تأنيث القصيدة والقارئ المختلف

"تأنيث القصيدة والقارئ المختلف" كتاب من القطع المتوسط ومؤلفه الدكتور عبد الله محمد الغذامي، ويقع فى 202 صفحة بخلاف صفحة الفهرس وقائمة المراجع، يضم قسمين الأول يتناول التأنيث، ويحتوى العناوين التالية: تأنيث القصيدة، قراءة القصيدة الحرة، الشعر إذا لم يكن خطابا فى التأنيث، وهل الرواية رجل ابيض؟ أما القسم الثانى فيتناول: القارئ المختلف ويحوى العناوين الآتية: المعنى فى بطن القارئ، رحلة المعنى من بطن الشاعر الى بطن القارئ، القارئ المختلف، الأعمى هو الأبصر (طه حسين سيد المعاني)، وما بعد الادونيسية (شهوة الأصل). صدر فى طبعته الأولى عام 1999م عن المركز الثقافى العربي، الدار البيضاء/بيروت.
يقول المؤلف فى توطئة كتابه "فى هذه الدراسات سعى الى استكشاف آفاق الخطاب المضمرة (المهمشة) التى تقبع بعيدا وعميقا هناك تحت اطمار المتن ومن وراء أقنعة البليغ الفحولي.

والكتاب من قسمين أولهما عن "التأنيث"، والآخر عن "القارئ المختلف" وعن رحلة المعنى من بطن الشاعر الى بطن القارئ، وهو جزء من مشروع همه الحفر عن الأنساق الثقافية متوسلا بمنطلقات "النقد الثقافي" وطامحا الى تطوير فاعلية النقد من كونه أدبيا جماليا الى كونه نسقيا ثقافيا، هو مطمح لنقلة نوعية من "نقد النصوص" الى "نقد الأنساق" وقراءة النص الأدبى لا بوصفه حدثا أدبيا فحسب، وإنما بوصفه حدثا ثقافيا كذلك".

الاختراق الأنثوى

هل يجوز لنا القول بان "الفتح الشعرى الحديث قد تم على يد امرأة" إذ نقر نحن معشر النساء وبهذا ونسعد له ونفخر به، ومعنا فى ذلك المؤلف حيث يقول: "من الواضح ان القصيدة التفعيلية قد ولدت أنثى فى حضن ماما نازك ونصوص "الكوليرا"، و"الخيط المشدود الى شجرة السرو"، و"ثلاث مرات لأمي" كانت الانطلاقة الأولى فى مشروع التأنيث الذى صار بها وبعدها علامة إبداعية فى شعر نازك الملائكة. كان الأمر جليا ومحسوما منذ البدء عند نازك، فانه لم يحدث لدى شاكر السياب إلا بعد تدرج بطيء وغير هين"..
فهناك وعلى الطرف الآخر من يقول من معشر الرجال "فى هذا المجال تقوم الملائكة بدور المربية الناصحة، والموجهة اكثر مما تقوم بدور الناقدة" ويسترسل فى الكتابة ليقول بشيء من التنبيه والتشديد فى موضع آخر "إن نازك الملائكة كانت المجددة الأولى فى حركة الشعر الحر مع السياب طبعا"(1)وضعوا خطا تحتها.
لماذا الكتابة بهذا الأسلوب الساخر، المؤكد أن نازك ليست وحدها المجددة لحركة الشعر، نعم هم يعترفون ويقرون بفضلها فى التجديد ولكن مع النقصان فيه فيذكرون "إن تجديد نازك الملائكة يأتى طبيعيا فى تطوره انطلاقا من تجديدات المبكرين من الشعراء، أما تجديدات غيرها من الشعراء الحديثين، فهى تنفصل عن هذه المراجع لإنتاج شكل جديد وعلاقات إيقاعية مغايرة"(2). وهناك كاتب آخر يقول بشيء من السخرية والترفع "تمضى نازك الملائكة منقبة فى الشعر العالمى ومثقفة نفسها، حتى لكأنها تريد ان تهيء لنفسها لقمة لا ينازعها فيها أحد"(3).

ان الرجل الفحل بهذا القول يستنكر للمرأة حقها فى تجديدها للشعر فتارة يسخر منها، وتارة أخرى لا ينسب لها الحق إلا بمساندة الرجل الفحل. فهل هذه هى فحولة الشرق التى ما زالت مستأصلة فى أعماق الرجل الشرقي، وسعادته بان تئن المرأة تحت موطأ قدمه، ولا تعلو عليه ابدأ.

أنسنة لغة الشعر

فى كل مرة اقرأ فيها للدكتور عبد الله الغذامى استشعر انه يقترح موضوعة جادة للمناقشة ويجاهد ويجتهد لأجل إظهارها وتبيانها، وهنا فى هذا الجزء قراءة فى القصيدة الحرة يحاول فتح باب جديد من قلعة الثقافة المترامية الأطراف يستخدم كل أدواته، لكى يكون هذا الباب واسعا بهيا وجميلا أيضا حيث قدم فى هذه القراءة إجابة عن سؤال مغفل عنه، سؤال مادته حية تقبل المخاتلة والمراوغة، هو السؤال الثقافى حيث أن السؤال الأدبى قد اشبع بحثا ودراسة.
وبذلك يتناول المؤلف قصيدة التفعيلة بوصفها حادثة ثقافية وليست حادثة أدبية، وبوصفها تحولا فى النسق الذهنى لرؤية الذات لذاتها، ولتقلبات الفعل الثقافى ضد انساقه أو من أجلها حيث توصل الى نتيجة مؤداها: "إن ما جرى فى نهاية الأربعينيات من فتح شعرى هو حادثة ثقافية لها دلالاتها الحضارية، وحدوث الفعل بيد امرأة شابة أولا كان يحمل دلالاته الرمزية التى تتجه نحو كسر عمود الفحولة شكلا وثم مضمونا، مما أسس لنسق شعرى جديد يقوم على تأنيث الخطاب الشعري، ودخول العنصر النسائى فى إبداع الشعر والتأسيس له وفى التنظير للخطاب الإبداعى أثمر عن فتح ثقافى كبير جاءت بعده طوابير النساء المبدعات فى فن هو فى الأصل فن الفحول، وكان دور المرأة فيه هامشيا وثانويا، ولكن الحدث هذا نتج عنه شاعرات مبدعات فى عقود قليلة وهو رقم لا يقارن به أى رقم فى قرون الشعر العمودى كلها. وفى مقابل شاعرة واحدة وحيدة هى الخنساء ومعها بعض مقطوعات معدودة جاءنا جيل بعد جيل من نساء الشعر ومبدعاته وهذا لم يتحقق ولم يكن يتحقق لو ظل النسق الفحولى هو الأصل الإبداعى فى الشعر".

الأنوثة المقموعة والفحولة المطلقة

من البديهى والبديهى جدا أن لا نضع اللوم على فحولة الشعر إذا كانت الفحولة تكتسى كل شيء حتى الجمادات، فمن يمتلك القوة والحزم والصرامة هو فحل رجل، ومن يتسم بالضعف والتدنى هى الأنثى المرأة، وهذه مسألة تمت مناقشتها ولم يتم الحسم فيها، وبذلك نحن سندعها للزمان الذى لن يحسم فيها وربما الى الأبد.
دائما الأنثى مقموعة فى كل شيء فما بالك الشعر الذى هو بوح بالشعور الداخلى والأحاسيس المكنونة داخل النفس المرهفة، وعلى الأنثى أن تكون صامتة صموتة، إلا إن تقول شعرا يمجد القبيلة والعشيرة، أو شعرا تحريضيا حماسيا، أو شعر رثاء وبكاء، فماذا لها غير ذلك؟ وتكتسى هذه الصفات عصر ما قبل الإسلام، فيما تلاشت فى عصر الإسلام حيث انشغل الناس بظهور معجزة كلامية اشد وقعا من الشعر ــ ألا وهى القرآن الكريم ــ الى عصر الدولتين الأموية والعباسية أكثرها فى حضارة الأخيرة التى جعلت من الشعر روح الحضارة التى تحركها وتقدمها الى الأمام.
الحكاية اكتشاف أنثوى
إن المؤلف يعيرنا ذهنه لنتخيل ونفهم به، يجعلنا ندخل معه لعوالم لم نألفها من قبل، فهو يعتمد على التأويلات الخطابية والذاتية ليكشف لنا عن ماهية الخطاب الثقافى الفحولى عبر أزمنته الطويلة، فها هو يثير فينا قضية أخرى ويركز على أشياء صغيرة لم تكن لتلفت أنظارنا، أو تجعلنا نضعها محط نقد.
فبأسلوبه المتناسق يقنعنا بان اصدق الأدلة على ان الحكاية اكتشاف أنثوى هو "ألف ليلة وليلة"، غير أن التحولات الفكرية والحضارية المتنامية جعلت منها اكتشافاً فحولياً، وعندما جاء الرجل الأبيض ليمد يده الى مملكة الحكى ويبتكر فن الرواية ويحولها من الحكى الشفاهى والفطرية الى التدوين والكتابة، ومن الجماعية الى الفردية.
كما نقرأ فى معظم الروايات أنها تسعى الى تساقط دموع القارئات الانثويات حزنا على الرجال، أى ان المرأة عندما تقرأ تقرأ لأجل الرجل وبعيونه وتبكى عليه.
ويورد لنا المؤلف حادثة ثقافية يقول إنها مشابهة لحادثة كسر عمود الذكورة فى الشعر على يد نازك الملائكة وهى حادثة تهشيم المركزيات الثلاثة: السرد، المعني، القراءة فى المشروع الكتابى لرجاء العالم فى روايتها المسماة "أربعة/صفر" حيث قلبت عالم الرواية رأسا على عقب بان أصدرت هذه الرواية التى لا تحمل عنوانا ولا اسم مؤلفها ولا دار نشر، كتاب لا يتصف بصفات الكتب المعتادة والمسماة بالروايات انها تبدأ من النهاية حيث تكون النهاية الروائية صفرا.
كما يقول عنها المؤلف: "إن رواية أربعة/صفر نص ليس للقراءة ــ كما نعرفه ــ ليس ممتعا وليس سهلا وليس جليا".
انه نص معقد وغامض وملغز ــ بالتعمد والقصد ــ قصد اللامقروئية، وأنت لا تقرأ هذا النص للقراءة والفهم والاستمتاع وان طلبته لذلك فلن تجد بغيتك.
إذا كان الأمر كذلك فإننا سوف نبتعد قدر الإمكان عن مثل هذه النصوص، فإذا كان الشعر العربى تقبل كسر نازك لعمود الشعر باتجاهها نحو السهولة فى العرض فإنه لا يتقبل التعقيد والترميز فى الفن الروائى ذلك الفن السردى المعقد.
القارئ العنيد
تستدعى ذاكرتى فى هذه اللحظات "قراءة القسم الثانى من الكتاب" مصطلحاً كثر استعماله فى الآونة الأخيرة فى بحوث الاتصال بعد فقدان نظرية الطلقة السحرية أو الحقنة تحت الجلد لمفعولها الشديد على الجماهير الحديثة، مصطلح "الجمهور العنيد"(4).
نعم فبعد هذا التطور والانفتاح على العالم لم يعد الفرد داخل جماعته يعتمد على تصديق وتقبل كل ما يبث إليه، بل صار ينتقى ويختار ما يشاء حسب خلفيته المعرفية والمعطيات المتوفرة له حول مختلف المواضيع.
وبذلك انهار ما يسمى بالمعنى فى بطن الشاعر، ولم يعد الشاعر ذاتا طاغية، بل تحول الإمبراطور الأوحد الى فرد من الشعب، وصار صوتا فى أصوات، وصار رقما فى كشوف تاريخية لا نهائية وبقى الصمت والسخرية والانتهاك والمعنى فى بطن القارئ.

ألا يوجد جمل بازل آخر؟

عندما قرأت هذا الفصل "رحلة المعنى من بطن الشاعر الى بطن القارئ" وكان افتتاحه بقوله الفرزدق الشهيرة "كان الشعر جملا بازلا عظيما فنحر، فجاء امرؤ القيس فاخذ رأسه، وعمرو بن كلثوم سنامه، وزهير كاهله، والأعشى والنابغة فخذيه، وطرفه ولبيد كركرته، ولم يبق إلا الذراع والبطن فتوزعناهما بيننا".
خمنت بعقلى لماذا يقول أصحاب الثقافات والنقاد قولهم الذى اختزله صديق الكتابة أحد النقاد الليبيين بأننا "لن نبدع جديدا فى أى من مجالات الثقافة والأدب، وإنما الذى نقوم به إنما هو اجترار لإبداعات سابقة، فلم يدع لنا الأولون إلا اجترار ما كتبوا وما قالوا.." إذا علينا نحن الاجتهاد فى توسيع دائرة هذا الاجترار وحسب.
فكلما حاولت أن ابتكر أو أبدع أواجه بمثل هذا الكلام فالعرب السابقون استخدموا كل المعانى والمفردات فى صورها المختلفة، ولم يبقوا لنا على شيء سوى تحليل وتفكيك نصوصهم ومن ثم إعادة بنائها وردها للأصل، ولا أستطيع أن أضيف جديدا على ما قاله المؤلف: "إن المعنى قيمة حرة، وبما انه كذلك فانه يعرف طرقه الخاصة ومسالكه الدقيقة التى تجعله يسير ويشرد بما انه قول سائر وكلمة شرود أعنى مثلا سائرا ومثلا شرودا لا يقوى بطن الشاعر على حبسه ومنعه وبطن القاريء أولى به ولا شك".

فضاءات المرآة المهشمة

وفى جزئية جديدة يطرح المؤلف قصة علاقة القارئ بالنص بعيدا عن مؤلفه الذى قد مات، حيث تمكن ذلك القارئ من مساحة النص بوصفه فارسا يعرض رمحه بلا منازع، مما جعل الأسئلة حول الفارس الجديد تتوارد وتتواتر، كما انه تناول عرض القارئ بوصفه طفيليا على النص انه مضيف له، فالعيون تتوارد على النص مثلما تتوارد الإبل على حوض الماء، فتختلط الأنفاس وتتعاقب الأجيال ويتساوى الطفيلى والضيف مع المضيف والطعام، وكل قراءة هى بمثابة مرآة متعددة الوجوه، حيث يعاود الآخرون الظهور فى زاوية من زوايا هذا الفضاء المرآوي، وحيث تتداخل الانعكاسات والتبادلات مع تطور القراءة الى قراءات ومواجهات تشكل حالات تحققها، ولكن هذه المرآة المتعددة الوجوه ليست مرآة سليمة، انها مرآة مهشمة، ومن هنا فإن الآخرين يتكسرون شظايا داخل هذه المرآة، وهذا ما يجعلهم يتبدلون ويتغيرون بمجرد دخولهم فى هذا العالم المتشظي.

سيد المعانى ــ الأعمى هو الأبصر

يستقرئ المؤلف فى هذه السطور مؤلف طه حسين "مرآة الضمير الحديث" حيث يقول عنه: "انه كتاب يكشف عن النسق اللابصرى واللامجازى لدى طه حسين، حيث تأتى "المرآة" "بيد" "الأعمي" لا بوصفها مجازا ولكنها قيمة دلالية خاصة جدا، وذات علاقة وثيقة بكون الكاتب أعمي، ومن هنا فان وجود المرآة بيده ينطوى على معنى خاص، وعلى حكمة ذاتية عميقة من حيث ان الأعمى ــ هنا ــ هو الأبصر وهى مقولة عميقة مخبوءة فى خطاب العميد توسل إليها بالذات الحكيمة والأداة السحرية".
وانا بدورى لا أملك تعليقا على هذا القول سوى قول الله العزيز الحكيم فى سورة فاطر "وما يستوى الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور (21).".

نخبوية اصطناعية

يتحدث المؤلف تحت عنوان "ما بعد الادونيسية: شهوة الأصل". عن أدونيس وتأصيله لنفسه وحداثته، وان هذه الحداثة تأخذ أسباب بقائها وقبولها عبر انتمائها وتأصلها، وهو تأصل لا تملكه الحقول الأخري، لأنه لا توجد فى الجاهلية أصول اقتصادية وفكرية وسياسية أى أنها سياقات منبتة وبلا جذور.
إن أدونيس يقتدى بأبى تمام ذلك الشاعر المأخوذ بمهمته، لا بإبداعه فحسب، حيث نجح الأخير فى تأصيل نفسه وشعره فى ثقافة الأمة ومن الواضح ان أدونيس ــ خاصة ــ يسعى إليه، ولذا جاءت عنده "شهوة الأصل"، وتجلت فى أفعاله وتنظيراته لانه ليس مبدعا فحسب، ولكنه منظر سعى الى غرس شجرته الخاصة وسط بستان الشعر العربي، إنه مسعى لكتابة تاريخ "ما بعد الأدونيسية" وتوجيه مصيرها الى مرحلة تتلوها وتبقى فيها التجربة مقبولة ومحبوبة وليست ضليلة وباطلة.


1- شربل داغر، الشعرية العربية الحديثة ــ تحليل نصي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، بيروت، 1988ف، ط الأولي، ص 42.

2- المرجع السابق، ص 59.

3- احمد كمال زكي، دراسات فى النقد الأدبي، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1980 ف، ص 251.
4ــ الاتصال ونظرياته المعاصرة، حسن عماد مكاوي، ليلى حسن السيد، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط الأولي، 1998ف.

 

ابتسام اغفير - عرب اون لاين


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri