
ريلكه
"القلعة" إلى
"البستان"
كيف
يمكن لشاعر
ذي مكانة كبيرة
في لغة ما،
وقد تكون المكانة
الأكبر حتى
الآن في النموذج
الذي نقصده،
أن يذهب بإرادته
ومحض اختياره،
إلى "هامش"
ما في شعرية
لغة أخرى؟
هل سيغدو هذا
"الهامش" مكان
اعتقال يجري
فيه التحقيق
مع أحد كبار
شعراء "الأمة"
الألمانية،
أم أنَّ فضاء
المغامرة
وروح التجريب
لدى الشاعر
كافيان لإكساب
"الهامش" نفسه،
جرعةً خاصة
مستمدَّة
من مكانته
الكبيرة في
اللغة الأم؟
الأشعار الفرنسية
الكاملة للشاعر
النمساوي
راينر ماريا
ريلكه التي
ترجمها إلى
العربية الشاعر
والباحث كاظم
جهاد وصدرت
عن منشورات
الجمل، ستبدو
مناسبة جيدة
لإعادة الأسئلة
المتعلقة
بهذه القضية.
وبينما قدم
الشاعر الفرنسي
فيليب جاكوتيه
أشعار ريلكه
الفرنسية
في طبعة غاليمار،
ويستعيدها
الكتاب المنقول
إلى العربية
كنظرة داخلية
ضرورية لأشعار
ريلكه الفرنسية،
فإن كلمة كاظم
جهاد في تقديم
الترجمة العربية
تنطوي على
أهمية خاصة
لأنها تثير
أسئلة عدة،
وتفتح مجال
التأويل واسعاً
لمقاربة العديد
من الإشكالات
ومنها ما يتعلق
بالاتجاهات
الأسلوبية
في الترجمة
إلى اللغة
العربية وفي
معضلات الترجمة
بشكل عام،
إضافة إلى
قضية الكتابة
بلغة أخرى
غير اللغة
الأم.
وإذا كان ريلكه
قد فرغَ من
رفع الألمانية
إلى أقصى ذروة
ممكنة من "الكمال
الذي لم تعرفه
منذ هولدرلين"
كما يقول مواطنه
الروائي روبرت
موزيل، فإنَّ
توجُّهَهُ
إلى الكتابة
بالفرنسية
بعد عمليه
الهائلين
"مراثي دوينو"
و"سونيتات
الى أورفيوس"
يبدو نوعاً
من البحث عن
بكارة أخرى،
ولأنَّهُ
لنْ يَعودَ
بِمقدوره
رفع الفرنسية
إلى مستوى
كماله الألماني،
فسيكتفي بممارسة
نوع من اللعب
واللهو الطفولي
كما يقول جاكوتيه،
الذي يتفق
معه كاظم جهاد
على وصف أشعار
ريلكه بالفرنسية
بالهامشية،
قياساً إلى
متنه الهائل
في اللغة الألمانية.
لكن اللافت
في طبيعة هذا
"الهامش" سعته
من حيث الكم،
إذ تصل ترجمة
قصائد ريلكه
الفرنسية
إلى 400 صفحة.
واللافت في
دلالته المضمرة
أو غير المعلنة،
أنْ يتجه ريلكه
إلى اللغة
الفرنسية
في أعقاب هزيمة
ألمانيا،
وانتصار فرنسا
وحلفاؤها
في الحرب العالمية
الأولى وفي
حمى التعصب
القومي والراديكاليات
العرقية والثقافية
في أوروبا
ما بعد الحرب
الأولى وما
بين الحربين.
فإنَّهُ يعيد
تعريف الثقافة
الأوروبية
عبر التداخل
وليس عبر التنافس
والتنازع،
لكأنَّهُ
كانَ يرى أوروبا
الجديدة من
منظار القرن
الحالي وهو
عند أعتاب
القرن الماضي.
وبهذا المعنى
لا يُمكن أن
يذهب التأويل
بعيداً حدَّ
توصيف ريلكه
شاعراً فرنكفونياً
بالمواصفات
المعقدة لمفهوم
الفرنكفونية
الجغرافية
والسياسية،
وإن كانت أشعاره
معاصرة لإرهاصات
التعبير عن
"خلود الأمة
الفرنسية"
إنها هنا تعبير
"ثقافي" فردي
عن الحيرة
إزاء فكرة
الهوية الثقافية
باللغة والعرق
والتحدر والقومية
والانتماء،
حتى أكثر من
كونها ثقافة
هيمنة أو حتى
ثقافة عضوية
تتبناها المجموعات
والنخب.
