حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الإرهاب

في المساء خرجت لزيارة صديقة بريطانية في بيتها لاحتساء بعض الخمر او على الأغلب ما يفوق الكثير من الخمرة لنشعر بالرضى جراء ذلك الضياع الذاتي الذي اجتذب جيلنا باجمعه في كل لحظة داخل وجودنا. وصلت بيتها, وبدانا بتناول الجعة متبادلين الحديث هنا وهناك.تقول هي بنوع من السخرية الذاتية:
- في الاونة الاخيرة شعرت بملل شديد,فذهبت للتسوق واثناء تسوقي صادفت تلك العصافير الملونة صغيرة الحجم التي يدعونها (عصافير الحب), فقررت ان اشتري زوجا منها لبعض التسلية.لكنهما مزعجان الى حد خانق. اللعنة عليهما!
- واين هما العصفوران؟
- لقد رميتهم خارجا
- رميتهم خارجا؟!
- هذان العصفوران يصيحان طوال الوقت كالديكة التي أصابها الزكام,
لذا وضعتهم خارج باب المنزل.
- الا تخشين بان احدا ما قد يسرقهم؟
- اه,أتمنى ذلك من كل قلبي!
فانا ابغض هذه العصافير الحمقاء..
- العصافير ليست حمقاء!
هي تقاطع ضاحكة:
- لا تكن جديا فان الموضوع لا يستحق الكثير
(ترفع كاسها) بصحتك!
وضعت ابتسامة جافة على شفتي على مضض:
- بصحتك!

نعود الى مشاهدة التلفاز ودفن المزيد من الغازات داخل معدتينا. كنت أحدق بالتلفاز كالأبله,وبين الفينة والأخرى أحدق بها بدهشة ثابتة.ما زلت أفكر بالعصافير  اذ لم استطع طردهم خارج قفص راسي الصغير.
- لماذا تحدق كالأبله؟
(ضحكنا معا)
- كيف تجرئين على وصفي بالأبله؟!
اللعنة عليك!
- لا يا صديقي,اللعنة على العصافير!
(ضحكت هي بشكل أوتوماتيكي بدت خلاله كالسنجاب,إما أنا فهززت
راسي باسما)
الشيء المضحك هو إننا نحن البشر أحيانا نترجم عقولنا الباطنية
بشكل مرح يبقيه مبطنا.

استمرينا في مشاهدة التلفاز وتناول الكيمياء حتى تسرب ما يكفي
من ثقافة التلفاز داخل عيوننا الضامرة, وما يكفي من الكيمياء داخل رؤوسنا.أصابنا النعاس ونمنا بتراخي امام شاشة الثقافة الصغيرة التي ما زالت تزود...
استيقظت انا مبكرا ذلك ان الشاشة الصغيرة لم تعد تغريني اكثر من ضوء الصباح المنعش. كانت راسي تتثاقل يمينا وشمالا كطائرة فقدت احد جناحيها. يبدو ان الكيمياء تعيد الكرة في لعبتها الدقيقة ثانية,او ما اسميه (لعبة وخز الابر). أشعلت سيجارة لكي ألقى بعض الإدراك..
ادراك المحيط حين تلعب الكيمياء لعبتها الخبيثة وقد عادت الي الآن فكرة العصافير ثانية,ولا اعرف لماذا ظننت باننا تخاصمنا بسبب العصافير. انه العقل الباطني ثانية..

تجولت داخل الشقة,كان المنظر غريبا للغاية:
هي ما زالت مستلقية هناك على الصوفا بمواجهة التلفاز, وقد بدا كل شيء عبثيا. قناني الخمر تنتشر على الطاولة,أسفل الطاولة,أمام الطاولة,بجانب الطاولة. بعضها كان شفافا,وبعضها الأخر معدنيا. بعضها ما زال منتصبا على حاله, وبعضها قد تطعج داخل كفينا الغاضبتين تحت تأثير رؤوسنا المأخوذة.
بقايا السجائر التي أشعلت بعضا من الحرارة التي نحتاج اليها كثيرا في الداخل بدت مترهلة مسنة في الصباح الباكر.
مشيت على إطراف أصابعي كي ادخل غرفتها بهدوء. قطع الحلوى
والمسك المرمية هنا وهناك درزت بأسماء شتى وألوان جذابة. ملابس مختلفة الاشكال والالوان تحمل اسماء ماركات شهيرة وتتدلى في كل مكان بلامبالاة كسولة. هناك ستارتان ضخمتا الحجم بقماش غليظ يبدو انهما وضعتا هناك ليس لتغطية النافذة فحسب بل لتغطية الحائط
بأكمله,ويبدو إنهما لم تتحركا منذ ان وضعتا هناك.
جلست بحذر على السرير الذي أصبح ساحة للفوضى, وقد ملأت راسي تلك الرائحة... رائحة العبثية
كانت رطبة نوعا ما ومزعجة الى حد بعيد..

خرجت الى الصالة ثانية بخفة,كان الجو صامتا وثقيلا الى حد مخيف. تذكرت العصافير,فعجلت خطاي الى الباب وفتحته لأرى زوجا ازرق من العصافير بدا عليهما الارق والاضطراب. شعرت بالحنق..
عدت أدراجي الى الداخل. ما زالت هي مستلقية امام شاشتها المفضلة بمصاحبة موادها الاستهلاكية التي تنوعت استخداماتها وألوانها وإشكالها,لكنها اشتركت جميعا في زنزانة اللامبالاة العبثية التي صنعتها هي لنفسها.
تساءلت:
<الا يوجد مكان يكفي لذاك الزوج الأزرق من العصافير داخل شقة
زرعت بآلاف المستهلكات المستلقية هنا وهناك؟>

نظرت إليها للمرة الأخيرة ثم غادرت المنزل.
كانت تلك هي المرة الأخيرة التي أراها!

 

نادر غانم / كاتب مقيم في الصين
nader.ghanim@gmail.com



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.