حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

كلمـة عـن إخـلاء سبيـل الشعـر

إن كل كتابة حماسية أو عدائية عن الشعر هي مجرد محاولة للغناء. احتفاء موسيقي بالشعر. ولا أورد هنا كلمة (الغناء) محملة بتلك النبرة الاستهزائية، أو مطعّمة بذلك الاثر الرومانسي الذي تتركه هذه الكلمة حين تطلق بوجه من يريد استخدام دماغه في معالجة قضية ما؛ بل أوردها هنا كما هي، نقية، كثمالة حزن أو نشوة، رقصة بالحبال الصوتية والكلمات. وليست كشتيمة مثلما يحب بعضهم تحوير جوهرها الكريم الى خبث مقصود. من هنا اعتقد أن افضل حالات الكتابة عن الشعر (أكاديمية أو انطباعية أو فوضوية) ليست إلا طقوس غناء، رائعة تارة ومقرفة تارة أخرى، تقام في حلقة حول جوهر النار (الشعر). واذا ما افترضنا ان المغني (الناقد) كان ماهرا، فلكان بالتأكيد يطربنا، ولو كان متشنجا، لأزعجنا. لكن لو صعد المغني الى الخشبة، وبدلا من الغناء أخرج من جيبه رزمة من الاوراق وراح يخطب في الجمهور بحماسة وهو يعدد لهم ما يجب ان يكون عليه الغناء (الحقيقي) في هذا اليوم أو الغد أو بعد مئة عام، لما كان بوسعنا في هذه الحالة غير مغادرة الصالة وترك المغني فوق الخشبة يهذر وحيدا في الظلام. وكان أوكتافيو باث مراوغا وأكثر حذرا في كتابه (الشعر ونهاية القرن) من ان يتورط في كتابة دينية تبشر بالنهايات أو البدايات، رغم أنه عجز عن التخلص من إغواء التنبؤ... مع ذلك فالرجل أراد التنبؤ، وببالغ الحذر، بطبيعة رائحة الشعر (القادم). باعتقادي أن الفنون الكتابية، والشعر خاصة، لا يمكن سجنها في غرفة غاز. فالشعر اكثر النباتات حساسية وتعرضا للذبول اذ ما صبت عليه سموم التنظير. واخلاء سبيل الشعر من زنزانة التنظير أكثر نبلا من تعذيبه بالهلوسات أو المساطر الاكاديمية. وحتى انتشار الشعر الرديء لا أظنه يبرر الغضب الذي يؤدي الى كتابة لائحة بوليسية بمهام الشعر أو كتابة بيان انقلابي كوميدي، كما لا تبرر الاحداث الدامية ولا الزلازل ولا حتى خروج الله من قمقمه من تعليق بوصلة في رقبة الشعر. فقد خلق الشعر ليكون دخانا. ولا يوجد دخان من دون نار. وأظن أن للأرض ما يكفيها من براكين وحرائق مرعبة. إن مثل هكذا حقائق شعرية متواضعة يكفي كي يواصل الشعر مهمامه ويحقق الخلود. يقول اوكتافيو باث في كتابه المذكور إن شعر الغد لن يكون مختلفا عن شعر اليوم ولا الماضي، ولن تكون مهمة الشعر تقديم افكار جديدة بل الاعلان عما تم نسيانه، بعناد، طوال قرون. ان الشعر ذاكرة تحولت الى صور...
وأنا أقف بحب الى جانب رأيه هذا. لكن «باث» نفسه سرعان ما يبدأ بعد ذلك بالتغني بالشعر. ولا تخلو صفحة من كتابه من مثل هذه التعابير الشعرية (الشعر هو نفخة من الهواء... تعويذة لفظية... مخلوقات برمائية.. رذاذ من الصور الذهنية). ولأنه يعجز حين يبلغ النشوة في حديثه عن الشعر، عن استخدام لغة موضوعية، يلجأ الى الغناء. مثلما نعجز اثناء بلوغ الذروة في الممارسة الجنسية عن التعرف الى أنفسنا ونكتفي باطلاق آهات غنائية لا غير... ولو جمعت كل ما كتب عن الشعر بمثل هذه التعابير، لاحتجت بلا نهاية الى مجلدات ضخمة. وكل مثل هذه المجلدات هي أغنية تصدح بحنجرة واحدة عملاقة. هي كرنفال موسيقي صاخب للاحتفاء بآلهة الشعر.
بالطبع أنا لا أطالب هنا ـ بنبرة حاسمة ومثل رجل معمم أو لاهوتي ما زال محنطا منذ العصور الوسطى ـ بعدم الكتابة عن الشعر، فكل مطالبة مصحوبة بنيّة وديعة خاشعة هي محاولة فارغة بل هي شهوة لاهوتية حقيرة. يمكننا بالطبع أن نغني ونحتفل ونصفق ونرقص حول نعمة وجمال أيِّ نار مدهشة. فما عسانا نفعله على هذه الأرض غير إقامة الطقوس رغم اننا نوغل في اقامة الوحشية منها كي نريق الدماء ونزهق الأرواح. لكني أريد التحريض، شأن الكثير من الكتاب الآخرين، على الحذر والتردد طويلا قبل التوغل في مهمة الكتابة عن الشعر. فما نقرأه في الكتابة النقدية العربية حول الشعر هو غالباً ما يكون مثبطا ومثيرا للسخرية، وخاصة ما يكتبه اولئك المغرمون بوضع اللوائح التعليمية أو استثناء مجموعة من الشعراء. أما وضع نظرية صارمة أو مخطط لمهام الشعر، فهو مثل محاولة صب قوالب إسمنتية لروح الإنسان. أظن أن أكثر نقاد الشعر ريبة، هم الذين يطالبون الشعر بأن يتقدم، فكما يقولون في كل مرة فإن العصر يختلف عن سابقه. وهنا لا يمكنني الا ان اورد كلمات ارنستو ساباتو، واظنها تكفي علما بأنها تخص عموما جميع الفنون:
(هناك في جميع الأحوال تقدم في الفكر الخالص وفي العلوم، وليس في الفن. الفن لا يتقدم. والسبب ان الاحلام ذاتها لا تتقدم: هل كوابيس عصرنا افضل من كوابيس عصر يوسف التوراتي؟ إن رياضيات آينشتاين تتفوق على رياضيات أرخميدس، ولكن عوليس جويس ليست أسمى من عوليس هوميروس...)
وبالإمكان إيراد الكثير من الامثلة عن شعر الماضي وشعر الحاضر بطريقة ساباتو. ربما لا يشجع حديثي هذا حول التردد في الكتابة عن الشعر وتقنين مثل هذه الكتابات، اولئك المشتكين ابدا من شحة الكتابات النقدية العربية حول الشعر رغم ارتيابهم من شكواهم هذه. فجولة بسيطة في مواقع شبكة النت الادبية تكشف عن الكم الهائل من الكتابات عن الشعر والشعراء. لكن الجميع يعرف بأن كل أمور الأدب وقضاياه لا تتعلق بالكم. فماذا تعني كل هذه الكتابات الاحتفالية في نقد الشعر العربي. يمكنك أن تضع اسم أيّ شاعر أو عنوان قصيدة بدلا مما اختاره الناقد في مراجعته النقدية أو انطباعه، وستجد حينها، بكل بساطة، أن «أغنية» الناقد تتوجه الى جميع الشعراء والقصائد. وماذا يعني تعبير مثل: أن القصيدة لامست الجرح الكوني وأن كاتبها استطاع أن ينتشل أرواحنا من القاع؟ ألا يصلح مثل هذا التعبير لكثير من القصائد والشعراء في كل زمان ومكان؟ حسنا، ربما يصلح مثل هذا التعبير كمقدمة افتتاحية مثل مقدمة السور القرآنية (بسم الله الرحمن الرحيم) لكن أن يواصل الناقد كتابة مقاله حتى النفس الاخير بمثل هذه التعابير، فهو كمن يكتب سورة بكاملها لا تحوي الا هذه المقدمة (بسم الله الرحمن الرحيم) ويلوك تعبيرا وفكرة واحدة منذ بداية الأغنية حتى نهايتها. إنه يريد أن يصيب الهدف لكن يده ترتجف أو انه يجهل فن الرماية، لهذا يبالغ في شد الوتر وبعدها يخطئ الهدف.
أظن أن ورطة الكتابة عن الشعر بحاجة الى الكثير من الصدق (المنقرض) مع القليل من الحماسة والذكاء. وعلى ضفة الموضوع الاخرى، يبدو أن جمعيات المدافعين عن الشعر لا تختلف كثيرا عن جمعيات المدافعين عن البيئة: تكون مخاوف أنصار البيئة مشروعة امام كل هذه الغازات السامة. أما بيئة الشعر فمن دواعي الفخر والاعتزاز بالطبع أن يكون لها حماة، لكن من دون مبالغات دكتاتورية، فالشعر (الرديء)، في أفضل وأسوأ حالاته، هو محض محاولة ساذجة لمحاكاة الاوكسجين الشعري الذي نستنشقه بإعجاب ومحبة! أي ما نسميه بالشعر (الصادق) أو (الحقيقي). وأنا أفضل قراءة قصيدة (رديئة) على مراجعة نقدية (رديئة) حول قصيدة (جيدة).
إن ازمة الشعر العربي في عنوانها العريض تكمن في القارئ الذي داسته جيوش الظلام والتخلف وكتمت أنفاسه. أما ما يخص أزمات الشعر الاخرى، الشكلية منها والوجودية، فنحن نشارك هنا ونتقاسم هموم الشعر والشعراء في كل بقعة من الارض. لكن الكتابة عن الشعر بحناجر غليظة أو صدئة لا تفعل شيئا آخر سوى مضاعفة أزمة الشعر وتلقي عليه أثقالا أخرى لسنا على استعداد لحملها الى العديد من المستنقعات العربية التي نحاول او ندعي اننا نريد أن نجتازها.
و أنا الآخر أغني أيضا:
(الشعر نهر لا تنزل فيه مرتين).
ولهذا يمكن القول إنه في كل صباح ومساء وفي كل عاصفة وفي كل سلام وفي كل طاحونة وفي كل حقل وفي كل لحظة هناك للشعر جديدٌ!
ومن دون الحاجة الى الوقوف عند النهر ومطالبته بأن «يتقدم» او «ينزع جلده»!
وفي الأخير، ماذا تريد من هذا النهر الخالد، أن يصبح محيطا مثلا!

 

حسن بلاسم



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.