وحين يتصدى
شاعر وباحث
متمرِّس ككاظم
جهاد لترجمة
أشعار ريلكه
للعربية فهو
لا يقف عند
حدود النص
بل يتوغل نحو
مناقشات تنطوي
على جهد ودأب
واضحين وتتعلق
بمعضلات الترجمة
ومقاربة بلاغة
اللغة الأصلية
بممكنات البلاغة
في اللغة الأخرى،
فيتوسع ليتذرَّع
بأبيات من
شعر طرفة والفرزدق
وأبي فراس
لتدعيم فكرته
في ترجمة بعض
الصياغات
وترجيح الأساليب
على بعضها،
وليؤكد في
الخلاصة أنَّ
"التعريب"
أخصُّ من مجرَّد
الترجمة إلى
العربية،
وأعقدُ منها
إذ يتطلب تكييف
الترجمة بناء
تركيبياً
وسياقاً نحوياً
وبلاغياً
للغة الأخرى
عبر إعادة
إحياء النص
في الثقافة
الجديدة كمتن
مقارب وعدم
الاكتفاء
بترجمة طلائية
للعبارة.
ومع هذا لا
يخلو هذا الجهد
لكاظم من الوقوع
تحت عسف راديكالية
مضاعفة في
تجنب الوقوع
بما يأخذه
على الترجمات
المعاصرة،
ومنها ما يسميه
"الخرق الشائع
الذي يستحقُّ
الشجب" وخاصة
ما يتعلق بدخول
"كما" المكونة
من كاف التشبيه
وما "الكافة"
على الاسم
فهو يحصر دخولها
على الفعل،
لكن الكثير
من الشواهد
النحوية إضافة
إلى شعر المتنبي
ومن سبقه ممن
يُحتج بهم
وبفصاحتهم
تسوِّقُ وتجيز
دخول "كما"
على الاسم
وعدم اقتصار
دخولها على
الفعل كما
رأى الصديق
كاظم.
وأشهرها هذا
الشاهد الذي
تحفل به كتب
النحو العربي
لنهشل بن حَرِّي:
أخٍ ماجدٍ
لمْ يُخزنى
يومَ مَشهدٍ
* كما سيفُ عمرو
لمْ تَخُنْهُ
مضاربُهُ
أو حين يقع
تحت طائلة
الاستجابة
الصياغية
لتركيبة الجملة
المترجم عنها،
على حساب اللغة
المترجم لها
فيؤخر الفعل
والفاعل أكثر
مما تقتضيه
البلاغة في
هذه العبارة:
"عندما، للحيلة،
غير المرئية،
تستسلم، خفية،
حياتنا"
والصياغة
المعربة ستجعلها
هكذا:
عندما تستسلمُ
حياتنا
خفية
للحيلة غير
المرئية.
أو في عبارة
لا يمكنك النظر
إليها إلا
بوصفها عبارة
مترجمة:
يعابُ على
التفَّاحة
أنها للأكل
تصلح.
والمنطق البلاغي
للعربية قد
يجعل الجملة
هكذا: يعاب
على التفاحة
أنها تؤكل!
أو هذه العبارة:
هؤلاء الموتى
البالغو الثقل،
هم كمثل كتاب
مقروء
تعرفُ هي محتواهُ
الأرضُ الثقيلة
التي ما برحت
دائرة.
فالضمير "هي"
هنا توكيد
زائد بفعل
الترجمة وليس
لبلاغة ما،
ولعل الإيجاز
في العربية
يستغني عنه.
أما حين يلاحق
كاظم جهاد،
ريلكه من لغته
الألمانية
إلى اللغة
الفرنسية
فهو جهد يبدو
كنوع من التجاسد
في التجربة
أو الحلولية
عبر التماهي
في تجربة مهاجريْن
واحد هارب
من لغته إلى
لغة أخرى بقصد
الركون إلى
"صوت كصوتي"
والآخر يريد
استعادة الأشياء
الجميلة إلى
لغته الأمّ
تماماً مثلما
تستعيد الطبيعة
الأشياء الجميلة
في "مراثي
دوينو"، بيد
أن "الوحي"
الفرنسي يتصل
أحياناً بـ"الوحي"
الألماني
أو هما وحي
"واحد" يأتي
بلغتين وصوتين:
فتلك الجملة
القادمة مما
يشبهُ خرافةً
شعرية أو سماءً
تضطرب بولادة
ما، التي بدأ
بها ريلكه
"مرثيات ودينو"
بالألمانية:
"مَنْ إذا
ما صرختُ سيَسمعني
في مراتب الملائكة...؟"
ستغدو إجابةً
لا ينزع عنها
الالتباس
الغيبي نهائياً،
وإنما تزيده
تحجباً، حينما
تتحوَّل إلى
اللغة البديلة
أو الملاذ
أو مكان النقاهة:
هذا المساءَ
يدفعُ قلبي
إلى الغناء
ملائكةً تتذكّر
صوتٌ، كأنّه
صوتي،
بِمَ هُوَ
ذاهبُ ليتَّحد؟
وهذه الملاحقة
المجدية هي
التي جعلت
كاظم يضع أصبعه
بعناية على
المواضع التي
تركت عليها
"المراثي"
الألمانية
ظلالها الكثيفة
على الغنائيات
الفرنسية
المخفَّفة.
ربما كانت
ريلكوية مخففة
هي الأشعار
بالفرنسية
فهي تضمن حساً
رثائياً واضحاً،
غير أنها فرنسية
تنتمي للطبيعة
أكثر من الوجود
على ما يبدو،
فالبساتين
في اللغة الفرنسية،
وهو العنوان
الذي اختاره
ريلكه لمجموعته،
لا تتوفر في
الألمانية
الأمّ مفردة
تختزلهُ بهذا
الشكل لأنَّ
(حديقة الثمار)
في الألمانية
تشير إلى هذا
الافتراق
بين اللغة
التي تختزل
وتنحت وتكثف،
وتلك التي
تركِّب وتجتهد
وتجهد. إن كلمة
"بستان" كانت
من بين شياطين
الغواية الجميلة
التي دفعته
إلى الكتابة
بالفرنسية
حسب ما يذكر
المترجم نقلاً
عن شكوى ريلكه
للروائي الفرنسي
أندريه جيد
.
ولكن ماذا
بشأن تلك المفردة
السحرية التي
دفعت صاحب
"المرثيات"
و"السونيتات"
لئن جرؤت على
الكتابة بك
يا لغة معارة
فربما لكي
أستخدم
هذا الاسم
الريفي الذي
وحده سلطانه
الفريد
يؤرقني منذ
الأزل: verger
يعمد كاظم
لترك المفردة
التي أغوت
ريلكه على
فرنسيتها
كأنه يتضامن
معه في الإعجاب
بالبستان
الفرنسي فتأتي
إلى العربية
بصوتها القادم
من هناك بينما
تبقى في المعنى
مستقرة في
الطبيعة الفرنسية.
وكذلك حين
يحاول أن يلعبَ
معه لعبة فردية
على البنية
النحوية الفرنسية
بقصيدة "درس
في النحو"
فيضطرّ إلى
إشراك القارئ
العربي بشرحه
لثنائية التذكير
والتأنيث
في الفرنسية
والإسناد
والتملك.
على أن البعد"الفلسفي"
لقصائد ريلكه
يكمن في اعتمادها
بنسقها التعبيري
الأساسي على
ثنائية الطبيعة
الوجود، أي
مزج أمكنة
المشهد المرئي
بأزمنة الشعور
الغامضة،
أحدهما يكون
الحافز والآخر
معبر، بيْدَ
أنهما متصلان
في منطقة الولادة
دون انقطاع
مفترض، ليحلاّ
معاً في الفكرة
والجملة. "فالمرثيات"
على سبيل المثال
ولدت في الطريق
إلى "قلعة
دوينو" شمالي
إيطاليا في
ممرٍّ مجاور
لطبيعة تثير
في النفس أسئلة
الزوال. ولذلك
فإن ترجمة
عمل شعري لريلكه،
لا تعدُّ نزهة
لغوية جمالية
كتلك الطبيعة
الجميلة المحيطة
"بقلعة دوينو"،
وقدرة كاظم
على الإمساك
لهذه البؤرة
الأساسية
في شعر ريلكه
متوفرة حقاً،
ذلك أن جدل
الفكر/ الشعر
هو في الواقع
واحد من صميم
اشتغالات
كاظم المهنية
والإبداعية.
قد يبدو ريلكه
"الفرنسي"
رومانسياً
غنائياً،
لا ذلك "الألماني
الأيقونة"
الذي جعل مارتن
هايدغر في
محاولته الإجابة
عن سؤال ماهية
الشعر، يضع
"الفلسفة"
بين قوسين
شعريين كبيرين
أحدهما هولدرلين
والآخر ريلكه
نفسه.
ومع هذا فإن
فرنسية ريلكه
"الهامشية"
تلتمع أحياناً
في حاضنتها
اللغوية الجديد
بعبارات شعرية
حادَّة:
"صيادون بالصنارة
يتفاهمون
فيما بينهم
لإبطاء النهر".
وإذا كان كاظم
قد عمد إلى
بداية معكوسة
في شروعه بنشر
أعمال ريلكه
"الفرنسية"
أولاً ولضرورات
معينة، وهو
الذي ترجم
معظم "ألمانياته"
ونشرها في
مجلات عربية
في وقت سابق،
فإنَّ ريلكه
يبقى ضرورياً
دائماً وبكلِّ
اللغات، كما
قدم نفسه شاعراً
"أوروبياً"
بالوقت الذي
كانت فيه أوروبا
قارة من عداوات.
محمد
مظلوم / كاتب
عراقي مقيم
في سوريا
- (عن المستقبل)