جورج
أورويل ودلالة الاحتفال بمئويته فى هذا الزمن الرديء

جورج أورويل
لا شك أن احتفال بريطانيا هذا الشهر بمئوية الكاتب الكبير جورج
أرويل له دلالات عديدة بالنسبة للقارئ الانجليزي، تختلف اختلافا
بينا عن تلك التى ينطوى عليها تذاكر القارئ أو المثقف العربى له.
فقد ظل هذا الكاتب محل جدل طويل فى ثقافته أو فى غيرها من الثقافات
التى ترجمت لها أعماله. وخاصة روايتيه الشهيرتين "1984" و؛مزرعة
الحيوانات Animal Farm". لأنه استطاع أن يخلق عبر كل منهما أمثولة
سردية تدير حوارها العميق والخلاق مع الواقع السياسى فى منتصف
القرن العشرين، ومع أكثر القضايا الحضارية فيه إلحاحا على العقل
والوجدان. وتوشك المعرفة الإنسانية بجورج أورويل فى كثير من الثقافات
أن تقتصر على هذين العملين، برغم أن لكاتبهما أكثر من عشرة كتب
أخري. لكن هذين العملين بالتحديد هما المسؤولان عن شهرته فى الثقافة
الانجليزية وفى غيرها من الثقافات. ويرجع ذلك إلى ما أود دعوته
بسحر الأمثولة الرمزية Allegory عامة، والأمثولة السياسية political
allegory خاصة. لأن الأمثولة بشكل عام ــ وليس فى أدبنا العربى
نماذج كثيرة منها، وإن كان أشهرها هى رواية كاتبنا الأكبر نجيب
محفوظ "أولاد حارتنا" ــ تتسم ببساطتها الخادعة من ناحية، وبنصاعة
دلالاتها الرمزية من ناحية أخري، وبانفتاحها على حقل ألغام من
التأويلات من ناحية ثالثة. فما بالك إذا ما كانت هذه الأمثولة
ـــ كما هو الأمر فى حالة أورويل ــ قد موضعت نفسها فى قلب أكثر
الفضاءات الفكرية إشكالية وخلافية، ألا وهو فضاء الحرب الباردة
التى اندلعت بين المعسكرين الاشتراكى والرأسمالى عقب انتهاء الحرب
العالمية الثانية، واستمرت معاركها دون توقف طوال نصف قرن من الزمان
تقريبا.
فى سياق الحاضر
لا غرابة إذن إذا كان هذان العملان ــ "1984"، و"مزرعة الحيوانات"
ــ اللذان كتبهما أوريل فى آخر سنوات حياته القصيرة العاصفة، هما
اللذان حظيا بالشهرة ووضعا اسمه على خريطة الجدل الفكرى والأيديولوجى
الحاد. ولا غرابة أيضا فى أن يتأثرا بالجدل الآن، وخاصة بعدما
وضعت الحرب الباردة أوزارها، وبدأت الرأسمالية المنتصرة فى هذه
الحرب تكشر للعالم عن أنيابها وتظهر لمن كان واهما سوءاتها. بل
أخذت مع تجليات هذا الوجه البشع الجديد للرأسمالية المنتصرة مجموعة
جديدة من التأويلات النقدية لروايته الشيقة "1984" فى الظهور تكشف
لنا عن أن الرأسمالية المنتصرة والمسيطرة تستخدم نفس اللغة المشوهة
الجديدة التى دعاها أوريل newspeak والتى طالما فسرها البعض بأنها
لغة الأنظمة الشمولية الاشتراكية وحدها. وتجعل الكذب نبراسها فى
تبرير هيمنتها على العالم وعدوانها علينا. وها هى الوثائق تكشف
لنا هذا الشهر كيف كذبت الولايات المتحدة وبريطانيا على العالم
أجمع فى حملتهما المسعورة لتبرير حربهما العدوانية على العراق.
وأنهما كانتا تدركان أنه ليس لدى العراق أسلحة دمار شامل ــ وأن
أكبر ترسانات أسلحة الدمار الشامل فى المنطقة وهما تعلمان ذلك
وتسكتان عنه لدى الدولة الصهيونية فى فلسطين المحتلة ــ ولكن الكذب
كان مواتيا ومقبولا لتسويغ هذه الحرب العدوانية القذرة، وتمكين
المستعمر الجديد من وضع يده على ثروات العراق النفطية واحتياطيه
الذى يعد ثانى أكبر احتياطى نفطى فى العالم.
حياة أورويل
وبدلا من الاسترسال فى استقصاءات نبوءتها الدالة، أو الدخول فى
شبكة التأويلات المتناقضة لهذه الرواية النبوءة، علينا أن نتعرف
أولا على حياة هذا الكاتب الذى تحتفل بريطانيا هذا الشهر بمئويته.
فقد ولد جورج أرويل ــ واسمه الحقيقى هو إيريك آرثر بلير ــ فى
25 يونيو عام 1903 فى موتيهارى فى البنغال بالهند، حيث كان أبوه
موظفا انجليزيا رسميا فى الهند، فى إدارة مكافحة الأفيون. لكن
أمه سرعان ما عادت به إلى بريطانيا وهو فى الثالثة من عمره، وما
أن بلغ السادسة من عمره حتى ألحقه والده بمدرسة "إيتون" الداخلية
الشهيرة، وهى مدرسة الطبقة الارستوقراطية الانجليزية. ولكنها كانت
تسمح كذلك بقبول أبناء موظفى الإدارة الانجليزية فى المستعمرات
بدخولها حتى ولو كانوا من الشرائح الدنيا فى هذه الطبقة، كى ينشأ
أبناء الأرستوقراطية وهم على وعى مبكر بأهمية المستعمرات كحقيقة
ملموسة فى واقعهم من واجبهم إدارتها. وكان من المأمول أن يدخل
إيريك الشاب جامعة عريقة مثل أكسفورد أو كيمبريدج بعد انتهاء دراسته
الثانوية فى "إيتون"، لكن لا أحد يعرف على وجه اليقين إذا ما كان
انحداره من طبقة متوسطة نسبيا هو الذى حال بينه وبين ذلك، أم أنه
هو الذى فضل الانصراف عن التعليم الجامعى والعمل منذ سن مبكرة.
فما أن أنهى دراسته الثانوية عام 1921 حتى التحق عام 1922 بوظيفة
من وظائف وزارة المستعمرات، هى وظيفة ضابط فى الشرطة الانجليزية
فى بورما، مكنته من أن يعيش حياة أقرب إلى حياة الارستوقراطية
الانجليزية فى المستعمرات. وقد استمر فى هذه الوظيفة لخمس سنوات،
وحتى عام 1927. حينما قادته قراءاته الواسعة، وضيقه بعدم مبالاة
الإدارة الاستعمارية الانجليزية بثقافة بورما وأهلها، إلى التمرد
على ما يتمتع به من امتيازات طبقية لم يعد فى طاقته احتمالها فقدم
استقالته من هذه الوظيفة وعاد إلى بريطانيا للعمل بالصحافة واحتراف
الكتابة.
فوضوى محافظ
وبرغم تمرده على الوضع الاستعمارى الذى خبر تفاصيله الدقيقة بشكل
شخصى ومباشر، ورفضه الواضح لمبدأ أن تفرض ثقافة ما هيمنتها وسلطتها
على ثقافة أخري، ومعرفته الواسعة بالفكر الأشتراكى فى هذا الوقت،
وبمقولاته حول استغلال الإنسان الاقتصادى للإنسان، فإنه لم يعلن
فى شبابه إيمانه بهذا الفكر. بل كان عادة ما يجيب فى فترة شبابه
ككاتب بين عامى 1927 و1934 على سؤال زملائه له "ما هو موقفك؟"
بتعبير شاع عنه وقتها فوضوى محافظ a Tory anarchist . فقد كان
شديد الولع بالحفاظ على فرديته وبالرغبة فى إثبات ذاته ككاتب مستقل.
وقد بدأ أورويل فى كتابة الرواية مباشرة عقب عودته من بورما، ولكن
الرواية التى كتبها فى هذا الوقت المبكر لم تصلنا. وكان يكتب الشعر
والمقالات ومراجعات الكتب فى عدد من الصحف والمجلات. وكانت صدمة
تعرفه على معاناة شعب بورما تحت وطأة الاستعمار الانجليزى من الدوافع
التى تحدوه لاكتشاف حقيقة الوضع الذى تعيشه الطبقة العاملة الانجليزية.
فقرر أن يجرب حياة التشرد ليتعرف حقيقة على الفقر فى مجتمعه. فعاش
بين المشردين والعاطلين على العمل. وجرب بشاعة الاستغلال حينما
عمل فى عدد من المدارس الخاصة وبأجر زهيد. ثم انتقل إلى باريس
مقررا تكريس حياته للكتابة، وكانت باريس كعبة الكتاب الشبان فى
هذا الزمن. ولكنه قصدها مفلسا، وعاش حياة الفقراء فيها أيضا. وعمل
فى غسل الصحون فى المطاعم، وسكن فى أحد أحيائها الفقيرة، وواصل
الكتابة فى هذا المناخ المعتم المثير معا.
حياة الصعلكة
فقد كانت هذه التجربة الباريسية هى التى نتج عنها كتابه الشهير
"التصعلك فى باريس ولندن Down and Out in Paris and London" عام
1933، وأدى نجاح هذا الكتاب النسبى إلى عودة أورويل من جديد إلى
أيام تصعلكه فى بريطانيا، فكتب فى العام التالى كتابا آخر لا يقل
عنه أهمية، وإن لم يحظ بنفس القدر من الشهرة والتقدير هو "الطريق
إلى مرسى ويجان The Road to Wigan Pier" الذى لم يصدر إلا عام
1937. لأن هذا الكتاب الذى يدور فى منطقة الشمال الانجليزى الفقير
حيث تقع "ويجان" إلى الشمال الشرقى من ليفربول ينطوى على وصف دقيق
ومؤثر لحياة الانجليز العاطلين عن العمل فى قلب انجلترا الصناعية،
ولما يعانونه من شظف العيش وتحلل المجتمع من مسؤوليته تجاههم.
كما أنه ينطوى فى فصليه الأخيرين على ما يمكن اعتباره وثيقة مهمة
فى تحول أورويل الفكري. لأنه أضاف إليه فصلا يعلن فيه اعتناقه
للاشتراكية، وينتقد فيه فى الوقت نفسه لامبالاة كثير من الكتاب
والمفكرين الاشتراكيين بقضية الحرية. وفى العام التالى لفراغه
من هذا الكتاب المهم، نشر روايته الأولى "أيام فى بورما Burmese
Days" عام 1935، التى يعدها الكثيرون أهم روايات ما قبل الحرب،
وأكثر رواياته تعبيرا عن نزعته الاشتراكية، بسبب موقفها المناهض
للاستعمار الانجليزى فى بورما، ونقدها الجارح للمارسات الاستعمارية
عامة. وقد جسد فيها تجربته فى بورما ومعرفته الوثيقة بآليات عمل
الآلة الاستعمارية فيها. وتبعها برواية تالية هى "ابنة قس A Clergyman's
Daughter" فى العام نفسه، وثالثة "اهتم بالزنابق Keep the Aspidistra
Flying" عام 1936 يعتبرهما الكثيرون من دارسى أورويل من أعماله
الأقل توفيقا وبصيرة.
الحرب ضد الفاشية
وبعد نشر هذه الرواية الأخيرة انطلق أورويل إلى أسبانيا ليحارب
فى صفوف الفيلق الدولى للمثقفين والكتاب الذين تطوعوا للدفاع عن
الحرية فيها أمام زحف الفاشية واليمين الرجعي، الذى دعمه فى هذا
الوقت للأسف اليمين العربي. وقد تمخضت هذه التجربة عن كتابه الجميل
"تقديرا لكتالونيا Homage to Catalonia" عام 1938. وهو كتاب يعد
من أهم نصوص هذه المرحلة. ليس فقط لأنه استوحاه من تجربة الحرب
الأهلية الأسبانية المأساوية وسجل فيه وقع هذه الحرب على الضمير
الأوروبى ــ فقد استوحى منها همنجواى "لمن تدق الأجراس" ومالرو
"الأمل" وغيرهم كثيرون ــ ولكن أيضا لأنه يعد من أول النصوص التى
طرحت على العقل الأوروبى إشكالية التناقض بين الاشتراكية والحرية،
وموقف المثقف المستقل إزاء الإرث الستالينى فى هذا الوقت المبكر.
فقد انتقد فيه بشدة المحاولات الستالينية للهيمنة لا على الجمهورية
الأسبانية التى كانت تعانى تحت وقع ضربات الفاشية المصمية، ولكن
على اليسار الأوروبى بأكمله. وقد أدت تجربة أورويل المريرة فى
الحرب الأهلية الأسبانية والتى نقرأ تفاصيلها الدقيقة والمستبصرة
فى كتابه الجميل هذا إلى دعوته المناهضة للحرب بشدة إلى الحد الذى
وصفه البعض فيه بالسلبية أو الدعوة للنزعة اللاعنفية Pacifism،
ونعته الآخرون ــ خطأ ــ بالتروتسكية، بسبب هجومه الشديد على قطيعية
المثقفين الاشتراكيين وقبولهم للهيمنة الستالينية. وانضم عام 1938
إلى "حزب العمال المستقل". وهو حزب صغير اتسم بيساريته الواضحة
من ناحية، وبمعارضته الشديدة لكل من "حزب العمال" و"الحزب الشيوعي"
فى بريطانيا وقتها من ناحية أخري. وهذا ما عزز اتهام الكثيرين
له بالتروتسكية.
وفى عام 1939 نشر روايته "بحثا عن نسمة Coming Up for Air" وهى
من الروايات القليلة التى يواصل فيها ميراث ديكنز الواقعى والتى
حظيت بتقدير نقدى واسع. وفى هذا العام اندلعت الحرب العالمية الثانية
بالطبع، وسقطت معها كل دعواته ضد الحرب والدعوة لعدم العنف. لأنه
وهو الذى جعل قضية الحرية نبراسه الهادى فى معمعة الخلافات الفكرية،
سرعان ما أدرك ضرورة الدفاع عن الحرية فى وجه زحف الفاشية الحثيث.
وكرس قلمه للهجوم الضارى على الفاشية والدفاع حتى عن أقل الديموقراطيات
مصداقية. وعمل جاهدا فى مقالاته العديدة والقوية بسبب لغته الانجليزية
المشرقة على فصل النزعة الوطنية عن النعرة القومية التى كانت تستغلها
النظم الفاشية، والإجهاز على أى شكل من أشكال التماهى بين الإثنين.
وتمييز الثورة الاشتراكية التى رأى أنها تتخلق بين الجنود فى الجيش
البريطاني، عن الاستغلال الفاشى لها باسم النعرة القومية. وحاول
أن يبرهن على أن جذور الوطنية تتغلغل بشكل أساسى فى الواقع الاجتماعي،
ولا تتناقض حتى مع أكثر النزعات المحافظة فى المجتمع. وتتجلى هذه
الأفكار بوضوح فى كتابه "الأسد والخرتيت The Lion and the Unicorn"
عام 1941 والذى يضم أهم مقالاته التى كتبها فى مطلع الحرب. وحينما
حاول جورج أورويل الانخراط فى الخدمة العسكرية أثناء الحرب للدفاع
عن بلاده، اكتشف أنه مصاب بداء السل، ولذلك لم يقبل فى الخدمة
العسكرية. فانضم إلى هيئة الإذاعة البريطانية BBC فى إدارة الشرق
الأقصى وعمل بها لمدة عامين قبل الالتحاق بجريدة التربيون Tribune
كمحرر أدبي، بينما كان أنورين بيفان Aneurin Bevan ــ والذى أصبح
فيما بعد وزيرا للخارجية ــ هو رئيس التحرير. وهى الوظيفة التى
تلاءمت مع مواهبه الأدبية وظل يعمل بها، وبجريدة الأوبزيرفر الانجليزية
حتى وفاته.
روايتاه الشهيرتان
وكان أورويل قد خطط قبل بداية الحرب لرواية اجتماعية طويلة من
ثلاثة أجزاء يريد فيها أن يحلل الواقع الاجتماعى الانجليزى وأن
يقدم رؤيته له بصورة تبلور مدى ما فيه من تحلل للنظام القديم،
وبزوغ أنوية التغيير والواقع الجديد تحت إهاب هذا القديم المتهالك
والآيل للسقوط. وكيف خان الكثيرون الثورة الثاوية فى رحم هذا الواقع
وأجلوا تحققها، وكيف يمكن لنظام انجليزى شمولى أن يتخلق لاجهاض
هذا التغيير، وتصوره لطبيعة هذا النظام الشمولى ولخائصه الانجليزية.
ومع أن هذه الخطة الروائية لم يتح لها التحقق بسبب الحرب التى
غيرت أجندة أولويات الكاتب وانشغالاته، وأخذته بعيدا عما أراد
إنجازه، ناهيك عن عبء المرض عليه، فإن شيئا من هذا التصور ألهم
روايته القصيرة الساخرة التى ظهرت عقب الحرب مباشرة "مزرعة الحيوانات"
عام 1945. وهى الرواية التى حققت له شهرة واسعة. وقد دفعه الصدى
الواسع لهذه الرواية القصيرة إلى العكوف على روايته الساخرة التالية
"1984" أو أمثولته الرمزية التى كرست اسمه كواحد من أهم أدباء
القرن العشرين. وقد أكمل أورويل كتابة هذه الرواية عام 1948، فما
كان منه إلا أن عكس الرقمين الأولين فى التاريخ، وجعل هذا التاريخ
المستقبلى عنوانا لروايته التى أثارت، ولا تزال تثير الكثير من
الجدل حتى اليوم.
وسوف نتوقف عند هذه الرواية الخلافية فى المقال القادم بشيء من
التفصيل، ونتعرف بعدها على الدروس التى يمكن علينا استنتاجها من
مسيرة هذا الكاتب، والتى يصلح الكثير منها لواقعنا العربى فى هذا
المنعطف التاريخى فيه عقب سقوط بغداد من جديد فى براثن الاستعمار.
ودخول الشعب العربى فى حالة جمعية من الإحباط الأليم.
د.صبرى
حـافـظ - عرب اونلاين - 3/6/2003