
ميلان
كونديرا والحكمة
الوجوديّة
للرواية
نشر
ملحق "الكتب"
في صحيفة "لوموند
الفرنسيّة
(عدد 25 أيار 2007)
ثلاثة نصوص،
قديمة ولكن
غير منشورة،
للروائي التشيكي
الأصل الفرنسيّ
الجنسيّة
(منذ العام
1980) ميلان كونديرا.
نصوص تتناول
"الأبله" لدستويفسكي
و"مئة عام
من العزلة"
لغابريال
غارسيا ماركيز
و"نَفَسُ
مور الأخير"
لسلمان رشدي.
1 ـ الرواية
والإنجاب
("مئة عام من
العزلة" لغابريال
غارسيا ماركيز
هي ضربٌ من
ضروب انتصار
الرواية. ومع
ذلك، تكمن
المفارقة
في أنّها رواية
تعتلم نهاية
حقبة: وهي الحقبة
التي جعلت
من الفرد "أساساً
لكلّ شيء").
راودتني فكرة
غريبة وأنا
أعاود قراءة
"مئة عام من
العزلة": مفادها
أنّ شخصيّات
الروايات
الكبرى لا
ينجبون أولاداً.
أقلّ من واحد
في المئة من
السكان لا
ينجبون أولاداً،
غير أنّ خمسين
في المئة،
على الأقلّ،
من الأبطال
الروائيين
الكبار يغادرون
الرواية من
دون أن ينجبوا.
لا بنتاغرويل
ولا بانورج
ولا دون كيشوت،
أنجبوا. ولا
فالمون، أو
ماركيزة دو
مرتوي أو فاضلة
"العلاقات
الخطرة". ولا
توم جونز،
أشهر أبطال
فيلدنغ. ولا
فرثر. معظم
أبطال روايات
ستاندال لا
أولاد لهم
(أو لم يروا
أولادهم في
حياتهم)؛ وكذلك
الأمر عدد
كبير من أبطال
روايات بلزاك،
ودستويفسكي؛
وفي القرن
المنصرم بطل
"البحث عن
الزمن المفقود"،
وطبعاً كلّ
الشخصيّات
الاساسيّة
في روايات
موزيل، أولريخ
وشقيقته أغاتا،
ووالتر وزوجته
كلاريسا،
وديوتيما؛
وكذلك الأمر
شفايك (الجندي
الشجاع)، وجميع
شخصيّات كافكا
ما عدا اليافع
كارل روسمان
الذي حَبَّلَ
خادمةً، غير
أنّ فعلته
هذه هي التي
دفعته، محواً
لوليد حياته،
إلى الفرار
إلى أميركا،
ما أتاح للرواية
أن تُكتَب.
ليس هذا العقم
قصداً من مقاصد
الروائيين؛
بل هي روحيّة
فنّ الرواية
(أو لا شعور
هذا الفنّ)
التي تأنف
الإنجاب.
لقد نشأت الرواية
مع الأزمنة
الحديثة التي
جعلت الفرد،
بحسب هايدغر،
"أساس كلّ
شيء". وبفضل
فنّ الرواية،
يقيم الإنسان
في أوروبا
بوصفه فرداً.
في حياتنا
الواقعية
نحن لا نعلم
الشيء الكثير
عن أهلنا كما
كانوا قبل
أن نولد؛ ولا
نعرف عن أقربائنا
إلاّ شذرات؛
نراهم يأتون
ويرحلون؛
وما أن يغيبوا
حتّى يحتل
أمكنتهم آخرون:
إنّهم، في
آخر الأمر،
كوكبة من الناس
التي يمكن
استبدالها.
وحدها الرواية
تعزل فرداً،
وتسلّط الضوء
على سيرته
الكاملة،
وعلى أفكاره،
ومشاعره،
وتجعله فريداً
لا يمكن استبداله:
لا بل تجعل
منه محور الأحداث
جميعاً.
يموت دون كيشوت
وتنتهي الرواية.
خاتمة نهائية
لأنّ ليس لدون
كيشوت أولاد؛
لو كان له أولاد
لاستكملت
حياته، محاكاةً
لها أو اعتراضاً
عليها، دفاعاً
عنها أو خيانةً
لها؛ فموت
الأب يترك
الأبواب مفتوحة
على الاحتمالات؛
وهذا بأية
حال ما يتردّد
على مسامع
أحدنا منذ
الطفولة: حياتك
سوف تستمرّ
بفضل ذريتك؛
أولادك هم
خلودك. ولكن
إذا قُيّض
لقصّتي ان
تتواصل إلى
ما بعد حياتي،
فهذا يعني
أن حياتي ليست
كياناً مستقلاّ،
وأنّها غير
مكتملة، ولا
معنى لها في
حدّ ذاتها.
ما يعني أن
ثمّة ما هو
ملموس وترابيّ
يذوب فيه الإنسان،
يقبل الذوبان
فيه، ويقبل
أن يُنسى: العائلة،
الذرية، العشيرة،
الأمة. ما يعني
أنّ الفرد
بوصفه "أساس
كلّ شيء" ليس
سوى وهم، سوى
رهان، حلم
بعض القرون
الأوروبيّة
وحسب.
مع (رواية) "مئة
عام من العزلة"
لغابريال
غارسيا ماركيز،
يبدو أن فنّ
الرواية يتنكّر
لهذا الحلم.
فمحطّ الانتباه
(في الرواية)
لم يعد فرداً،
بل كوكبة من
الأفراد. وجميعهم
مبتكرون،
غير قابلين
للمحاكاة،
ومع ذلك فإنّ
كلّ واحد منهم
ليس سوى انعكاس
شعاع شمس على
صفحة مياه
جارية في نهر.
كل واحد منهم
يحمل نسيانه
المقبل ويعي
هذا الأمر
جيّداً؛ لا
احد منهم يلبث
على مسرح الرواية
منذ البداية
وحتّى النهاية.
أمّ العشيرة
بأكملها،
أورسولا العجوز،
تموت عند بلوغها
العشرين بعد
المئة، وهذا
قبل زمن طويل
من ختام الرواية.
والجميع يحملون
اسماء متشابهة،
أركاديو جوزيه
بوينديا،
جوزيه أركاديو،
جوزيه أركاديو
الثاني، أوريليانو
بوينديا،
أوريليانو
الثاني، لكي
تمّحي الفوارق
التي تميّز
فيما بينهم،
ويختلط أمرهم
على فهم القارئ.
والارجح أن
زمن الفردية
الأوروبية
ليس زمنهم.
ولكن ما هو
زمنهم؟ زمن
يرقى إلى ماضي
أميركا الهندي
أو زمن مستقبلي
يذوب فيه الفرد
في الجنس البشري؟
لديّ انطباع
بأنّ هذه الرواية
التي هي مرثيّة
للرواية،
هي في الوقت
نفسه وداعٌ
عظيم لعصر
الرواية.
2ـ التعذّر
الفكاهي للفكاهة
(عبر تصرّفاته
يبرز "أبله"
دوستويفسكي
بداهة ضروبٍ
مختلفة من
الضحك التي
لا صلة لها
بالفكاهة)
يعرّف القاموس
الضحك بأنه
"ردّ فعل يستثيره
شيء مسلّ أو
فكاهي". ولكن
هل التعريف
صحيح؟ يسعنا
ان نستخرج
من " أبله"
دوستويفسكي
أنطولوجيا
كاملة للضحك.
والغريب أنّ
أكثر الشخصيّات
ضحكاً فيها
ليست هي صاحبة
الحسّ الفكاهي
على نحوٍ خاص،
لا بل هي الشخصيات
التي تفتقد
هذا الحسّ
تماماً. مجموعة
من الشبان
تغادر فيلا
ريفيّة بقصد
التنزّه؛
من بين هؤلاء
ثلاث فتيات
"كنّ يضحكنَ
مراعاةً لهذر
يفغيني بافلوفيتش
حتّى أن هذا
الأخير ساورته
الشكوك بأنّهن
لا يسمعن حتّى
ما يقول"،
وهذا الشكّ
"جعله ينفجر
ضاحكاً على
نحوٍ مباغت".
