
الفن
والحرية
تبدو
صورة "الحدود"
مناسبة للحديث
عن "الفن والحرية"،
أي عن علاقات
الفن بما يحرمه،
او يهدده،
او يمنعه،
أو يراقبه
وغيرها من
الممارسات
المقيدة له.
فما الحدود؟
هي خط مادي
يعني، لغة
وقانونا واصطلاحا،
التمييز بين
حيز وآخر،
سواء بين البلدان
والمقاطعات
او غيرها من
المساحات
مما يقع فيها
الفصل. وتعني
"الحدود" أيضا
التمييز بين
حيزين مختلفي
الطبيعة،
بين حيز عيني
وآخر محجوب،
أو بين حيزين
مختلفي القيمة
والحجم، بين
حيز "الأقوى"
و"الاسمى"
و"الاعلى"
و"الأب" وبين
حيز "الأضعف"
و"الاحط" و"الاسفل"
و"الابن"،
الى غير ذلك
من صفات التمايز
الذي يشكل
موضوعا لتراتبية
مطلوبة بين
البشر، ولو
انها تتوسل
بقوى خفية
أحيانا.
فـ"الحدود"
تعين عادة
خطأ قد يكون
طبيعيا بين
الدول على
سبيل المثال،
عند حدود جزيرة
او ممر نهر
او غيرها من
الحواجز الطبيعية
الفاصلة.
وقد
يكون الخط
موضوع مفاوضات
او فرضا، لا
يجد اساسه
في أي شأن طبيعي،
بل في الفرض
او الاتفاق.
و"الحدود"
تعين أيضا
فواصل بين
مناطق في التصورات
والاعتقادات
والافعال
والاقوال،
مما يجوز (او
لا يجوز) مسه
او التعرض
اليه، أو تجاوزه،
أو التلفظ
به، أو اخراجه
من الظن الى
الفعل. وفي
ذلك نجد المعنى
الثاني للفظ
"الحدود« في
العربية: بلوغ
النقطة الأبعد
في حيز محدد.
ذلك أن الفصل
بين المناطق
وتأكيد التراتبية
بالتالي،
لا يقوى على
ان يكون فعلا
من دون قوة
مادية وعنفية
تحرسه وتثبته،
ويؤديها حراس
مولعون بتأكيده،
بالاستناد
احيانا الى
اعراف واتفاقيات
ومعاهدات
وقوانين. فنحن
لا ننتقل من
حدود الى اخرى
من دون جواز
سفر، من دون
تأشيرة في
غالب الاحيان.
ونحن لا نقوى،
بالمقابل،
على التبضع
والشراء في
الامكنة الواقعة
ضمن الحدود
الجديدة من
دون تبديل
العملات. عدا
ان الحدود
هذه تتطلب
وجود سفراء،
أي وسطاء،
يتم قبول (او
عدم قبول) أوراق
اعتمادهم،
واللجوء اليهم
في حال خرق
أحد المسافرين
قانونا قد
لا يكون ساريا
في بلده، وإنما
في البلد الذي
حل فيه. كيف
لنا ان ننظر
الى الواقفين
في الصف أمام
شرطة الدخول
عند الحدود؟
أنحتاج الى
جواز السفر
لكي نكون "موجودين"؟
وماذا لو سرنا
في شوارع انجلترا
وفق القوانين
المتبعة في
الطرق الفرنسية،
أي وفق المسموح
به والممنوع
عنه فيها،
لا في انجلترا؟
هل يعني ذلك
أننا على خطأ،
وأي خطأ بالتالي؟
ما تعني التمايزات؟
ما قيمتها؟
ما تساوي في
حساب الطبيعة
الانسانية،
وفي حساب التدبيرات
والقوانين
المقرة ضمن
حسابات مخصوصة؟
هل نسير بالمقلوب،
أو لا نحسن
السير، أو
لا نعرف المشي
اذا أخللنا
بنظام السير
في انجلترا؟
ولكن كيف لنا
أن ننتبه الى
وجود "الحدود"
هذه؟ كيف لنا
أن نعرفها؟
هذا ظاهر بين
الدول، في
خطوط مادية،
ملونة أحيانا،
تشير الى الفصل
بينها، ولكن
كيف نتبين
الحدود بين
المناطق الرمزية،
أي الواقعة
في اعتقادات
البشر وتمثلاتهم،
ومنها الفنون؟
نتحدث،
إذن، عن أمرين
متلازمين،
هما: الفصل
بين مكانين
طلبا لتمييز
واحد عن الآخر،
وتعيين المسموح
بلوغه في حيز
بعينه، او
منع اجتيازه
الى الحيز
الآخر المطلوب
تمييزه.
وتكون
الحدود بالتالي،
والحالة هذه،
صورة رمزية
للامكان والقبول،
للتعين والاختلاف،
للمسموح والممنوع،
للحد والخرق،
وللرغبة والقانون،
وفي آن، فأين
تقع الحدود
في الفنون؟
أربعة
انتقالات
لحدود
أفضل
الكلام عن
"حدود" لأنني
أرى أن ألفاظ
"الحرية" أو
"الرقابة"
أو "التحريم"
او "النهي"
او غيرها تحدنا
في نطاقات
دلالية، وربما
ثقافية واعتقادية،
فيما يبقى
لفظ "الحدود"
مجردا من دون
حمولات أخلاقية
ودينية، بعد
تغير حمولاته
عن معانيه
الاسلامية
القديمة. فلفظ
"الحدود" صالح
لتناول الحالات
كلها، التي
تطلب الفصل
وتأكيد القوة
بين المناطق
الاعتقادية.
كيف لا، ونحن
لو تجولنا
في عدد من المناطق
الانسانية
التي وقعت
فيها ممارسات
ووقائع لفصل
"الحدود«،
لوجدنا انها
حافلة بالشواهد
على انتقالات
الحدود هذه،
بين ثقافة
وأخرى، بين
طور تاريخي
وآخر، وضمن
الثقافة الواحدة.
وقد انتهيت
الى رسم أربعة
انتقالات
أو أربع محاولات
لرسم حدود
في المعتقدات
والفنون.
لو عدت
الى الكتابات
القديمة،
في الاغريقية
والعربية،
لوجدت أن لفظ
"الجن" (GENIYS)،
مشترك بينها،
ولعله من اصل
يوناني اعتمدته
العربية (ثم
اللغات الهندية-
الأوروبية
نقلا عن اليونانية)،
ويعني في هذه
اللغة أو تلك
"التابع"،
قبل ان تتفرع
منه دلالات
قرنته بـ"العبقري"
و"الجنون"
و"التميز"
وغيرها. هو
"التابع" إلا
انه هو الذي
يمد غيره،
الشاعر تحديدا،
بالكلام "البليغ"
و"النفيس"،
الذي يميزه
عن الكلام
"العادي" و"المشترك"
بين البشر:
كلام منفصل
عن غيره، ومعين
على انه الأجمل
والاسمى والاصح.
كيف لا ونحن
نعرف أن عددا
من الشعوب
لم يتأخر عن
قتل الشاعر،
بل العراف،
الذي كان يخطئ
في أقواله،
أي تنبؤاته.
فنحن نتبين
في هذا الطور
تعايشا وتنافسا
ثم انفصالا
بين "الكاهن"
(والعراف والساحر)
وبين الشاعر،
يؤدي الى احتلال
الثاني وظيفة
الاول.
ما يعنيني
قوله، والالتفات
اليه، هو كون
الشعراء القدامى
طلبوا عبر
الجن "اختراق"
الحدود التي
كانت تفصل
بين عالم البشر
وعالم الخفاء
(حتى لا أطلق
عليه تسميات
أخرى):: ان تقول
شعرا متميزا
يعني أنك تجلبه
من مكان لا
يصله احد ( "وادي
عبقر" في الجاهلية
العربية)،
ولا يقوى على
اجتياز حدود
أي كان، بل
توجد قوى وسيطة،
هي "الجن« تحديدا،
التي تنقل
الكلام من
الحيز الخفي
الى حيز البشر.
كلام ممهور
بقوة الخرق
التي تسهله
قوى غير بشرية،
قد تكون مسموعة
من دون أن تكون
مرئية، مثل
العديد من
المخلوقات
التي عرفتها
اساطير الشعوب
عن أنصاف الحيوانات-
أنصاف البشر.
هذا ما نعرفه
عن الشعر،
كما عن الغناء،
في عدد من الاساطير
القيمة (مثل
اسطورة أورفيوس)،
والتي تحدثنا
عن "أصوات"
لا مثيل لها،
متميزة، أي
من صنيع الجن،
ما لا يقوى
البشر على
فعله. هذا ما
أجد أخباره
في العربية
القديمة وأخبار
الجاهلية
واعتقاداتها،
بين الشعر
والجن، وبين
الغناء والجن.
وهذا يصح في
الغناء كما
في العزف: "العزيف:
اصوات الجن
ولعبهم، وكل
لعب عزف" (في
"كتاب العين"
للفراهيدي).
وأجد في كتاب
المسعودي
"مروج الذهب"
أقوالا وأوصافا
عديدة عن هذه
الاصوات الخصوصية
والمميزة:
"أما الهواتف
فقد كانت كثرت
عند العرب،
واتصلت بديارهم،
وكان أكثرها
ايام مولد
النبي(صلى
الله عليه
وسلم) وفي أولية
مبعثه. ومن
حكم الهواتف
ان تهتف بصوت
مسموع وجسم
غير مرئي (...)،
وقد كانت العرب
قبل ظهور الاسلام
تقول: إن من
الجن من هو
على صورة نصف
الانسان،
وانه كان يظهر
لها في أسفارها
وحين خلواتها
وتسميه شقا".
هذا
ما نتبينه
في مجال الرؤية
أيضا، حيث
ان الجن "يري"
البشر صورا
وأطيافا لا
يرونها عادة،
بل قد تصيبهم
"الخطفة" من
جراء ذلك. الى
هذا فإن الجن،
ومنها ابليس،
تقدم على صنع
أعمال، منها
نحت الأنصاب
وغيرها مما
يعد أعمالا
متميزة ومجلبة
للشر، طالما
انها تأتي
بصور وهيئات
من مناطق "محظورة".
ونتبين أن
للجن مواضعها:
لها موضع في
البادية،
هو "عبقر« (ويرد
في القرآن).
ولها "منازل"
أيضا "يكره
النزول بها"
طبعا. ونتبين
ان الشعراء
"يهيمون" في
هذه المواضع:
فالشيطان
"يستهوي" الشاعر،
بحيث يصبح
"حيران هائما"،
ذلك ان الشيطان
"فتان" له
قدرة على أن
"يخبط" الانسان،
أي ان "يمسه
بأذى"، و"يجنه"
و"يخيله"،
عدا انه "يخطر"
في قلب الانسان،
أي يوصل اليه
"وسواسه".
ونعرف أن الجن،
أي عددا منها،
يلازم عددا
من الشعراء:
مثل ابليس
لامرئ القيس،
ومسحل للأعشى
وغيرها. والجن
"يسترق« السمع،
من جهة، أي
"يقرب من السماء
فيستمع ثم
يذيع"، أي
وساوسه. كما
ان الشاعر
يسترق السمع
للجن، من جهة
ثانية، أي
ذهب الى لقائهم،
ويذيع، هو
بالتالي،
هذه الوساوس.
وتسمي العربية
هذه العملية
بـ"الختل"،
او "الاستراق"؛
ونحن نجد في
هذا الأمر
الاسباب التي
ادت الى تشكيك
الاسلام بالشعر
وهي اسباب
تجد في الاستراق
الى عالم غير
منظور انصرافا
الى السوء
واقتراف الخطأ.
لقد طلب الاسلام
القطيعة مع
الشعر بوصفه
منبعا اعتقاديا،
وعدم اعتباره
بالتالي مصدرا
للمعرفة. وهو
ما نجده بينا
في قول مأثور
لعمر بن الخطاب:
"كان الشعر
علم قوم لم
يكن لهم علم
أصح منه". ولكن
ما الذي "ي
بلغه" الشيطان
للشاعر؟ أو
عما يبحث الشاعر
في "عبقر"؟
كيف يتحقق
الاتصال بين
الطرفين؟
نجد
في أخبار العرب
القديمة أقوالا
تفيد عن العلاقات
"المحرمة"
او "الخاطئة"
التي أقامها
اعداد من البشر،
مثل الشعراء
والمغنين
والنحاتين
والعازفين
وغيرهم، مع
الجن ولاسيما
مع إبليس. وهي
علاقات "اجتياز"،
عبر وسيط،
لمناطق يراد
فصلها عن غيرها،
أي عن عالم
البشر، فلا
تقع في متناولهم.
كما لو أن العمل
اختراق لمنطقة
غير منظورة،
وللشيطان
وحده قدرة
اجتيازها،
هو الوسيط
بين عالمين،
بين العيني
والخفي. كيف
لا يكون وسيطا
متنقلا، وهو
طيف، أي إمكان
صورة لا تتحقق
إلا بعد قبول
الانسان لها؟
كيف لا يملك
هذه القدرة،
ولعينه نفاذ
سيء على البشر!
إبليس هو هذه
القدرة على
الاتيان بأعمال،
بصور، ليست
لكل البشر،
بل لعدد منهم
ممن أقاموا
الحوار معه،
ممن جعلوا
أطيافه صورا،
ووساوسه أشعارا.
إلا أن هذه
العلاقة تخيف
بقدر ما تعجب.
وهو ما ننتبه
اليه في حمولات
الخوف والفزع
والروع التي
تقترن بالجمال
في العربية:
"الروع: الفزع.
راعني هذا
الأمر يروعني،
وارتعت له،
وروعني فتروعت
منه. وكذلك
كل شيء يروعك
منه جمال أو
كثرة. تقول:
راعني فهو
رائع" (في "كتاب
العين" للفراهيدي).
وهو ما نجده
أيضا في تعريف
"الهول" و"التهاويل"
خصوصا، التي
تعني في آن
زينة الوشي
والتصوير
والسلاح. ويجمع
الشاعر في
صفاته، في
العربية القديمة،
بين "العفرتة"
و"الشيطنة"
و"الخبث"؛
وهي صفات "مستقبحة".
وهو ما نقع
عليه في دلالتي
"السحر": تعين،
من جهة، "كل
ما كان من الشيطان
فيه معونة"،
وتعين، من
جهة ثانية،
التوفق في
الأمور القولية،
او "البيان
في الفطنة".
نقع، إذن،
على تعريفات
تقوم على حدود
من التنازع
والتشارك
في آن، هي الحدود
عينها التي
تقضي بعبور
الإنسان لحدود،
لممنوعات،
مخيفة بقدر
ما هي مرغوبة،
خافية بقدر
ما هي ساحرة.
أقول
ذلك لأفيد
أن "الجن"
كان الصيغة
الاولى للفنان،
هذا "الوسيط"
بين عالمين،
وهذا المخلوق
الثنائي النسب.
ونحن نجد في
مسار انتقاله،
مثل مسار انتقال
دلالات هذا
اللفظ (من الجن
الى العبقري
المتميز) شيئا
من مسار البشر
في اعتقاداتهم
عن الفن، وعن
سبل الوصول
اليه. كان الجن
يجلب "الكلام"
("أو الاصوات،
أو الصور"
من أمكنة خفية
لا يقع عليها
النظر، ولا
تبلغها الأدوات
الصناعية
(مثل الآلات،
أو قرض الشعر
وغيرها): المدهش
والساحر يقعان
في جهة غير
منظورة. ان
صور "التابع"
و"الوسيط"
و"ناقل الرؤى
والأخبار"
وغيرها، نلقاها
في آداب ومعتقدات
العديد من
الشعوب، ما
لا نحتاج لذكره
الآن، وهي
كلها تفيد
طلب الفصل،
عن طلب التمايز
عما هي عليه
حال الانسانية،
وهو طلب الفن
الأول: طلب
يقوم على التميز،
ويتوسله في
الابتكار،
أي الاختلاف
مع السوي والاعتيادي
من صنائع البشر.
"حدود"
الانسان الداخلية
أطلت
الكلام عن
الجن لأنها
تمثل الصيغة
الاولى لقيام
"الحدود« في
المعتقدات،
خاصة وأن الفنانين
سعوا في هذا
الطور، والى
غير رجعة في
تاريخ البشرية،
الى تعيين
كلام غير الكلام،
وصور غير الصور،
وأصوات غير
الاصوات المألوفة
والاعتيادية،
على انها "عبور"،
ولو عبر وسطاء
في هذا الطور،
لمناطق محظورة،
ممنوع اجتيازها.
وهو ما سنعرفه
في انتقالة
أخرى تليها،
وأجد معالمها
في مدى الفلسفة
الاغريقية
والأديان
التوحيدية،
وتقوم برسم
"حدود" أخرى،
وبتعيين "سبب
واحد"، أو
"علة أولى"
للكون والظاهرات،
أو "الله الواحد"
في التفسير
الديني. مع
هذا التفسير
سنتعرف، ولأول
مرة ربما،
على صورة طوبوغرافية
للكون، وعلى
وعي بحجمه
إذا جاز القول،
أي بحدوده
بالتالي: كون
ينقسم الى
عالمين متباينين،
هما:: عالم المثل
وعالم النسخ
المتدهورة
(حسب افلاطون)،
والسماء والأرض
في الأديان
التوحيدية.
ستصبح الحدود
في هذا الطور
بين عالمين:
علوي وسفلي،
بل بين السماء
والأرض. تتضح
الحدود الجديدة
من دون أن تنقطع
اسباب الصلة
بين العالمين،
ما يتمثل في
"المقايسة"
و"المناسبة"
بين العالمين،
بين الكامل
والجزئي،
وبين المثالي
والمنحط. هذا
ما أقع على
اخباره وشواهده
في اجتهاد
الفنانين
في حسن تصوير
غضب زوش أو
جمال فينوس،
أو في طلب الفنانين
لـ"الأدلة"
المتوافرة
عن الوجود
الاسمى. لم
تعد الصور
(والأصوات
والكلمات
وغيرها) موجودة
في أمكنة خفية
لا يصل اليها
إلا الوسطاء،
وإنما هي في
أمكنة بعينها
(السماء حصرا)،
ولا نبلغها
إلا في تتبع
الكتب المقدسة
والتمعن في
معانيها.
سنقع
في انتقالة
ثالثة على
حدود أخرى،
تقع بين الفنانين
و"الطبيعة"،
سواء الانسانية
او الجامدة،
مع احتفاظ
بفكرة "المقايسة"
و"المناسبة".
وهي انتقالة
ستصبح فيها
للفنون قواعدها
الداخلية
التي تحتكم
اليها، أي
محدداتها
الخاصة، وهي
ما تختلف فيه
كل ثقافة وفن
عن غيرها من
الثقافات
والفنون. كما
ستصبح لها
"قوانينها"،
لا "محرماتها"،
التي ستعين
الحدود الواجب
احترامها،
او التقيد
بها. والقوانين
هذه قد تكون
أسلوبية (أسس
النوع الفني،
أو قواعده
المقرة)، أو
اجتماعية
(عدم التعرض
لـ"الأخلاق
العامة")،
أو سياسية
(عدم التعرض
للنظام القائم)
وغيرها، مما
بات في جزء
منه خاضعا
للمحاكم،
أي للأخذ والرد،
والقبول والاستئناف،
ومنها ما أصبح
بمثابة "اللامفكر
به" في ثقافة
ما، أي "أنويتها
المخصوصة"
التي تجعلها
ترى الى فنونها
وآدابها وأساليبها
وقيمها الابداعية
على انها قوانين
العالم بأسره،
أو قبلة التطور
فيه.
انتقلت
الحدود، إذن،
وباتت تقوم
فوق الارض،
بين أيدي البشر
خصوصا: "الحقيقة"
موجودة في
"الطبيعة"،
الانسانية
والجامدة،
وما على الانسان
سوى تتبعها،
والتنبه الى
قوانينها
وظواهرها
واعراضها.
ولم يعد الفن
اخبارا وسردا
وتزيينا،
بل بات محاكاة
ونقلا واستعادة
وترتيبا لما
يمكن أن يكون
عليه العالم
في صورته الطبيعية،
على انها الصورة
الفنية: يتم
هذا الانتقال
في حدود واقعة
على الأرض،
هذه المرة،
وبين الانسان
والموجودات.
أما
ما شهدناه
مع كشوفات
فرويد وأدب
دوستويفسكي
خاصة فهو انتقالة
رابعة، هي
الحالية،
إذ باتت "الحدود«
قائمة في الانسان،
بينه "واعيا"
و"لا واعيا"،
أي في نفسه،
بين نفسه ونفسه،
وبين عوامل
جسده المتضاربة.
فما عاد "عبقريا"
كما في عهد
الرومانسية
الظافر، ولا
"ناطقا أكيدا
من أقواله"
كما في العهد
السحري، ولا
"شاهدا" على
الحقيقة التي
يستجمع قراءتها
كما في العهد
الديني. أصبح
الفنان هشا،
متصدعا، ضعيف
البنية؛ وفي
ضعفه هذا قوته
الابداعية.
فكيف يمكن
الحديث عن
حال "الحدود"
راهنا، ولا
سيما في السياق
العربي والاسلامي؟
النزاع
حول الصورة
يجري
الحديث أحيانا
عن "تحريمات"،
فيما استحسن
الحديث- كما
سبق القول-
عن حدود، بالمعنى
الساري الحالي
لهذا اللفظ،
ذلك ان التحريمات
تطلب تمايزات،
وتقع على تشابكات
مع المقدس
خصوصا، ما
عدنا نلقى
آثارها على
هذه الصورة
في فنون اليوم،
بالإضافة
الى ان "سارق
النار" ما
عاد يتعرض
للقتل المبرم.
طبعا نحن نقع
على "متبقيات"
من هذه التحريمات
في هذه الثقافة
او تلك، إلا
أننا انتقلنا
الى عهد "المدنس"،
و"الدنيوي"،
اذا جاز القول.
ولقد بدا لي
مفيدا في هذا
المجال ان
أتبين قضية
شغلت الباحثين
والفنانين
في الثقافة
العربية والاسلامية،
وهي مسألة
"تحريم الصورة"،
أو النزاع
حولها. فما
يمكن القول
فيها؟
علينا
أن نقول، بداية،
إن المسيحية
لم تجعل من
الصورة مجالا
للتمايز بين
العلوي والسفلي،
بين المثالي
والمنحط،
بين الكامل
والجزئي؛
وما كنا نشاهده
في المعابد
الوثنية،
وفي القصور
والدور، من
فن تمثيلي
سنجده في الكنائس
وبيوت العبادة
والدور والقصور
المسيحية،
ولكن لموضوعات
مختلفة. أما
الاسلام فقد
جعل من الصورة
"مسألة«، ومجالا
لتمايز، ولحدود.
فما الحدود
هذه؟
ماذا
لو نتوقف،
بداية، أمام
دلالات الصورة
في القرآن:
ترد ألفاظ
عديدة مشتقة
من "صور" في
عدد من سور
القرآن، في
استعمالات
اشتقاقية
مختلفة، ويرد
مرة واحدة
لفظ "المصور"،
من دون أن تكون
المعاني متباينة
بينها. فالفعل
"صور" مخصوص
في هذه الصور
بالخالق وحده-
هو "المصور"-،
كما يعين الفعل
فيها تصور
الخالق للمخلوق،
أي لصورته
قبل الخلق؛
عدا أن صورة
المخلوق السابقة
على الخلق،
والموضوعة
من الخالق،
لا تخضع لأية
صورة، لأي
أصل، بل هو
"المصور"،
يصورها وحده،
"وكيف يشاء".
أخرج
من هذا العرض
بنتائج بينة
تفيد أن المصور
هو الخلاق،
وان الصورة
هي هيئة الانسان
قبل خلقه وبعده،
وان الخالق
هو الذي يضعها
بنفسه من دون
إيعاز او سابق
صورة او مثال.
هذه الاستعمالات
الدلالية
تحد بالتالي
من الاستعمالات
التي كانت
عليها مشتقات
"صور" في عربية
الجاهلية،
لا بل تقصرها
على مجال بات
خارج النطاق
الانساني.
إن هذه المعاني
المستجدة
التي أتبينها
(والتي كانت
من دون شك محل
تفسير واجتهاد
وتعليق من
المفسرين
والفقهاء
المسلمين
بعد وفاة الرسول
خصوصا، ولكن
في أيامه أيضا)
تتعالق مع
تفسيرات لا
تنهي عن التصوير
بوصفه فعل
الخالق وحده
وحسب، بل أتبين
أيضا سبب النهي
في أمر آخر،
وهو الصلة
بين "الروح"
(بالأحرى الكائنات
الحية) والصورة.
تبينا
في هذه المصادر
كونها واجهت،
بين أخذ ورد،
المسائل عينها،
ومنها بل أولها
وضع نظرية
الحقيقة- الحق:
تقديم تفسير
واحد للكون
على أساس تفكري-
اعتقادي. فنحن
نشهد، بعد
تعدد الآلهة
عند الاغريق
وغيرهم، ووفرة
الاصنام في
الكعبة، تبلور
أنظمة تفسيرية
تجعل "الخالق"
واحدا : هو "المبدأ"
او "العلة
الأولى" عند
الفلاسفة
الاغريق،
و"الله" الواحد
عند\ الاديان
التوحيدية
الثلاثة. كما
نتبين تباريا
واجتهادا
في التوصل
الى تفسير
جامع، لا لهذا
الميدان أو
ذاك، بل في
الاساس للمبدأ
الناظم لكل
شيء، بعد أن
توصل التفكر
الى الاقرار
بوجود "سبب
واحد« خلف هذه
الظواهر كلها.
هكذا نلقى
في تعيينات
كل تفسير جامع،
مهما اختلفت
تعييناته،
عددا من المقولات
والقضايا
الواحدة،
مثل مسألة
"المناسبة«
بين العلوي
والسفلي التي
احتلت مكانة
خاصة في عمليات
التفكر والتعيين.
وكما انتبهنا
الى وجود "المناسبة"
في الفكر الاغريقي،
ولا سيما عند
أمبيدوكل
وبعده، أي
ما يناسب (او
لا يناسب) الله
في صفاته،
ما لبثنا أن
تبينا (المناسبة"
في غير نظام
تفسيري: عند
المسيحية
في الخلاف
اللاهوتي
الشهير بين
"طبيعة" (و"
طبيعتي") الله
و"مشيئته"،
("مشيئتيه"،)
بين الارثوذوكسية
والكاثوليكية:
وعند المسلمين
في المقالات
المختلفة
بين "الصفاتية"
و"المشبهة".
نلاحظ،
إذن، بين هذه
الانظمة تقاربا،
أي سعيا يتأكد
من نظام الى
آخر، لإجراء
عملية "تبعيد"
بين العلوي
والسفلي: التبعيد
أساسا للتعيين.
ويصل هذا التبعيد
الى حد اكبر
مع عدد من الفرق
الاسلامية،
التي لم تقم
بعملية تبعيد،
بل بعملية
قطع ناجز بين
النطاقين،
من دون "وسائط"
او "متقربات"
(حسب لغة الصابئة).
ويزيد من حدة
هذا القطع
كون مفاهيم
التعيين واحدة
للنطاقين:
جسم، هيولي،
صورة، عرض،
كم وغيرها.
فلا تسمي العلوي،
ولا السفلي،
بصفات تخصه،
بل تسوق التعيينات
نفسها، ولكن
في مجال نفي
او اثبات،
كما في هذا
القول للاشعري
عن المعتزلة:
"ان الله واحد
ليس كمثله
شيء، وليس
بجسم ولا شبح
ولا جثة ولا
صورة ولا لحم
ولا دم ولا
جوهر ولا عرض
(...) ولا يوصف
بشيء من صفات
الخلق الدالة
على حدثهم
(...) لم يزل أولا
سابقا متقدما
للحادثات،
موجودا قبل
المخلوقات،
ولم يزل عالما
قادرا حيا،
ولا يزال كذلك".
يستوقف،
في تتابع هذه
المقالات
المختلفة،
القطع الذي
مثله التفكير
الاسلامي
في مسألة تعيين
الصلة بين
العلوي والسفلي.
فما حقيقة
القطع هذا؟
نقع في هذه
المقالات
على أفكار
مثل &