البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

دوبـــــل فــــــاس


لوحة، لغوستاف كايبوت.

يقول الرجل للمرأة التي يحبـّها: لا تعجبني النهود الكبيرة. كم أعشق نهديكِ الصغيرين وكم أهوى استدراجهما لكي يعلقا كعصفورين على دبق راحتيّ فلا أعود أفلتهما من سجن شهوتي أبداً!

لكنّه، جالساً في المقهى، ماشياً في الشارع، مشاهداً التلفزيون، متـنزهاً على شاطىء البحر، لا ينفك يحدّق في صاحبات الصدور المترَعة، صافنـاً متـنهّداً.

يقول الرجل الذي لا تعجبه النهود الكبيرة للمرأة التي يحبّـها: لا أطيق النساء النحيلات. يشبهن في رأيي الهياكل العظمية. الريجيم مؤامرة ضد المرأة. لا تقلقي إذا زاد وزنك بضعة كيلوغرامات، سأجنّ بكِ أكثر.

لكنّه لا يغفو مساءً الا على مشهد عارضات أزياءٍ كقضبان الخيزران مدبراتٍ مقبلات على شاشة الفاشون تي في.

يقول الرجل الذي لا يطيق النساء النحيلات للمرأة التي يحبها: كم أشمئز من أفلام البورنو! سلسلة من المشاهد الحيوانية الغرائزية لا تثير غالباً الا القرف. أعجبُ حقاً كيف يستلذّ بعض الرجال مشاهدتها! لا بدّ أنّهم معقّـدون مكبوتون.

لكنه يدفع لشركة الكايبل مبلغا شهرياً اضافيا لكي يتلقى محطة الـXXL  في بيته.

يقول الرجل الذي يشمئز من أفلام البورنو للمرأة التي يحبها: أحبذ أن يكون لشريكتي حياة مهنية ناجحة. طموحك من طموحي وموهبتكِ من موهبتي وشهرتكِ من شهرتي.

لكنها تضطر أحياناً الى استجداء تشجيعه واستحسانه واهتمامه كمثل طفلة صغيرة تتسوّل الانتباه.

يقول الرجل الذي يحبذ أن تكون لشريكته حياة مهنية ناجحة للمرأة التي يحبها: كل يوم يزداد ولهي وانبهاري بكِ. مع كل إشراقة شمس ومع انتحار كل قمر. لا أحبكِ الآن الحب الذي اندلعت نيرانه في قلبي لحظة رأيتكِ. بل أكثر. أشدّ. أعمق.

لكنه لا ينتبه الى أنّ لمعان عينيه خفتت حممه وضمّـة ذراعيه وهنت أغصانها وأنه استغنى عن بعض الحركات الصغيرة الحميمة التي بها تجسّ المرأة نبض قلب رجلها منذ فجر التاريخ.

يقول الرجل الذي يزداد ولهاً وانبهاراً كل يوم للمرأة التي يحبها: كم يثيرني ذكاؤكِ الحاد وطبعك الناري! ما معنى أن تكون المرأة جميلة اذا كانت دميةً غبية جامدة صامتة لا تتفاعل مع كلامي؟ حتى طريقتكِ في الشجار معي وتأنيبي أحبها.

لكنه غالباً ما يتمنى في سرّه لو كانت أقلّ ذكاء وعنفواناً وأكثر نسياناً وسطحيةً ولامبالاة.

يقول الرجل الذي يثيره الذكاء الحاد والطبع الناري للمرأة التي يحبها: كم أشعر أني محظوظ لأني وجدتكِ! ولأنك مثلي تزدرين الزواج وتحتقرين قيوده. في الحرية فقط يبرعم حبنا ويدوم.

لكنه يجهل أنّها تهرب من الزواج لا حفاظاً على حرية وهمية يعجز أي إنسان عن امتلاكمهما فعل، بل لأنها بكل بساطة تخاف على حبـّه من وحش المغامرة. وعلى حبـّها. وترفض حتى فكرة المجازفة بهما.

يقول الرجل الذي يشعر أنه محظوظ للمرأة التي يحبها: أعشق فيك نزعتك الشهوانية وزعرنتكِ الحارقة! تبادرين معي الى ما يحلم به كل رجل سرّاً من دون أن يجرؤ على طلبه. دائماً تسبقين رغباتي وتلهبين فراش الاستيهامات واللقاء.

لكنه لا ينفك يتساءل: أتراها تكفّ عن حبي اذا لم أعد في أحد الأيام قادراً على اشباع نهمها؟

يقول الرجل الذي يعشق النزعة الشهوانية والزعرنة الحارقة للمرأة التي يحبها: لا أتحمّل الغيرة ولا أجد لها مبرراً. أنا عبدكِ ومِلككِ ومُخلصكِ ما حييت، ومن البديهي أن يثق أحدنا بالآخر.

لكنه يـُجنّ اذا تغاضت وتجاهلت وأبدت برودة وجفاء، ويـُجنّ أشدّ أشدّ كلما رآها تلمع شهيةً في عيني رجل آخر وكلما أوقعت طريدة جديدة في شِـباك غوايتها.

يقول الرجل الذي لا يتحمّل الغيرة ولا يجد لها مبرراً للمرأة التي يحبها: لا أرتوي من الإصغاء اليكِ. أرجوك شاركيني دائماً مخاوفك واحاسيسك ومشاكلك وهمومك. ما معنى أن أحبكِ اذا لم أكن قادراً على الاستماع اليكِ واختراق وحدتكِ؟

لكنه يفكّر كلما باحت واسترسلت في البوح: متى ينتهي عارض الاعترافات هذا؟

يقول الرجل الذي لا يشبع من الإصغاء للمرأة التي يحبها: أضع لذتكِ حبيبتي في الأولوية. نشوتي من نشوتكِ ولا يهمني الجنس من طرف واحد.

لكنه يغط أحياناً في نوم عميق على طريق عودته من مشوار الجسـد، قبل أن تكون هي قد همّت بالذهاب.

يقول الرجل الذي يضع لذة حبيبته في الأولوية للمرأة التي يحبّها: أقدّر رقة احساسكِ وأحترم ضعفك. لا تخافي من خلع أقنعتكِ وإظهار وجهكِ الهش أمامي. معي لا تحتاجين الى ادعاء القوة والثقة بالنفس. أحبك سواء كنتِ منكِّلةً باطشة أو منهزمة باكية.

لكنه لا يتردد في محاربتها عند الضرورة بمعرفته الواسعة لنقاط ضعفها.

يقول الرجل الذي يقدّر رقة الإحساس ويحترم الضعف للمرأة التي يحبّها: ولدتُ لأعشق. لأعشقكِ. أنت أهمّ ما في حياتي ولا يمكن شيئاً أن يشغلني عنكِ أبداً.

ثم يضيف في سرّه: ما عدا أخبار السياسة وفوتبول البرازيل و...

يقول الرجل الذي وُلد ليعشق المرأة التي يحبها: أحبـّك كما أنتِ. لا تغيّري في نفسك شيئاً. أحبّ كلّ تفصيل فيكِ من رؤوس شفتيكِ اللذيذتين الى أصابع قدميكِ التي كحبّات الكرز. وأحبّ جمالكِ الطبيعي البريء من أي تدخلات خارجية.

ولكن حين تتلصص المرأة على نومه من شبّـاك حدْسها، تلمح في رأسه أطياف نساء أخريات. نساء لا يشبهنها، بشفاه سيليكونية ونهود بلاستيكية وأجسام اصطناعية ونظرات فارغة، نساء يبحرن بثقة في مياه الذكورة الباطنية وينخرن الأحلام، نساءٌ - أشياء، نساءٌ - غلافات، نساءٌ - أصنام يتهادين في الخيال مطمئنات جاهلات بلا خوف، عابرات ليّـنات بلا تهديد، حصينات خالدات بلا حياة.

 

جمانة حداد - ملحق النهار


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri