جـــائــــزة بـولـيــتــزر 2003 لـلـشـــاعـــر بـــول مــــالـــدون

رمــل وحصـى مـن إيــرلـنــدا عـلـى شـواطـىء الإنـكـلـيـزيـة

صحيحٌ ان الإجماع ليس في الضرورة دليل جدارة واستحقاق، ومثله الجوائز والميداليات وحفلات التكريم ومعظم أشكال التكريس "الاستعراضية" الخاضعة لضغوط المصالح الخاصة ومنطق الحسابات، ولكن نقّـاد العالم الأدبي الأنغلوفوني يتفقون على أن الشاعر الايرلندي - الاميركي بول مالدون، الذي حاز في السابع من نيسان الجاري جائزة بوليتزر للشعر عن ديوانه الأخير "رمل وحصى في موي"، هو شاعر محدث ومجدّد شقّ درباً غير مطروقة على صعيدي اللغة والرؤية الشعريتين، ومن غير المبالغ القول إنه ربما الأبرز بين شعراء الانكليزية المعاصرين.

اذكر حين كنت في الثالثة عشر.

اخترع مالدون، على مرّ مجموعاته الخمس والعشرين، أنماطا وقواعد شعرية ولغوية ثورية  وجريئة، ومزج ما بين اللغة المحكية واللهجات المحلية في شعرٍ واقعي نفـّاذ مستلّ من اليومي والمادي والصلب، متـفِّـهاً المجرّد والذهني ومصعّداً المجسّد والملموس. ومن العناصر اللافتة في شعره ارتداده الى لعبة القافية مما يمنح قصائده، الكلية الانتماء الى جوهر الحداثة، بعداً ماضوياً غريباً وهجيناً، شبه "شاذ" أحياناً. لكنّ مالدون لا يتمسّك بالقافية بصفتها تـقليدا جامداً بل كبوصلة تساعد في بلورة الخيال: إنها بالنسبة اليه مغامرة اتيمولوجية، وشكل من اشكال الثورة على الثورة، وذريعة يستغلها لكي يفاجىء القارىء. فهو ينسج من خلال الايقاع والنغم شبكة من العلاقات والتخييلات ويمدّ جسراً نحو الآخر، كونه يعلّق اهمية كبيرة على الالقاء ولا تـنفصل عملية الاصغاء لديه عن عملية الكتابة.

مسايفة بين القوقعة والجوهر

ولد بول مالدون، استاذ الترجمة في كلية العلوم الانسانية في جامعة برينستون، في ايرلندا الشمالية عام 1951 وانتقل الى الولايات المتحدة عام .1987 وقد نال عدداً كبيراً من الجوائز، منها جائزة ت.س. اليوت الشعرية عام 1994 وجائزة تايمز الشعرية عام 1997. وتم ترشيح ديوانه "رمل وحصى في موي" (2002)، المتحرّك في الفضاء الممتد بين الأرض الأم والأرض الثانية (ايرلندا واميركا)، لجوائز كثيرة. في شعر مالدون جديّة إنسانية، وعمق حيوي ينقذ الفكرة من فخ التـفاصيل. فهذا المتّهم بالتملّص من العواطف وبتوسّل التعقيد تحت غطاء السهولة والجهوزية والتلاعب بالمفردات، يسلّم رسائله - ومنها العاطفي والاجتماعي والسياسي - على طريقته. فصحيح أنه مغرم بإمكانات اللغة وطاقاتها واحتمالاتها التي يراها لامتـناهية، الا أن احتـفاءه بها لا يقل توهجا وحماسة عن احتفائه باحتمالات الحياة. وهو بقدر ما ينحت في جسد الكلمات ويستكشف بواطنها، يتوغّل أيضاً  في الروح الانسانية ولا يخاف الغوص في مناطقها المظلمة والصادمة والغامضة، الى حدّ ان تجربته تتـناغم مع قول ت.س. اليوت ان "الشعر الحقيقي قادر على التواصل حتى قبل ان يُـفهم". وتتجلى كذلك لدى مالدون بصمات الشاعر الايرلندي الكبير سيموس هيني الذي كان استاذا له وأدى دورا أساسياً في صوغ تجربته من خلال مجموعة من التأثيرات. فهو مثله يهوى أن يتحدى العادات ويكسر المتوقّع ويفتح القوقعة ليصطاد الجوهر. بذلك تبدو قصائده، على غرار كولاج من الادراكات والاستذكارات، دائمة التـفاعل في ما بينها ومع العالم، تـنشل توازنها من خلخلة التوازن وتتأرجح بين المنحى الذاتي والعين الخارجية. من خلال هذه الدينامية الثنائية نلمس كيف  يوسّع بول مالدون حلقة الأفكار او الدائرة الوجودية ليضيّـقها من جديد، فينتـقل برشاقة من القشرة الى اللب ثم الى القشرة من جديد، بايقاع يشبه المدّ والجزر، أو على الأصحّ المسايفة: إذ ثمة تناقض، لا بل خصومة رهيبة بين السطح الذي يبدو للوهلة الاولى بسيطاً وفي المتـناول، وبين الجوهر الملغَّز الى ابعد الحدود. الا انّ هذه الخصومة الداخلية، هذا التمزّق الباطني هو ما يحول دون سقوط سلاسة مالدون في المجانية المباشرة والسلبية. ففي حين يبدو الشاعر عائما على سطح العالم، تكفي قراءة ثانية لنكتشف لديه مستويات متناقضة من الشعور والفكر، تراوح بين الغنائية والحسية، بين التهكم المجرّد والتورّط في الطبقات الدفينة: إنه انسحاب العقل امام اسرار الشعر، والايمان شبه الميتافيزيكي بقدرة اللغة والادراك، حتى لتبدو الكتابة بالنسبة اليه تجربة صوفية لاواعية.

ثمة لدى مالدون مواجهة دائمة بين الإرث الشعري المنغرز فيه وتصميمه على عدم تكرار أصداء الماضي التي تقف في وجه كل عملية اختراق وتحديث حقيقية. لذلك تُرصد تطورات وتحولات مهمة في مسيرته، وهي ليست تحولات اعتباطية ولا مقصودة، بل يمكن وصفها بالغريزية: غريزة الشاعر الرائي الذي يسبر بحدسه مستقبل الأشياء، وغريزة المجدّد الذي لا يريد ان يكف عن استكشاف الاحتمالات الكامنة في اللغة والمحتوى على حدّ سواء.

عين الصحافي السـاهرة

أما على صعيد جوائز بوليتزر عموماً، فقد حفلت نتائجها هذه السنة بالمفاجآت على اكثر من صعيد، على غرار منح الكاتب المسرحي الكوبي نيلو كروز جائزة المسرح لعمله "آنا في المنطقة الاستوائية"، وهي المرة الاولى ينال فيها كاتب من أميركا الجنوبية هذه الجائزة. وفي الميدان الصحافي، كثرٌ هم الذين يتساءلون في هذا الوقت عمّا اذا كان يمكن تـفسير النتائج كسعي إلى تصحيح خللٍ أو انعدام توازنٍ ما، يُـرصد في آلية الصحافة الأميركية ومعاييرها واتجاهاتها، وكمحاولة لردّ الإعتبار الى رسالة الصحافي وصدقه ونزاهته وعدم تحيّـزه، في وقت تُـنتقد هذه الصحافة بشدّة على اصطفافها الأعمى، ما عدا بعض الإستثناءات، الى جهة الرئيس جورج دبليو بوش ومواقفه وآرائه. فالرسالة المتضمنة في الموضوعات الفائزة بالجائزة، التي يقع مقرّها الرئيسي في جامعة كولومبيا حيث تأسست عام 1912 كلية الصحافة الشهيرة بناء على وصية جوزف بوليتزر، رسالةٌ لا يعتريها لبسٌ ولا تحتمل أي سوء فهم بحسب المحللين الدوليين، كون تلك الموضوعات تكرّس في رأيهم دور الصحافي كعين ساهرة على الرأي العام والمجتمع المدني: عينٌ حرّة فضّاحة صارمة، عينٌ لا تباع ولا تساوم ولا تتاجر، بل تحرص دائماً على الدفاع عن القيم الإنسانية والأخلاقية ضد الفساد والظلم والمصالح الخاصة والعامة على حد سواء، أكانت هذه سياسية ام تجارية ام غيرها.

ومن الأسماء التي توِّجت على سبيل المثال، الصحافية كورنيليا غرومان من جريدة "شيكاغو تريبيون" لمقالاتها الشجاعة ضد حكم الإعدام في الولايات المتحدة، والكاتبة سـامنتا باور لكتابها "مشكلة من الجحيم" الذي يتمحور حول الجرائم ضد الإنسانية وعمليات الإبادة الجماعية التي حرّضت عليها ثغر السياسة الخارجية الأميركية، والناقد السياسي كولبرت كينغ من  الـ"واشنطن بوست" لعموده الصحافي الذي يوجّه من خلاله رسائل تتحلّى بالحزم والحكمة الى أصحاب السلطة، وفريق عمل الـ"وال ستريت جورنال" على سلسلة تقاريره التي فضحت فساد الشركات في اميركا وألقت الضوء على جذور هذه المشكلة وأبعادها وعواقبها: كأنّ اعضاء لجنة التحكيم في جائزة بوليتزر أرادوا أن يثبتوا أنّ القيم الأصلية للمؤسّس، الذي لطالما رفع راية الصحافة النزيهة الموضوعة في خدمة الناس، لا تزال صامدة، وأنّ احترامها والتزامها هما السبيلان الوحيدان لكي يكون للصحافة والإعلام أي دور ومعنى في حياتنا المعاصرة.

فاقد الشيء هل يعطيه؟

وجدير بأن نذكّر في هذا الإطار بأن الجائزة كانت قد تأسست عام 1917 تخليداً لذكرى بوليتزر الذي أضحى شعاره "إياكم ان تكتفوا بطباعة الأخبار" شعاراً للصحافة الأميركية ككلّ، وبات إسمه رمزاً من أهم رموزها وممثلاً للمقاييس التي لطالما تباهت باعتمادها على غرار الصدقية والشجاعة والجرأة واستقلالية الرأي وحرية التعبير وكسر قيود اللوبيات وتحدي قوانين "البيزنس" ومحاربة ضغوط الاتجاه السائد وتأثير الديماغوجيات والسعي الى كشف الحقيقة والكفاح في سبيل التقدّم والإصلاح والرفاه العام، وهو الذي قال "إنّ صحافة أجيرة وسفيهة لا بد أن تخلق عاجلاً أم آجلاً جمهوراً وضيعاً".

ويسأل مراقبو العالم الصحافي ومتتبعوه ومقوّموه عن مصير هذه القيم والمقاييس في اميركا اليوم، حيث أضحت أحياناً الداعية إلى الحرية قامعتها والمبشّرة باستقلالية الصحافة مروّضتها والقدوة السابقة والمحتكرة لعنصر الموضوعية  فاقدته: فهل يمكن المنتهك أن يستمر في اداء دور الواعظ؟ ورغم انه لا يمكن الحكم منذ الآن عما اذا كانت النزعة "الإصلاحية" التي تظهرهاالأسماء والمقالات التي حصدت الجوائز تشكّل دليلاً على حركة ارتداد فعلية الى القيم والمبادىء المؤسسة للولايات المتحدة،

لــــه

في الشعر:

"مناخ جديد" (1973)، "روح الفجر" (1975)، "لماذا رحل براونلي" (1980)، "أمير اليومي" (1994)، "قش" (1998)، "سوار" (1998)، "رمل وحصى في موي" (2002).

في المسرح:

"ستة رجال نزهاء" (1995)، "فيرا من لاس فيغاس" (2001).

في النقد الأدبي:

"الى ايرلندا" (1998)، "نهاية القصيدة" (2001).

في ادب الاطفال:

"حفلة او-او" (1981)، "الموسوعة الأخيرة" (1995).

في الترجمة:

"الطيور" لأريستوفـان، "حورية الخمسين دقيقة" لنوالا ني دومنيل.

الا ان ثمة أملاً في ان تساهم هذه الخطوة في التعويض عن بعض العيوب الفاضحة التي بات يعانيها الإعلام الأميركي وفي إعادة بناء جسر الثقة الحيوي بين الصحافي والقارىء. وفي موازاة ذلك التمنّي، املٌ آخر شبه طوباوي بأن تخرج الجوائز، كل الجوائز، صحافية كانت ام شعرية ام طبيّة ام فنّية، من سجن الحسابات وتتحرر من لعبة المصالح وتشفى من سرطان التحيّز بكل انواعه، لا في اميركا فحسب، بل في العالم اجمع.

 

كــل شــــيء قــــد انـتــهــــى بـيــنــنــا

يشرب ما بقي من نبيذه

حتى آخر نقطة

ثم يعيد ترتيب السكين والشوكة

والملعقة والفوطة

والطاولة

والكرسي الذي استعاره فحسب

ويبتسم

وينحني لغيابه

وغيابنا.

الأناناس والرّمان

أذكر حين كنتُ فتى في الثالثة عشرة

أمسكُ بثمرة الأناناس

وألامس لبّـها الشهيّ

مختبراً قوّة إرادتي

وعارفاً في صميمي

أنها ليست ثمرة فحسب

رغم افتقارها الى اي معنى.

كما لو انها رمز للوفرة

أكرّر، للوفرة، لا للقنابل

مثلما قد تتراءى لأبناء بلدٍ كبلدي.

كما لو انّ راحة اليد

يمكنها، لمرّة،

أن تتّـسع لغير الرّمانة

في زاوية ما من هذا العالم.

لكنّي اتحدّث عن الأناناس

لا عن الرمّان

أليس كذلك؟

ترجمة ج.ح.

الطريق

الآن وقد أدركنا نهاية الطريق

سوف أحاول ان اجمع أجزاءها

وإن كانت المسافة لا تزيد من وضوح الأشياء.

لقد بدأتْ طريقنا

عندما تهادينا معاً امام كورس الفجر

بعد حفلةٍ استمرّت طوال الليل.

بدأت عندما رأينا الشحرور

والطائر المغرّد والحمامة قربنا

تغير على بزّاقة.

بدأت

عندما يدكِ في يدي

جعلت العالم كلّه

منبسطاً

كطريق لا تنتهي

أمامنا.

خميس الصعود

كم هم لطفاء

لأنهم سمحوا لنا بالبقاء الى وقت متأخر

بعدما أغلقوا الأبواب.

ينسلّ نادل من المطبخ

حاملاً طبقاً من اليخنة أو حساء سميكاً

ويجلس الى المائدة المحاذية لنا.

نعلم، أنتِ وأنا،

أنّ كل شيء بيننا قد انتهى

وأن حاجزاً ما

فرّق بين ما نحن الآن وما كنّـا عليه.

يفتّت النادل الخبز في صحنه

 

جـمـانـة حـداد


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri