سأم
باريس

من منا لم يحلم في لحظات
الطموح، بمعجزة نثر شعري موسيقي، بلا وزن ولا قافية، طيٌع
ومتقطع بما يكفي ليتوافق مع الاختلاجات الغنائية للروح، وتموجات
الأحلام، وقفزات الوعي المفاجئة.
هذا الحلم سبق أن داعب
خيال الشاعر الفرنسي الشهير شارل بودلير في أربعينيات القرن
التاسع عشر عندما بدأ بكتابة القصائد النثرية. تجربة بودلير
المتفردة الضخمة تكتسب في هذا السياق أهمية متزايدة، ليس لأنه
أحد الآباء الكبار للحداثة أو لقصيدة النثر فقط، بل لأن تجربته
عبرت عن المدينة الكبيرة، على نحو بالغ الرهافة والنفاذ، وبالتالي
عن مرحلة صعود الرأسمالية بعنف وقسوة، وهي تزيح الأبنية القديمة
وتهدمها لتشيد مكانها مدينة الرأسمالية والزحام والإنتاج والعمل
والاستغلال والفقر والسأم كما عبر بودلير في ديوانه الشهير
"سأم باريس".
ذات يوم، عرّف "بودلير"
الفن - في صيغة مدهشة - بأنه سحر إيمائي يحتوي الشيء والموضوع
في آن واحد، العالمَ الخارجيَّ للفنان والفنانَ نفسه. يمكن
تطبيق هذه الصيغة على القصائد النثرية الصغيرة في "سأم باريس"،
بل ربما نجد فيها تأكيداً أشد على الشعور بالانصهار وبالتطابق
بين الشيء والموضوع، وقصيدته النثرية التي تحمل عنوان: "صلاة
اعتراف الفنان" Le Confiteor de l`Artiste ، تؤكد هذا الشعور:
صلاة اعتراف الفنان
آه ! يا لنهايات أيام
الخريف النافذة فينا ! النافذة فينا حتى الألم ! لأن ثمة بعض
الأحاسيس اللذيذة، التي لا يحول غموضها دون حدتها؛ وما من
نصلٍ أمضى من نصلِ السرمدية.
ما من متعةٍ أعظم من
متعةِ أن يُغرق المرء نظره في رحِابِ السماء والبحر ! أيتها
الوحدة، أيها الصمت، يا عِفة اللازورد الفريدة ! في الأفق
شراع صغير مرتعش ومنعزل يحاكي وجودي الذي لا دواء له، ولحن
رتيب التموج؛ كل هذه الأشياء تفكر من خلالي وأنا أفكر من خلالها
( لأن الأنا تذوب سريعاً في عظمة حلم اليقظة ! )؛ أقول بأنها
تفكر، ولكن على نحوٍ موسيقي رائع، بدون حجة بالغة الدقة، أو
قياسات منطقية، أو استنتاجات.
بيد أن هذه الأفكار
التي أفكر بها أو التي تنطلق من الأشياء، سرعان ما تصبح محتدة
احتداداً شديداً. تسبب الطاقة في النشوة ضيقاً وألماً موضوعياً.
تؤلمني أعصابي الشديدة التوتر التي لم تعد تصدر إلا اهتزازات
غير متناغمة.
والآن، يذهلني عمق السماء،
وتغيظني نقاوتها. يصدمني عدم إحساس البحر وثبات المشهد...
آه ! هل ينبغي أن نتألم إلى الأبد، أم نهرب من الجمال دائماً
؟
أيتها الطبيعة، يا فاتنة
القلوب بلا رحمة، يا غريمة منتصرة دوماً، دعيني وشأني ! كفي
عن استثارة رغباتي وكبريائي ! فدراسة الجمال مبارزة، يصرخ
فيها الفنان رعباً قبل أن يُهزم.
وفي قلب الحشد المتنوع
في أشكاله، يحس الشاعر بشخصيته تتضاعف، وهو ثمل من "المشاركة
الكونية"، وتصبح روحه المنبسطة روحا جمعية تبكي، تتأمل وتتنبأ.
وعلى نحو متبادل، فعندما يعبر عن شخصيته الخاصة، وصداماته
وشكوكه، ومتطلباته المتناقضة، فإنه يعبر عن الروح الحديثة
بكل تعقيدها، كما صاغتها الحياة المحمومة اللاهثة والمصطنعة
للعاصمة، فيعبر عن ذلك في قصيدتي: "الحشد"Les Foules ، و"الوحدة"
La Solitude :
الحشد
من غير الممكن أن يستحم
أي شخص في حشد من الناس: إن التمتع بالزحام فن؛ من يستطيع
أن يعربد عربدة حيوية على نفقة الجنس البشري، هو فقط من نفخت
فيه جنية في مهده نفخة تذوق التنكر والقناع، وكراهية البيت،
وحب السفر.
الحَشدٌ والوحدة: مصطلحان
متعادلان، وقابلان للتبدل بالنسبة إلى الشاعر المجتهد والخصب.
من لا يعرف كيف يُسكن وحدته، لا يعرف أيضاً أن يكون وحيداً
وسط حشد منهمكٍ بأشغاله.
يتمتع الشاعر بهذا الامتياز
المنقطع النظير، في أن يكون كما يشاء هو نفسه والآخر. يجسد
متى يشاء شخصية أي شخص كان، كتلك الأرواح التائهة الباحثة
عن جسد. بالنسبة إليه وحده، كلُّ شيءٍ فارغٌ؛ وإذا بدت له
بعض الأماكن مغلقة، فلأنها لا تستحق في نظره أن تزار.
يثمل المتنزّهُ الوحيد
والمتأمل ثمالةً فريدة من هذه المشاركة الكونية. من ينسجم
بسهولة مع الحشد يعرف المتع المحمومة التي يُحرم منها الأناني،
المنغلق على نفسه كصندوق، والكسول المحبوس كمحارة. يتبنى كل
المهن والأفراح وأشكال البؤس وفق الظروف المتاحة له وكأنها
تخصه وحده.
ما يسميه الناس حباً
هو شيءٌ صغيرٌ ومحدود وضعيف جداً، مقارنةً بهذا الفجور الفائق
الوصف، للروح التي تهب نفسها كلياً- شعراً وإحساناً- للطارئ
الذي يتجلى، وللمجهول الذي يمر.
يستحسن أحياناً إعلام
سعداء هذا العالم، بأن ثمة سعادة أكبر وأفسح وأرفع من سعادتهم،
حتى ولو كان ذلك لتحقير كبريائهم التافه للحظة واحدة. إن مؤسسي
المستعمرات، ورعاة الشعوب، والمبشرين المنفيين من رجال الدين
في أقصى العالم، قد يعرفون شيئاً ما عن هذه الثمالة الغامضة؛
قد يضحكون أحياناً في حضن العائلة الكبيرة التي صنعتها عبقريتهم
من هؤلاء الذين يشفقون عليهم لحظهم المضطرب ولحياتهم العفيفة
جداً.
الوحدة
قال لي ناشر صحيفة محب
للبشر بأن الوحدة مضرة بالإنسان، وليدعم أطروحته، راح يستشهد
بأقوال آباء الكنيسة، كما يفعل جميع المتشككين.
أعلمُ أن الشيطان يتردد
بطيبة خاطر على الأماكن القاحلة، وأن روح القتل والشبقية تحتدم
احتداماً عجيباً في الوحدة. قد تكون هذه الوحدة خطرة فقط على
النفس التائهة والعاطلة عن العمل، التي تُسكن الوحدة بأهوائها
وأوهامُها.
من المؤكد أن ثرثاراً
- متعته الفائقة هي أن يخطب من منصة عالية أو منبر- قد يكون
عرضة للجنون في جزيرة روبنسون. لا أطالب هذا الناشر بأن يتحلى
بفضائل كروزو الشجاعة، لكنني أطلب منه أن لا يصدر حكماً على
عشاق الوحدة والأسرار.
في جنسنا البشري، هناك
أفراد قد يقبلون عقوبة الإعدام بقليلٍ من النفور، لو سُمح
لهم أن يخطبوا في الجماهير بإسهاب من أعلى منصة الإعدام، غير
خائفين من أن خطبتهم ستقطعها في وقت غير مناسب طبول سانتّر((1)
?????? ????? ??????(1752-1809 :(????? ?????? ???? ?????
??????? ???????? ?????? ???? ??? ?? ????? ???????? ?? ???
1792. ????? ????? ????? ??????? ?????? ????? ?????? ???
10 ?? ??? 1792? ???? ?????? ??? ??????? ???????? ???? ?????
???? ?????? ??? ??? ????? ???????.1).
أنا لا أشفق عليهم،
لأنني أشعر بأن حماستهم الخطابية تعطيهم نشوة تعادل النشوة
التي يجنيها الآخرون من الصمت والتأمل؛ لكنني أحتقرهم.
أودُّ بالأخص أن يتركني
هذا الناشر اللعين ألهو على طريقتي. يقول لي بنبرة رسُوليّة
خناء: "ألا تشعر مرة بالحاجة إلى مشاطرة الآخرين ملذاتك؟"
انظروا إلى هذا الحسود الحذق! إنه يعلم أنني أمقت ملذاته،
وها هو يتدخل في ملذّاتي! يا له من قبيح مُنغِّص !
قال لابرويير((2) ???
?? ????????(1645-1696): ????????. ???? ??????? ???? ??????
"???????"? ???? ??? ???? ??????? ?? ????? ????? ?????? ???.?
2) في مكان ما: "إنَّ
عدم قدرتنا على أن نكون وحيدين لشقاء كبير..."، وكأنه يفضح
كل أولئك الذين يحاولون أن ينسوا أنفسهم في الحشد، وهم يخافون
على الأرجح من عجزهم عن تحمل أنفسهم. ويقول حكيم آخر، إنه
باسكال على ما أعتقد: " سبب كل شقائنا تقريباً عدم قدرتنا
على البقاء في غرفتنا"، وهو بذلك، يدعو للرجوع إلى صومعة التأمل،
كل أولئك المذعورين الذين يبحثون عن السعادة في الحركة، وفي
فجور أستطيع أن أسمّيه أخوية، إذا أردتُ أن أتحدث بلغة عصري
الجميلة.
ترجمة وإعداد: رجاء الشلبي