ملاحظة عبقريّة:
أولاً، ضحك
جماعيّ لفتيات
يافعات ينسين،
في معرض استغراقهنّ،
سبب ضحكهنّ
ويواصلن الضحك
من دون سبب؛
ثمّ ضحك يفغيني
بافلوفيتش
(وهو ضحك نادر
وثمين) الذي
يدرك أن ضحك
الفتيات مجرّد
من أي باعث
فكاهي، وحيال
هذا التعذّر
الفكاهي للفكاهة،
ينفجر ضاحكاً.
(...)
ضحك آخر من
دون باعث فكاهي
يحضرني الآن:
كنت طالباً
في معهد السينما
في براغ وكنت
محاطاً بطلبة
آخرين يتضاحكون
ويصرخون. من
بينهم كان
يلويس د. وهو
شابٌ شغوف
بالشعر، لطيف
المعشر، نرجسيّ
بعض الشيء
وعلى قدرٍ
من التكلّف.
كان يفتح فمه
على آخره ويصدر
أصواتاً مسموعة
ويومئ بيديه
كالمجنون:
أقصد أنّه
كان يضحك. غير
أنه لم يكن
يضحك كالآخرين:
فضحكه كان
أشبه بنسخةٍ
مقلّدة بين
نسخ أصليّة.
وإذا كانت
هذه الذكرى
العابرة تحضرني
الآن، فلأنني
خبرتُ عبرها
أمراً لم أعهده
من قبل: إذ شهدتُ
ضحك شخص لا
يمتلك أي حسّ
للفكاهة ولا
يضحك إلاّ
لكي يكون واحداً
بين آخرين،
أشبه بجاسوس
يرتدي بزّة
جيش أجنبيّ
لكي لا يُفتضح
أمره.
ولعلّ الفضل
يعود إلى آلويس
د. في تأثّري
بمقطع من "أناشيد
مالدورور"
في تلك الحقبة:
إذ يلاحظ مالدورور
لعظيم دهشته
ذات يوم أنّ
الناس يضحكون.
ونظراً لعجزه
عن فهم هذه
التكشيرة
الغريبة،
ورغبةً منه
في التشبّه
بالآخرين،
يمسك بسكّين
ويشقّ بها
زاويتي فمه.
أجلس أمام
شاشة التلفزيون؛
البرنامج
الذي أشاهده
شديد الصخب،
فيه مذيعون
وممثلون وفنانون
وكتاب ومغنون
ومانوكانات
ونواب ووزراء
وزوجات وزراء،
والجميع يضحكون
بأعلى صوتهم
لأي سبب: أي
أنهم يضحكون.
وأتخيّل يفغيني
بافلوفيتش
حالاً بينهم
شاهداً على
هذا الضحك
الذي لا سبب
له. قد يجفله
المشهد في
البداية،
ولكن مع الوقت
يستعيد هدوءَه،
ثمّ يجعله
هذا التعذّر
الفكاهي للفكاهة
"ينفجر ضاحكاً".
وعندئذ يطمئن
الضاحكون
إليه، بعد
ارتياب، ويحسنون
وفادته إلى
عالمهم الضاحك
من دون فكاهة،
حيث مكتوب
لنا أن نعيش.
3 ـ القيامة
في زمن الاكتظاظ
السكاني
(مقابل الحشود
الجامدة في
الأنظمة التوتاليتارية،
يصف سلمان
رشدي حشوداً
مختلفة ليست
أقلّ فظاعة)
إن الاكتظاظ
السكاني هو
ما يميّز عالمنا
عن عالم ذوينا؛
هذا أمر تؤكّده
جميع الإحصاءات
غير أننا نحرص
على التظاهر
بأنّها مسألة
أرقام لا تبدّل
شيئاً في حياة
البشر. فنحن
لا نريد الإقرار
بأنّ الفرد
المحاط باستمرار
بحشد من الناس
ما عاد يشبه
لا فابريس
ديل دونغو،
ولا شخصيّات
(مارسيل) بروست.
كما لا يشبه
والديّ اللذين
كانا فيما
مضى يستطيعان
التسكّع على
الأرصفة متشابكي
الأيدي. اليوم
لا تكاد تنزل
من شقّتك حتّى
يجرفك سيل
الناس المتدفّق
في الشارع،
في الشوارع
كافة، وعلى
الطرقات،
والطرقات
السريعة أيضاً،
"تحيا ممعوساً
وسط حشدٍ فالتٍ
من عقاله"
ولا بد "لقصّتك
الشخصيّة
أن تشقّ طريقها
بين الحشود"
(رشدي، "نفس
مور الأخير")
ولكن ما هو
الحشد؟ برأيي
هذه الكلمة
ترتبط بالمخيّلة
الاشتراكية،
أولاً بالمعنى
الإيجابي،
فالحشد الذي
يتظاهر يقوم
بثورة ويحتفل
بالنصر، ثمّ
بالمعنى السلبيّ،
حشد الثُكَن،
حشد منظّم،
وحشد مقموع،
وأخيراً حشد
في الغولاغ.
والإنسان
المنتمي إلى
هذا الحشد
ليس أمامه
إلاّ القليل
من السوانح
الملحميّة.
القليل من
سوانح الفعل.
فحركاته الخاضعة
للمراقبة
لن تتمكّن
من إطلاق سلسلة
من الأحداث
التي قد تفضي
إلى مغامرة.
ولطالما كان
هذا العالم
الفاقد للمغامرة،
هذا العالم
المضاد للملحميّة،
حيث يفقد الإنسان
كل حسّ بالفردية
وبحرية التصرّف،
هو الصورة
الماثلة في
ذهني لنهاية
الإنسان،
للقيامة.
الحشد في روايات
رشدي له سمة
مختلفة، لا
بل معاكسة.
إنّه حشد منفلت
من اي نسق او
نظام، طليق،
طليق على نحوٍ
مخيف، فاعل،
مبادر، مافيوي،
متآمر، خلاّق؛
فكل شيء في
روايات رشدي
غير متوقّع،
هزليّ أو مجنون؛
نجد أنفسنا
في كناية ملحميّة
متواصلة تبدو
من زاوية الجمالية
الفلوبيرية
(نسبة إلى فلوبير)
أو البروستية
(نسبة إلى بروست)
أنّها تنتهك
المعايير
والحسّ السليم.
غير أنّ هذا
التخريف المتعاظم
ليس مصطنعاً،
بل يعكس سمة
الحياة التي
تغيّرت. فإلى
جنون الاكتظاظ
السكاني يضيف
المؤلّف شطحات
مخيّلته الخاصّة
التي لا تشطح
عادةً إلاّ
بتأثير من
الواقع نفسه.
في الحشد الذي
يصفه رشدي
كلّ فرد يحافظ
على حريّته،
وحتّى رجال
الشرطة لا
ينصاعون إلى
أوامر رؤسائهم
بل ينصاعون
إلى مال رجال
العصابات
الذين يتلاعبون
بهم بحنكة
ودراية. وهنا
تكمن الفضيحة:
إذ تبدو شخصيّات
رشدي حيّة،
فريدة من نوعها،
مؤثرة، وساحرة.
وفي خلفيّة
كلّ منها سيرة
غنية، زاخرة
بالأحداث.
(...)
ينبغي الإقرار
بما لا يتصوّره
العقل: فأزاهير
الشرّ هذه
هي أزاهير
الحرية. فعندما
يسافر مور
الزغيبي،
في ختام الرواية،
إلى أسبانيا،
تنفجر قدر
العالم المكتظّ
بالسكان. وفي
غمرة الدخان
والحرائق،
تشهد بومباي
من تحته قيامتها؛
ولا تدور المواجهة
بين نزعاتٍ
متعصّبة؛
كما لا تشهد
المدينة وزر
الغولاغ؛
وإنما تشهد
حرية خلق الثروات
وتدميرها،
حرية تنظيم
عصابات القتلة
وذبح الأعداء،
حرية تفجير
المنازل وتدمير
المدن، إنها
حرية آلاف
الأيدي الدامية
التي تضرمُ
الحريق النهائي
في أنحاء العالم.
وكل هذا ليس
من قبيل التنبؤ.
فالروائيون
ليسوا أنبياء؛
قيامة "نفس
مور الأخير"
هو حاضرنا،
احد احتمالات
ملاذه المحدقة
بنا، الماثلة
أمام عيوننا.
ترجمة:
بسّام حجّار
- لبنان