
الهجرة
بالجسد الشرقي
إلى الجسد
الأوروبي
1
يعتقد
الكثير منا
بان الهجرة
إلى أوروبا
هي هجرة لعقولنا
وأفكارنا
التي قمعت
أو اننا تصورنا
أنها ستقمع
فقط، فهاجرنا
للحفاظ عليها
من التلف بوصفها
الثروة المادية
الوحيدة التي
نمتلكها..
في حين
فكرة الهجرة
المادية هي
إنقاذ الجسد
بوصفه حاملا
للعقل وللفكر
من التلف والقتل،
ومعنى هجرة
الجسد تضفي
على فكرة الهجرة
طابعا اشمل
من هجرة العقول
دون الجسد،
والقلة من
دوائر الغرب
تتعامل معك
في البداية
تعاملا فكريا
باعتبارك
موهبة أو مثقفا
أو تكنوقراطيا،
وأول ما تحدد
العلاقة معك
تكون عن طريق
تعرفها على
جسدك، فتدخلك
غرفة تتعرى
فيها من أشياء
كثيرة تلبسها،
ثم تعري بيديك
حقيبتك وملحقاتها،
ويغور التعري
لاحقا إلى
طريقة انتقال
جسدك فيها
من بلدك إلى
بلد اللجوء
وما هي الوسائل
التي استقلها
الجسد وما
هي كمية النقود
التي دفعتها
للمهربين
ومن هم،ثم
يتعمق التعري
إلى فكرك ولسانك
ومبادئك وتصوراتك،
وطرق تعاملك
وهويتك ودينك
وسكنك وأرقام
الزقاق وموقع
البيت والشارع
وأية علامة
سيميائية
مرشدة عليك،
ثم تتعرى عن
ذاكرتك وأصدقائك
والحكاية
التي دبجت
حروفها، والكيفية
التي واجه
بها جسدك الظلم
والتعذيب
والسجن، وتتعرى
أكثر عن الوسائل
التي دفعت
بك وبغيرك
إلى الهجرة.
في سياق
التعري للجسد،
يكون ثمة وضوح
كامل من أن
تعرية الجسد
أمام المحققين
تعني التعرف
على أزياء
الجسد، وهنا
يكمن بيت القصيد،
ثمة هوية تمنحك
إليها الملابس
والأزياء،
فهل أنت شرقي
آسيوي أم أفريقي
أم من أميركا
اللاتينية،
أم من شرق أوروبا،
أم من دول الشرق
الأقصى..؟ وهكذا
تصبح الأزياء
إلى جوار اللغة
وإلى جوار
الوثائق،
مادة لتصنيف
الجسد والتعرف
عليه وعلى
تقاليده وعاداته،
كي يمكنهم
الدخول لاحقا
إلى عقلك وفكرك
الذي لا تزال
تحتفظ به دون
أن يتعرفوا
عليه بالكامل
بعد.
2
لن تُمنح
أية فرصة لطرح
مشروعك وتفكيرك
وشهادتك،
فمثل هذه المناطق
من الجسد لا
يتعاملون
بها معك من
البداية،
حتى لو عرفوك،
أو تعرفوا
عليك، أو أوصت
جهة ما بك عندهم..
كل شيء مؤجل،
أنك تدخل من
أول يوم وصولك
إلى محفة النظام
المؤطر بالقوانين
والقواعد،
اذكر أن أول
يوم لي في كمب
اللجوء في
هولندا منحت
كغيري 30 خلدن،اعتبرتها
منحة مؤقتة،فصرفتها
كلها وأنا
في الكمب،
اشتريت بها
سندويجات
لي ولأفارقة
كانوا قد وصلوا
للتو واشتريت
شفرة حلاقة
ومنشفة، ولما
قابلت المسؤول
الذي استقبلني
قلت له أن نقودي
قد صرفتها
كلها، رد علي
وهو يبتسم
قائلا: لقد
صرفت نقوك
المخصصة لمدة
أسبوع ، ولكن
لا عليك أن
تنتظر مواعيد
الأكل كي تحافظ
على رشاقتك..
تأطير الجسد
بالقوانين
هي المحطة
الأكثر فاعلية
في ضبط أية
مشاعر وثورات
داخلية للجسد.
ففي أعماق
بنية أجسادنا
الشرقية تكمن
ظاهرة اللامبالاة،
تلك الظاهرة
التي نفرط
في ضوئها بأجسادنا
ونعرضها للنهب
المستمر سواء
وقع ذلك تحت
نظرنا أم بدونها،
هذه الشرقنة
المتأصلة
بنية جسدية
عبثية وغير
ممنهجة وتحتاج
إلى نظام تعليمي
ومعرفي كي
يضبط مفرداتها
ويسيرها بالوجهة
الصحيحة.. وأول
هذا الضبط
يأتي عن طريق
نظم الغذاء
ومادته وكميته
وكيفية الطهي
اللازمة له.نحن
نجهل معرفة
الجسد، خاصة
أجسادنا الشخصية
عبر جهلنا
بحاجاته الغذائية،
وبما يكفيه،
وبالطريقة
التي نتعرف
عليها به.. وأول
مبادئ المعرفة
التي تلقنها
المدرسة للطفل،
أنه عليه أن
لا يخجل من
جسده، وأنه
هو هذا الذي
سيبني فيه
قدراته، مهما
كان هذا الجسد
سليما أم معوقا،
كل جسد له قدراته
الكبيرة ومنطلقاته
التي لا حدود
لها، وقد فسحت
نظم التعليم
له مكانة لأن
تمكنه من أن
يكون جديرا
بالاسم الذي
يحمله، معرفة
الجسد كانت
أولى طرق أرسطو
بمبدأ أعرف
نفسك، وهي
طريقة فلسفية
تبدأ من الكلام
لتنتهي بمعرفة
تفاصيل وبنية
العقل.
3
أول
سؤال يواجهك
هو كيف تدخل
بجسدك الشرقي
إلى الجسد
الأوروبي؟
هنا تبدأ أولى
مشكلات الهجرة،
ولن تنتهي
بسهولة إذ
ستبقى متعلقات
كثيرة من جسدك
الشرقي دون
تغيير، وستدخل
متعلقات كثيرة
من الجسد الغربي
إليك دون استئذان،
وثمة صراع
جدلي ينشأ
داخل جسدك
الشرقي بوصفه
مستقبلا للجديد
وبقابلية
يمكنها أن
تنفتح على
التجريب..لكن
ذلك لم يتم
بسهولة.
وهنا
تبدأ أولى
رحلات العري
العميقة للجسد
المهاجر،
وهو أن يفحصوه
بالكامل ويدونوا
كل مرض فيه
وصحة، ويسجلوا
معلومات جسدك
في أرشيف الإنسانية
العريض، ثم
يعمموه على
مستشفيات
ودوائر أوروبية
كثيرة، بحيث
أينما تذهب
يمكنك أن تعالج
مرضك، وقد
يمتنع البعض
من تعميم خصوصيته
الجسد، وحتى
هذه الناحية
الإنسانية
يطلبون منك
الموافقة
من عدمها.. الآن
كل شيء داخلي
ومكون لجسدك
أصبح مدونا،
ومعروفا،
ومشخصا، وموصوفا..
فثمة سجل كامل
لجسدك وأرشيف
محدد بالأدوية
والعلاجات،
وسجل بعدد
المرات التي
راجعت فيها
الأطباء أيضا،فلا
شيء مخفي عن
الطب، فكل
شيء مؤمن بما
فيه جسدك الذي
تدفع شهريا
لتأمينه الصحي
ما يوازي راتبا
لمدرس التعليم
الثانوي قبل
2003.
والمرحلة
الثانية،
تبدأ بعد تعريف
الجسد فيزيولوجيا
ونفسيا وتشريحيا،
هو تحويله
إلى علامة،
لا يستدل عليها
من اسمك الذي
يحمله آلاف
الناس، وإنما
من خصوصيته،
حيث يؤرشف
بالعمر وتاريخ
الميلاد وبنوعية
الدم وبنوعية
العينة النووية.
4
ومع
ذلك لا يمكن
التعرف كليا
على جسدك الشرقي،
بالطريقة
التي يتعرفون
بها على الجسد
الغربي، ثمة
فارق كبير
بين " التعريفين"
وإن كانوا
يستخدمون
الوسائل نفسها،
ففي حال الجسد
الغربي ثمة
مدونات تاريخية
كثيرة تعينهم
على التعرف
العميق عليه،
بينما أنت
وجسدك وكل
ما يتعلق بك
مجهولا.. هذا
العالم الغامض
السري والمغلق،
هو فضاء مجهول
لسعته.. فعندما
تدخل ميدان
المجتمع وهو
ميدان واسع
وعريض ومربك
وغامض، لن
يستطيع جسدك
الشرقي أن
يكون متميزا
ولا حتى منسجما
مع طبيعة وتركيب
وثقافة الجسد
الغربي، ثمة
فواصل كبيرة
تفصلك عنهم،
حتى لو كنت
عضوا مميزا
في فريق رياضي
لكرة القدم.
هذه
البنية الغامضة
للجسد الشرقي
يمكن تعميمها
على كل جسد
إنساني، لكن
ما نعنيه بالغموض
هنا هو البنية
غير القابلة
للتغيير،
والتي هي الأكثر
محافظة على
القديم فيها
بحكم تحكم
العادة والتقاليد
كي تمنه من
التغيير ودخول
ميادين المعرفة
الغربية،
ويطرح عليك
الأطباء طرق
سهلة للإندماج
الجسد الشرقي
بالجسد الاجتماعي
الغربي، ومنها
على سبيل المثال
لا التحديد؛
المشي، والركض،
والرقص، والرياضة،
والأكل، والزي،
والنوم واليقظة،
والعمل، والجلوس،
كل هذه المفردات
الشائعة بإمكانها
أن تغيرنا،
ولكن الكثير
منا يعتبرها
مغايرة لسياق
أجسادنا،
عندئذ ندعي
أن أجسادنا
جزء من هويتنا،
عندئذ لا نقبل
أن يستلب الجسد/
الهوية منا.
ياسين
النصير / ناقد
من العراق