ماريو فارغاس لوسا في روايته الجديدة "الجنة - أبعد قليلاً"

اليوتوبيا تصنع العبقريات المدهشة... وأكبر المآسي التاريخية!

صدرت لماريو فارغاس لوسا رواية جديدة بالإسبانية عنوانها "الجنة - أبعد قليلاً" ترجمها الى الفرنسية ألبر بِنسوسان (منشورات "غاليمار"). وتتناول حياة كل من فلورا تريستان وحفيدها الرسام بول غوغان ضمن اجواء من اليوتوبيا التي غمرت نضال الأولى وابداع الثاني.

ولد لوسا عام 1936 في اريكيبا المدينة الثانية للبيرو حيث عاش غوغان طفولته وحيث تبلورت تجربة جدته فلورا التي كانت امرأة ثلاثينية جميلة، تخلت عن حياتها الزوجية والعائلية لتعيش حياة متحررة عرضتها في كتاب "رحلة منبوذة" (1838) الذي عرف رواجاً في باريس.

لجأ لوسا في فترة مراهقته المنعزلة الى مطالعة الروايات في نهم: جول فيرن، الكسندر دوما، فكتور هوغو وروايات المغامرات الايطالية... فغمرته رغبة الكتابة مكتشفاً الغنى المذهل الذي يمد عالم الخيال الحياة به. كما جسدت الكتابة لديه رمزاً للتمرد ضد الطغيان، أي ضد والده الذي أدخله المدرسة الحربية، معتقداً ان النظام الحديدي سيروّض ابنه. لكن ما لبث لوسا أن أكبّ كالمجنون على القراءة والكتابة وأدرك لاحقاً أن هذا الوالد الذي لم يحب هو الذي حرّره بجعله يكره مختلف انواع الطغيان ليضحي ما هو عليه اليوم.

كشف لوسا تجربته في المدرسة الحربية في روايته الاولى "المدينة والكلاب" التي شكّلت فضيحة أُحرقت على أثرها ألف نسخة منها في الساحة العامة (قصد بالكلاب التلاميذ الأربعة الذين ارادوا مقاومة النظام الوحشي لمدرستهم الحربية) ودعا الكاتب في قوة صادمة الى اصلاح تلك المؤسسة. ثم تعاقبت اعماله الروائية الخمسة عشر، ونذكر منها: "المنزل الأخضر"، "محادثة في الكاتدرائية"، "الخالة جوليا والكاتب"، "حرب نهاية العالم"، "قصة مايتا"، ومجموعة قصص قصيرة في كتاب "الزعماء"، الى خمس مسرحيات وكتاب ذكريات تحت عنوان "السمكة في الماء"، وأبحاث من بينها "العربدة المتواصلة" (حول فلوبير)، "الحقيقة من خلال الكذب" (حول الأدب)، "اليوتوبيا القديمة"، و"رغم كل العقبات" (حول السياسة).

يتنقل لوسا بين البيرو واسبانيا وفرنسا وانكلترا من دون ان يشعر بنفسه منفياً، اذ اختار المنفى من غير الانقطاع عن بلده، مؤمناً مع نيتشه بأن "المنفى هو الحرية". كما جعلته حياته الاوروبية يكتشف ان الكاتب لا يتكوّن بالصدفة من جيل عفوي، بل يلزمه نظام في العمل وعناد وسعي حثيث. والى مسيرته الروائية مارس لوسا التعليم الجامعي والصحافة ولا يزال حالياً يكتب المقالات معتبراً عمله الصحافي اساساً لكتابته الروائية، ولا يحبذ فكرة الكاتب المنعزل عن الواقع، هو الذي شارك عن قرب في السياسة عندما ترشح لرئاسة البيرو وخسر المعركة عام ،1990 ولا يؤمن كذلك بأن هدف الأدب هو التسلية فقط، حتى لو كانت في أسمى درجاتها.

في روايته الجديدة يتماثل لوسا مع شخصية فلورا تريستان أكثر منها مع شخصية غوغان، اذ ينجذب الى فكرة الانسان "المتمدّن" اكثر من فكرة الانسان "المتوحش". الا ان شخصيتي الجدة والحفيد متقاربتان وتجسدان شكلين مختلفين من اليوتوبيا الخاصة بالقرن التاسع عشر. ووجد الروائي فيهما المثالية نفسها والسخاء والابداع والألم وقام بالأسفار عينها التي قاما بها مكتشفاً ان اهتماماتهما واهتماماته واحدة: نزعتها الى المجتمع "الكامل" او الجنة على الارض. يؤمن لوسا بأن اليوتوبيا أمر لا مفر منه، يصنع الشخصيات المدهشة والنجاحات الفكرية او العلمية الكبيرة، كما انه تسبب بأكبر المآسي التاريخية. فهذه محكمة التفتيش الدينية وجدت كي تؤسس لمجتمع "كامل" مثالي، وتندرج الايديولوجيات التوتاليتارية الكبرى في القرن العشرين في خانة اليوتوبيا، كالنازية ومجتمعها العنصري الصافي، والشيوعية والغولاغ، والفاشية والماوية. أما الأصولية الراهنة فهي "اليوتوبيا التي تبرر الجرائم باسم الجنة"، في تعبير لوسا الذي استشهد في كتابه بقول الشاعر الفرنسي بول فاليري: "ماذا كنا أصبحنا لولا نجدة ما ليس موجوداً؟". يؤمن الروائي البيروفي بضرورة دمج اليوتوبيا بالحياة من غير ان تدمّر الحياة، لذا وُجب نزعها من المشاريع الجماعية، اذ لا يمكن توحيد مجموعة وفق مثال ما إلا بالمجازر، بينما تخلق اليوتوبيا الذاتية قديسين وعباقرة أمثال غوغان الذي بحث عن حريته خارج قواعد المدنية فخاطبه لوسا في كتابه قائلاً: "خطوتَ خطوة جديدة نحو الحرية، من حياة البوهيمي الفنان الى البدائي الوثني المتوحش. العيش في العالم الذي دخلته أخيراً هو خلق متواصل. أما فلورا فكانت تبشر بالحرية والمساواة بين الجنسين موزعة من مدينة الى أخرى نسخاً من جريدتها "الاتحاد العمالي"، ساعية الى خلاص الانسانية، متحملة شتائم البورجوازيين والوجهاء وحتى زوجات العمال اللواتي كانت تعتبرهن من أكثر الطبقات كدحاً. وسبقت كارل ماركس بأربعة أعوام في فكرة مشروع التكتل العمالي الأممي.

نسج لوسا روايته استناداً الى أحداث واقعية أساسية من ناحية، ومستخدماً من ناحية أخرى الميثولوجيا ليبتكر احداثاً خيالية، ولا سيما في ما يتعلق بغوغان، لأن الحقيقة الروائية هي "الحقيقة من خلال الكذب". يعتبر الكاتب البيروفي ان الروائي يبلغ عبر التخيّل مدى لا يمكن التاريخ ان يبلغه. فالأدب اساسي لاعطائنا صورة عن الماضي. يقول: "تولوستوي هو روسيا بالنسبة إلينا، أما بلزاك فخلق لدينا صوراً كوّنت في أذهاننا فرنسا القرن التاسع عشر. الحقيقة هي ما نعتقد انه الحقيقة".

خلال تجربة ترشيحه الفاشلة لرئاسة البيرو اكتشف لوسا عدم جدوى الأفكار في الحملة الانتخابية حيال فاعلية الشعارات والأكاذيب والنميمة، كما سمحت له تجربته هذه بفهم فلورا تريستان وما لزمها من قوة اقناع وشجاعة كي تثابر في ترحالها اليوتوبي.

بين الحلم وتجسيده سفر طويل وصعب تخوضه قلة من المختارين الذين يُخضعون الواقع لقوانين خيالهم. ثورويون، فنانون، شعراء، اصحاب شخصيات قوية "يتصرفون على نحو يجعلون معه الحياة تتشرب كل ما هو فانٍ فيهم" في تعبير القديس بولس. كل شيء، بما في ذلك احلامهم.

 

ندى الحاج - النهار - السبت 17 أيار 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri