من أين ينبع التزمت؟

مهمة الفلسفة توفير أجوبة عن الأسئلة الحارقة التي تطرحها البشرية

خلافا للقرون السابقة التي أعقبت «عصر الأنوار»، تبدو الفلسفة اليوم، مطلع الألفية الجديدة، شبه غائبة، إن لم تكن غائبة تماماً. أما الفلاسفة فأصبحوا نادرين، بل يمكن القول إنهم انقرضوا ولم يتبق سوى بعض المفكرين الذين يقتصر دورهم على تفسير أعمال وأفكار الفلاسفة القدماء، أولئك الذين يسمّيهم كاتبنا الكبير طه حسين «قادة الفكر»، والذين يعرّفهم قائلا: «إنهم هؤلاء الأشخاص الذين لهم أعظم أثر في تكوين أمة بأسرها، وفي تصوير النظم السياسية والاجتماعية والدينية، التي خضعت لها هذه الأمة عصوراً طوالا، وفي تهيئة هذه الأمة للرقي والتطور، اللذين جعلاها مصدرَ الحياة العقلية، التي لا تزال الإنسانية متأثرة بها إلى اليوم وإلى غد وإلى آخر الدّهر»، ويبدو أن الفيلسوف الألماني بيتر سلوتاردايك (Peter Sloterdijk)، كان على حق عندما كتب قبل بضع سنوات يقول: «منذ قرن والفلسفة تموت ولكنها لا تقدر أن تموت لأنها لم تستكمل مهمتها بعد». وفي وضع كهذا يفتقر إلى فلسفة تتحدث إلينا عن «الف صحراء فارغة وباردة من صحاري الحداثة»، بات الناس أسرى الوسائل السمعية والبصرية، يبحثون فيها عن أجوبة للعديد من الأسئلة المقلقة بشأن مصير الإنسانية في الحاضر والمستقبل، والذي يزداد عتمة يوما بعد يوم بسبب تكاثر الحروب الأهلية والعرقية والدينية، وانهيار القيم، واتساع الهوّة بين الأغنياء والفقراء، وبين البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة، واستفحال الجريمة المنظمة، والمخاطر التي تتهدّد الطبيعة. غير أن الوسائل المذكورة لا تقدم للناس ما يمكنهم من الكشف عن الحقيقة، بل غالبا هي تساهم في تضليلهم أو حرمانهم من الحصول على ما يمكن أن يخفّف من مخاوفهم ومن شكوكهم حول حقيقة ما يجري حولهم. وربما لهذا السبب أصبح الكثيرون منهم يعرفون بكبار الفلاسفة الذين عرفتهم الحضارة الاغريقية من امثال سقراط وأفلاطون، أو بأولئك الذين عرفتهم القرون التي أعقبت «عصر الأنوار» محاولين من خلال أعمالهم وأفكارهم، ادراك حقيقة عالم اليوم الذي يشهد تقلبات واضطرابات خطيرة مثيرة للخوف والقلق. ويقول الفيلسوف الفرنسي اندريه غلوكسمان الذي يعتبر أبرز «الفلاسفة الجدد» بأن الفلاسفة الاغريق من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو طاليس وذنيوفون وابيقور وغيرهم، جديرون بالقراءة اليوم، ذلك انهم اكثر من يساعدنا على فهم واقعنا الراهن، بل هو يعتبر ان هؤلاء اكثر قرباً لنا من الفلاسفة الذين يعيشون بيننا الآن. صحيح انهم عاشوا في عصور تختلف كلياً عن عصرنا، غير انهم كانوا مدركين لـ «حقيقة الإنسان والوجود»، لذا فإن العودة إليهم ضرورية لإدراك حقيقة عالم اليوم.
ويعتبر بيار هنري ليفي ـ وهو أيضا من أبرز وجوه الفلاسفة الجدد في فرنسا ـ ان سبينوزا هو واحد من أهم الفلاسفة القدماء الذين تتوجب قراءتهم اليوم. وهو يقول: «في الوقت الراهن أنا أعد كتابا عن الأصولية. وهناك نصّ لم يكن بوسعي ان اتخطاه وان اتجاهله، نص حول العلاقة بين اللاهوت والسياسة. وهذا النص هو لسبينوزا. وفيه يتجلى كاتبا كبيرا، وفيه ايضا قدرة كبيرة على توليد المفاهيم تمكننا من اضاءة المسائل الأكثر تعقيدا وغموضا، أو تلك التي تبدو انه من الصعب حلها، والمتعلقة بحاضرنا السياسي والديني. من أين يأتي التزمت؟ هذا السؤال مطروح اليوم، وكان مطروحا ايضا في عهد سبينوزا، وأنا جئت الى هذا الفيلسوف بحثا عما يساعدني على تقديم المزيد من الاضاءات الخاصة بالسؤال المذكور وعلى العثور على «الاندفاعات الداخلية للنظام» وفي ذهني مسألة الأصولية الإسلامية المتطرفة أو صوت أسامة بن لادن». غير ان بيار هنري ليفي ينصح ايضا بقراءة هيجل، وهو يقول: «قبل نحو ثلاثين سنة قرأت هذا الفيلسوف، واحسست بالنشوة والانبهار. ورغم انني قرأت في ما بعد فلاسفة آخرين من امثال سارتر ونيتشه وجورج باكاي وهايدغر، فإن هيجل يظل الوحيد الذي يفتنني».
ومثل بيار هنري ليفي، يرى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ان هيجل جدير بالقراءة الدائمة، وهو يقول في ذلك: «عندما قرأت هيجل، خصوصا هيجل الشاب، ادركت انه فقط في التجسيدات التاريخية المؤلمة، يمكننا ان نتصور العقل. وفي غياب ذلك نظل في حالة عدم القدرة على أن نكون». وعن كانت يقول هابرماس: «منه اخذت مفهوم الاستقلالية، ذلك المفهوم الذي دفع الفلسفة باتجاه آفاق جديدة تماما. والشيء الذي فتنني عند كانت بالتحديد هو الاستقلال السياسي للمواطن، وفي الفلسفة الألمانية فإنه بالنسبة لي، المفكر الوحيد الذي كان واضحا على المستوى السياسي. لذا، فإنه عقب 1945، كان بالنسبة لجيلي، المفكر الذي ساعدنا على انقاذ حياتنا».
ويعتقد المفكر الفرنسي الان فينكيلكراوت ان العودة الى هايدغر شيء اساسي ذلك انه فهم فهما جيدا تأثير التكنولوجيا على حياتنا. وهو يقول موضحا رأيه هذا: «اعتقد ان في تصوير هايدغر للتكنولوجيا وتأثيراتها على حياة الإنسانية المعاصرة بعد نظر يتأكد يوما بعد يوم، فالتكنولوجيا كما هو يقول لنا ليست مجرد وسيلة بين ايدينا، بل انها الطريقة التي بها يتمثل الواقع لدينا». ويضيف الان «ليو شتراوس، هانس يوناس، هانام راندت، كل هؤلاء كانوا جدّ مهمين بالنسبة لي، وبفضلهم وعيت بمشروع الحداثة الجديد المتمثل في إزالة الأوهام عن عالمنا، والتحكم فيه عقلانيا بهدف التخفيف من آلام الإنسان، وهي فكرة رائعة. ولكن اليوم، نرى أن النتيجة جاءت مخالفة تماما للنتيجة المتوقعة والمعلنة آنفا. والآن لم يعد باستطاعتنا توقيف المسار، ولا تغيير وجهته، نحن كنا نعتقد دائما بأننا سنكون أكثر حرية، ولكن ها نحن نجد انفسنا امام الضرورة المستحيلة لوضع حدود للحركة التي تحملنا بجنون نحو مخاطر جسيمة. وهذا ما أدركه هايدغر».
ويرى كليمان روسيه الذي الف العديد من الكتب حول الفلاسفة المعاصرين والقدماء، ان نيتشه يوفر العديد من الأجوبة للأسئلة الحارقة المطروحة على الإنسانية في عالم اليوم. وهو يقول: «ان نيتشه هو أول من حمل المطرقة لتهشيم الأوهام التي كانت تعشش في رؤوس أهل عصره، وفي رؤوس أهل عصرنا ايضا. وكان هو أول فيلسوف يقوض القواعد الأخلاقية التي ظلت صلبة وقوية حتى ذلك العهد. وأهم شيء في فلسفة نيتشه هو انه كان يرى أن الدور الحقيقي للفلسفة هو مواجهة المظاهر الأشد خطورة في الحياة دون أن يعني ذلك عدم التمتع بملذاتها. وهذا ما نحتاجه راهنا نحن الذين أصبحنا نعيش في عالم متقلب تنغص احداثه وكوارثه حياتنا وتجعلنا في قلق شبه دائم»..
ومثل كليمان روسيه، يعتبر الكاتب باسكال بروكينر ان نيتشه هو فيلسوف الحداثة بلا منازع، وهو يقول: «ان عظمة نيتشه تتمثل في رفضه القاطع للنظام المكتمل وفي تحطيمه للآيديولوجيات والفلسفات التي سبقته وفي نقده العبقري لمزالق الحداثة الديمقراطية وصغائرها كما هو الحال اليوم».
ويتفق المفكر الفرنسي لوك فيري (Luc Ferry)، الذي عيّنه جاك شيراك وزيرا للتربية بعد انتخابه رئيسا للجمهورية للمرة الثانية خلال الربيع الماضي مع الفيلسوف الالماني يورغن هابرماس على ان كانت يمكن ان يساعد الإنسانية على فهم واقعها راهنا، ويقول: «البعض من الفرنسيين بالخصوص يقولون إن فولتير اهم بكثير من كانت، وبالاضافة إلى انه حكم مبالغ فيه، ولا معنى له، فإنه لا يمس الجوهر. صحيح ان فولتير كاتب رائع أو «مثقف» عميق وذو موهبة كبيرة، غير أن مقارنته على المستوى الفلسفي مع كانت، شبيهة بتلك التي نعقدها بين هضبة (مونمارتر) وجبال (الهملايا)». ويواصل لوك فيري حديثه قائلا: «أحببنا أم كرهنا، يمكننا أن نقول جازمين أن كانت هو التجسيد الحقيقي للفلسفة المعاصرة. وهو أول من قطع بأن رؤى كانت لا تزال لاهوتية للعالم، وإذا ما كانت هناك فلسفة علي أن أعود إليها دائما، فإنها لن تكون غير فلسفة كانت».

 

حسونة المصباحي - الشرق الأوسط - 14.05.2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri