... الشاعر والمدينة ...

أسئلة وتأملات

حين صعد الشاعر الفرنسي «بودلير» الى أعلى هضبة «مونمارتر» في باريس كتب يقول انه من هناك: يمكن تأمل المدينة بكامل سعتها مستشفى، مطهر، جحيم، معتقل.

وقد كان بقصيدته هذه يفتتح واحداً من الموضوعات التي ستشغل الشعر العالمي، ومقدماً، في الوقت نفسه، جميع العناصر التي ستشكل الصورة السلبية للمدينة، ولما سيعرف فيما بعد بشعر المدينة.

لكن حقيقة المدينة الكبيرة ـ «كما يشير ادوارد جاييد» ـ حيث تتشابك العلاقات، وحين يجد الفرد نفسه مدفوعاً الى الإغفال والوحدة، حقيقة جديدة نسبياً، وهي كانت غائبة عن الشعر الى زمن بودلير، حيث ستظهر كجحيم ينزل اليه الشاعر، وتصبح باريس مدينة النور، موطن الفوضى، والقبح، والبؤس، والضوضاء، والقرف، او مدينة الظلمات كما يصورها الشاعر. ومن هذه العناصر تتكون اهم خصائص مدينة العصر الجحيمية التي يغمرها الوحل ويغطيها الضباب فيمحو ملامحها كلها.

على ان شاعراً اخر في الطرف الثاني من العالم وقف ينشد للمدينة شعراً نقيضاً لشعر بودلير. اذ راح «والت ويتمان» الامريكي ابن مدينة «مانهاتن»، وزمنه قريب من زمن بودلير، يقول عن المدينة ان: «المغنية الطاهرة تغني على نغمات الارجن، والبخار يسوي خشبته، وحديد المقشطة يزقزق في صفير ماء يرتفع، والاولاد المتزوجون والعازبون في الطريق نحو البيت الابوي للاشتراك في عشاء المأتم» وقد اعتبر ويتمان نفسه رسولا للانسانية، ومجد العمل، والانسان، والكائنات ووحد بين الطبيعة والمدن التي رأى فيها مجموع انشطة انسانية محببة. والى جانب هذين الشاعرين يقف عشرات من الشعراء، اما في مواجهتهما فيقف شاعر ثالث هو البلجيكي «اميل فيرهارن» ويمكن اعتباره امتداداً لبودلير وويتمان معاً. حيث يمكن مقارنة قصائده المكتوبة على نمط الشعر الحر بقوتها التقريرية، وعدم سلاستها النحوية، وتقديرها للمقدرة وايمانها بأخوية الانسان، بقصائد ويتمان، لكنه فيما بعد راح يهجو المدينة متجهاً نحو الرمزية وخاصة في ديوانه الشهير: «المدن ذات الاذرع الميتة» وفي القرن العشرين مال شعراء السوريالية الى تطبيع علاقتهم بالمدينة، وصار لدى «ايلوار» مثلاً، مدناً «لها حركات شوارع الطف من العوسج» و«شوارع مرصوفة بأعشاش العصافير».

والمتأمل في الشعر العربي المعاصر، يجد ان شعراء الحداثة او الشعراء الذين قادوا حركة الشعر العربي الحديث، ضجوا بما سميناه الموقف البودليري من المدينة. فهي لدى الشاعر صلاح عبد الصبور: «عندما تعرت رأيت في عيونها المشانق تنتصب والسجون والمحارق، والحزن والضياع والدخان» وهي لدى عبد الوهاب البياتي مدينة «استباحها الغجر، مدينتي اهلكها الضجر». والامر هنا كما نرى يتعدى الموقف الى استعادة الصور البودليرية وتكرارها. يقول اميل فيرهارن: «لان هذه نهاية الحقول، ونهاية الامسيات، يدير الحداد في عمق السموات كأحجار الرحى، شموسه السوداء، ويرقات تفقس لوحدها، في الاجناب المتفسخة للنساء الميتات» فيتردد صدى القصيدة في شعر صلاح عبد الصبور: «وعندما غطى المساء عريها، وخيم الصمت على بيوتها العمياء، تأوهت وابتسمت رغم شحوب الداء، وأشرقت عيونها السوداء» ويقول بدر شاكر السياب «وتلتف حولي دروب المدينة، حبالاً من الطين يمضغن قلبي، ويحرقن «حيكور» في قاع روحي، ويزرعن فيها رماد الضغينة». وينطبق الامر ذاته على انسان المدينة. يقول فيرهارن: «اه هذه الجماهير هذه الجماهير، والبؤس والغصة اللذين يدوسانهما» فنقرأ للبياتي: «في ليالي الموت والخلق وفي الأعماق، أعماق المدينة، تبصق الموتى على الارصفة الغبر السخينة، لم تزل تبصق الاف المساكين: المدينة» ونقرأ لعبد الصبور: «رأيت في عيونها الانسان، يلصق مثل طابع البريد» و«رأيت انسان الغد المعروض في واجهة المخازن، وقطع النقود والمداخن، مجللاً بالحزن والسواد» ونقرأ لأحمد عبد المعطي حجازي: «والناس يمضون سراعاً، لا يحفلون، اشباحهم تمضي تباعاً، لا ينظرون»، بل ان صلاح عبد الصبور يرى ان الناس في المدينة اكتسوا بصفات الحيوانات فمنهم الانسان الكركي، والانسان الثعلب، والكلب والأفعى، والفهد».

وقد كانت المدينة العربية في المرحلة ذاتها اقرب الى روح القرية منها الى صخب المدن الصناعية الكبرى، كما كان سلم القيم الفكري والاخلاقي لايزال يحتفظ بالطابع الوطني، او الاقليمي، او المحلي، او كان بكلام اخر لايزال يحتفظ بهويته، كما ان صورة الجماهير، كمفهوم سياسي تشكله القوى الاجتماعية المختلفة لم يكن ظاهراً وبارزاً مثلما كان في المدينة الغربية، على الرغم من ادعاءات الاحزاب السياسية التي اشتغلت على الدعاية للمفهوم. ومع ذلك فقد لاقت المدينة العربية وسكانها هجاء مريراً من أبرز الاسماء في قصيدة الشعر الحديث.

وثمة من يسوغ هجاء المدينة، بالنظر الى ان المدينة الشعرية ليست هي بعينها المدينة الواقعية، فكل شاعر ـ يقول الدكتور محمود الربيعي ـ يصنع مدينته، وعلى هذا فان الوحشة في المدينة يمكن ان تولد من مدينة حافلة» ولكن المطلوب في هذه الحالة الغاء ما يسميه الدكتور بـ «البيئة» اذ يصف هذا المفهوم مكاناً محدداً، لا حالة شعرية.

