترافات اضافية تتمثل بالاعتراف بالشهوة التي عادة ما تنسب للرجل وتؤخذ المرأة فيه طرفَ تلقّ ليس أكثر، إذ تكسر القاعدة، وتزيح الستار عن امرأة تقر بشهوتها ذلك الجانب المسكوت عنه طويلا، وتقول في موضع آخر: <<كأني ما عرفت جرح الله

كأن شبهي لا يرى مشيئة البنفسج

أنام ملء الألم

عن عين لا تبصرني

ولا تبصر قسوة السرير

هذي الشمس امرأة متعجرفة>> (المجموعة ص25).

لتواصل يومها وترقى باعترافاتها الى الأقصى من دون ان تُجرّح في الطرف الآخر. فالرجل بالنسبة لها شريك سرير وشهوة وقلب. وإن كانت تُفرد له الجانب العاطفي فلأنه في نظرها بعيد كل البعد عن ان يكون في موقع آخر، إذ ان المرأة عبر منظورها مستقلة جسدا وفكرا وما حاجتها للرجل إلا من جانب العواطف والغريزة.

في ثلاث وثلاثين قصيدة تؤكد ذلك الانتماء الغريزي لرغبة ملتهبة، ولشوق لا ينتهي للآخر، وفي كل قصائدها نشعر بأن قضية المرأة عندنا ما زالت في حاجة الى البحث والتدقيق، فقد تجاوزنا الحديث عن التساوي في العمل والاحترام اي نعم، لكن الحديث عن الأعماق والمشاعر المكبوتة لا يزال محظورا في بعض المجتمعات العربية، وقد نستثني لبنان بشكل خاص، حتى لا يعمل القارئ اللبناني اسقاطات خاطئة على واقع مختلف عن واقعه.

في الجزائر يُعتبر نص محمدي متفردا في فكرته، وفي طرح هذه الفكرة، كما يُعتبر خطوة جديدة نحو أفق جديد تبلغه المرأة المبدعة.

كما نؤكد ايضا ان لعالم محمدي اشراقات خاصة، تبين مدى اعتزاز الأنثى بأنوثتها، وهي تبني هذا العالم بوحدات شعورية محضة تبين مدى يقظة مشاعر المرأة في عالم يحاول اقصاءها أحيانا.

في مدخل الكتاب لا نتفاجأ بإهداء جميل من نصيرة محمدي الى الكاتبة الكبيرة غادة السمان، قائلة: <<إلى غادة السمان... سيدة الروح والكتابة>>، فمحمدي لا تنكر انها متخرجة من المدرسة الثورية لغادة السمان، وهي منضمة الى جيل جديد متأثر بها وبأفكارها المتوازنة والتي لا تقف أبدا في موقف حرب مع الرجل.

محمدي في رقتها ونعومتها تعلو بنا الى عالم جميل وحالم، ولكنها لا تنسى جرح الوطن، إذ هنا فقط تعود بنا الى سوداوية ما يحدث كما في قولها:

<<هل تبدأ الحكايات بجرح صغير

هل ينتهي رجل بطعنة وطن؟

يا هذا الرجل الفادح الذبح؟ (المجموعة ص 29).

حيث تأخذ قصيدتها طعما ولونا مُرَّين، لكن أبدا لا تتجرد من تلك الشفافية التي تميز قصيدتها وتعطيها بصمة أنثى عاشقة لا تعرف ان تكتب خارج دائرة العش.

 

فضيلة الفاروق

 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri