حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

مايكل جاكسون ملك ما بعد الحداثة المتوج:
حــلم الخــلود المغـدور!

في صباح 8 ديسمبر عام 1980 وقف ديفيد تشابمان في أحد شوارع نيويورك ممسكاً بيده رواية "
The Catcher in the Rye" للكاتب الأمريكي "جي. دي سالينجر J. D. Salinger. " وفي اليد الآخري أشهر مسدسه وأطلق خمس رصاصات علي المغني البريطاني "جون لينيون" لينهي حياة أهم أيقونة موسيقية في الستينات والسبعينات. وحينما تم إلقاء القبض علي تشابمان رفض الإدلاء بأي تصريح أو تبرير جريمته مكتفياً بتقديم نسخة من رواية سالينجر وقد كتب عليها "هذا اعترافي". كان تشابمان يري أن جزءا منه هو شخصية هولدين كالفيلد Holden Caulfield المراهق ذي الـ16 عاماً بطل رواية سالينجر والناقم علي كل ما حوله الشاعر بالملل من زخم الأفكار المجردة والنظريات المفروضة عليه.. والساعي لتدميرها.
اغتيال جون لينون كان إشارة واضحة إلي أن نموذج المغني الرومانسي صاحب الشعر الطويل والأغاني العاطفية والنضالية ذات الميول اليسارية لم يعد مطلوباً. كانت الحداثة في مراحل احتضارها الأخيرة. لم تكن الأفكار الكبري والنظريات الضخمة هي فقط التي تواجه نوعاً من الانكماش بل أيضاً المنتجات الفنية التي صنعت مجدها اتكاءً علي هذه الأفكار.
وفي عام 1982 قدم مايكل جاكسون البيان الأقوي لعصر ما بعد الحداثة الجديد متمثلاً في ألبومه الذي صنع مجده الموسيقي "Thriller". احتل الألبوم المرتبة الأولي كأعلي الألبومات الموسيقية مبيعاً في تاريخ العالم (104 ملايين نسخة حتي لحظة كتابة هذه السطور) وكان خروجاً عن كل ما هو معتاد في الموسيقي والكلمات.
استكشاف المتع الجديدة
في أغنية Thriller والتي يمكن تعريبها بمتعة الإثارة.
لم يظهر جاكسون كشاب وسيم أو ثري، بل شاب يرتدي جاكيت أحمر يتحول إلي ذئب ثم فرانكشتين فقط ليخيف صديقته، ويجعلها تتذوق متعة الخوف. كل هذا مصاحباً لجرعة مكثفة من المتعة البصرية والموسيقية قوامها الخيال الأسطوري المجرد من أي عمق فكري. كانت الأغنية هي التطبيق الفعلي لأفكار جان فرانسوا ليوتار حول الإعلاء من قيمة ما هو جمالي بديلاً للعقلانية الديكارتية والكانطية. وبقدر من المبالغة يمكننا أن نري الأغنية تمثيلاُ لما دعا إليه إيهاب حسن في "جماليات الصمت" من تقديم فن غير شفاف يقاوم الاستهلاك والتأويل "فن يوجد في العالم كسطح حسي."
كانت المفاهيم تتغير وكان مايكل جاكسون إلي جانب "برنس" و"مادونا" هم الجيل الموسيقي الأمريكي الجديد الذين يغيرون كل تلك المفاهيم عن الموسيقي والفن والصورة. وقد راهنوا علي الجسد والمتع الحسية التي يمكن إدراكها بالحواس الخمس كثوابت يمكن خلالها تحقيق أكبر قدر من التواصل مع جميع المتلقين بغض النظر عن عرقهم أو ديانتهم أو ثقافتهم. كانت Thriller إعلاناً لبداية عصر الفنان خادم المتعة المجردة. العصر الذي سيصفه عجوز ذو مزاج رجعي كميلان كونديرا "بعصر الضوضاء". فلم تعد الموسيقي كما تعود عليها جيل كونديرا وسيلة لحمل أفكار أو تعبير عن مشاعر بل أصبحت هدفاً في حد ذاتها ومتعتها الأعظم هي قدرتها علي تحريك الأجساد وبث الطاقة في المستمعين.
هل يتشابه هذا مع ما قدمه أحمد عدوية في الثمانينيات؟ ربما. لكن بينما تعرض عدوية للنبذ والتهميش من قبل السلطة والإعلام الرسمي حتي نهايته المأساوية. فالسلطة الأمريكية أدركت منذ اللحظة الأولي أهمية مايكل جاكسون وعرفت كيف تحاول استغلالها. في مواجهة ثقافة المعسكر الشرقي.
ابن للثقافة الأمريكية لا السلطة
كان مايكل ابناً لثقافة رأسمالية قامت علي الاستهلاك كمحرك للإنتاج وبطبيعة الحال فالمتعة الصافية الخالية من أي منغصات فكرية كانت مفهوماً أساسياً في تلك الثقافة وذلك في مقابل ثقافة المعسكر الشرقي التي تمتلئ بأطنان الكتب والنظريات والبروستريكا والتروتسكيه.
وفي نفس الوقت لم تكن عبقريته الموسيقية نتاج عبقرية من خارج كوكب الارض (في مقابلة مع أوبرا وينفري صرح جاكسون في نوفمبر 2001 بإحساسه بأنه جاء من كوكب آخر اسمه كابريشو يقع خارج المجموعة الشمسية) بل هي تطوير مجتهد وذكي لموسيقي الصول والبوب، وهي موسيقي شعبية نمت في الشوارع الخلفية بعيداً عن دعم السلطة والثقافة الأمريكية الرسمية.
لذلك فابن موسيقي الشوارع أدرك مبكراً الدور الذي رغبت المؤسسة الرسمية الأمريكية في سجنه داخله كأيقونة إقليمية. وهو ما لم يكن بالدور الذي يرضي فناناً مثله يدرك أهمية نفسه جيداً. والمتأمل لتاريخ مايكل الموسيقي كله يجد أنه لم يغن أبداً أي أغنية وطنية بل كانت أغانيه دائماً ذات مضمون إنساني عالمي. ففي عام 1985 علي سبيل المثال أطلق حملته "نحن العالم/ "We Are the World" والتي كانت عبارة عن أغنية شارك في غنائها 45 موسيقياً ومغنياً أمريكياً تبرعوا بكامل أجرهم وأرباحهم لصالح محاربة الفقر في أفريقيا.
كانت أغاني مايكل دائماً تحتوي علي هذه النبرة الواضحة من الغضب المميز لغرور المراهق، ومع بداية التسعينيات اكتسب هذا الغضب في كلمات مايكل بعداً سياسياً واسعاً تحديداً حينما قدم أغنية "أنهم حقاً لا يهتمون بنا/ They don't really care about us" كلمات الأغنية كانت أشبه بهتافات علي خلفية موسيقي جاكسون المميزة، وكلها هتافات معادية لمفهوم الحرية أو الليبرالية المزيف، وضد كل أنواع السلطة، وعلي رأسها سلطة الشرطة.
لغة الجسد
في منتصف التسعينات كنت طالباً في المرحلة الإعدادية في إحدي المدارس بالكويت. وبطبيعة الحال كان الفصل الدراسي يتكون من خليط من الطلبة العرب من كل الجنسيات من تونس وحتي لبنان وفلسطين. ورغم هذا التباين فقد كان مايكل جاكسون هو الشيء المشترك بين جميع هؤلاء الطلبة العرب الذين لم تتجاوز أعمارهم الرابعة عشرة. كان الجميع يسعي إلي تقليد طريقته في ارتداء الملابس. . هذا التأثير علي مجموعة من المراهقين العرب في مدرسة في دولة خليجية صغيرة يدل ببساطة علي مدي قوة وتأثير مايكل في ثقافة جيل كامل من الشباب في العالم كله.
لم يتواصل جاكسون مع كل هؤلاء من خلال الكتب أو السينما بل كان جسده هو الوسيط الذي يتعامل من خلاله مع جمهوره. نجح مايكل في أن يحول جسده إلي أهم وسيلة تخاطب متجاوزاً حواجز اللغة في 1985 قدم علي أحد المسارح لأول مرة "مشية القمر" وهي طريقة السير التي ابتدعها حيث ينساب بقدميه إلي الخلف بدلاً من السير إلي الأمام . بعدها ابتكر مايكل طريقته في هز الأكتاف كموجة تتحرك.

 

أحمد ناجي



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.