وسواء كانت المدينة واقعية، ام شعرية فإن السؤال الذي يشغلنا اليوم هو: لماذا اختفى موضوع المدينة من الشعر العربي؟! فاذا كان ذلك الشعر نابعاً من ثقل المدينة الواقعية، فان المدن العربية اليوم تشهد ضجيجاً مبهظاً، وازدحاماً شديداً، وانقساماً حاداً في وضع سكانها الطبقي، وقد ازدادت فيها مظاهر الفقر، والفوارق المعيشية بين فئاتها وشرائحها الاجتماعية، كما اشتدت الرقابة على الكلمة، والضمير والعمل السياسي، وراحت المراكز تطرد فقراءها، والمغمورين منها الى الهامش، فتكاثرت عشرات الضواحي المتنافرة التي تفتقر الى جمال المدن القديمة، وجلالها، كما انهارت القيم، وتغيرت تغيراً جذرياً، واكتسبت طابعاً استهلاكياً، وروحاً تلفيقية هي حاصل جمع الصلات الاخطبوطية مع العالم المعاصر شرقاً وغرباً، بحيث صارت الصفة الغالبة على مدننا هي اللاهوية، اضف الى هذا ان المدن العربية صارت عدواً للشعر، وفي افضل الحالات لا يحضر اي امسية شعرية لاي شاعر عربي «باستثناء محمود درويش والراحل نزار قباني، والاستثناء يؤكد القاعدة» سوى عشرات من المهتمين او الاصدقاء. والمتوقع هنا ان يندلع الهجاء ضد مدينة تعزل الشاعر، وتحاصر الشعر، وتدينه، وان يزداد اعلان الشاعر عن غربته بين شعوب، او جماهير، او ناس لم تعد تقرأ شعره، ولا تتأثر بمواقفه، واذا كان الشعر ناجماً عن وحشة الروح الشاعرة، وكانت المدينة رمزاً فلم يختفي الرمز من الشعر؟ او لم يختفي الموضوع؟! ولاشك ان مقالة في صحيفة اعجز من ان تجيب عن السؤال، لهذا سنكتفي بإثارته، والتحريض عليه، ونبش المزيد من الاسئلة في الباب ذاته. يمكننا الان السؤال عن الشاعر ذاته. فانقطاعه عن شعر المدينة يدفعنا للتساؤل عما اذا كانت رؤى المدينة في الشعر العربي مستمدة من اصطدام الشاعر بالمكان، او بالموضوع، وهذا هو سر أصالة اي شعر، او اذا كانت مستمدة من التأثر بالشعر الغربي وحده؟ وهنا نسأل ايضا. كيف يتخلى الشاعر العربي عن المكانة التي ادعاها لنفسه في بدايات الشعر الحديث، كممثل للفقراء، او منقذ للمقهورين، او منشد للشعب او مدافع عن القيم، او فارس يحاول تحطيم اسوار المدن؟! ثمة اسباب كثيرة تجعلنا نفكر في ان الموضوع كله انما دفعت اليه المؤثرات الاجنبية، والغريب ان مؤثراً واحداً هو الذي ترك بصمته واضحة في شعرنا، وهو الاتجاه البودليري، الذي ظهر قوياً فيما بعد في شعر «ت. س اليوت» وكلنا سمع او قرأ «الارض الخراب» وغيرها من شعره الذي نعى فيه المدينة المعاصرة، وما ان تلاشى اثر بودلير واليوت حتى اضمحل موضوعهما، بحيث لم يعد الشاعر العربي يرى اليوم ـ كما رأى بالأمس ـ المدينة «الواقعية او الشعرية» رمزاً للفوضى والرعب والجحيم، على الرغم من كل القبح الذي آلت اليه. فهل استطاعت المدينة تمدين الشعراء وادخالهم في رحمها، وتعليمهم انماطها السلوكية والمعيشية حتى لم يعودوا يجدون ما يهجونه فيها؟ ام ان العكس قد حدث؟ فقد غزا المدن العربية ملايين الريفيين الذين نقلوا اليها قسرا عاداتهم وتقاليدهم واخلاقهم فغلبت روح الريف «وهي الروح التي كان الشعر يحارب المدينة بها» على المدينة، فتريفت وصار الشاعر يحس بالأمان في مكان يشبه الرحم الاصلي الذي جاء منه، دون ان يعني هذا ان الشاعر العربي تبنى النموذج الويتماني «نسبة الى الشاعر ويتمان» وانما صمت بكل بساطة بحيث اختفى من الشعر العربي كلا النموذجين السلبي اي شعر الشكوى والرفض والايجابي اي شعر التمجيد والاعجاب وهذا ما دفعنا للشك في الدوافع او التساؤل عن مدى الصدق في التعبير عن لحظة الصدام بين الشاعر والمدينة، حتى أننا نميل الى القول بأن الشعر كتب اوهام المدينة لا المدينة، وان المدينة التي خسرت واقعيتها انما دلت في الشعر على توقف الزمن التاريخي وأشارت الى مأزق التعبير اكثر مما فجرت منابع الابداع. ومن يقارن بين سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين وهي السنوات التي شهدت صعود حركة التحرر الوطني العربية، وانطلاق الامال، وانفتاح الاحلام، وبين نهايات القرن العشرين التي شهدت معاهدات الصلح مع العدو الاكبر للعرب اسرائيل، يدهشه ان يكون الشعر قد سار طوال الوقت عكس عقارب الساعة، او ان يكون الشاعر العربي قد استعاد مرة ثانية ثياب سلفه الشاعر القديم الذي كان يلج الى الموضوع دون ان يعيشه. وبهذا المعنى نسأل: هل يعقل ان يكون موضوع المدينة في الشعر العربي الحديث لا يزيد على موضوع صيد الغزلان، او وصف الناقة في الشعر العربي القديم؟!

 

بقلم: ممدوح عزام


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri