إخـــتــــيـــــــار

... هذه المقاطع الاربعة الآتية من فصل "ازمنة الشعر" في "امطار قديمة" لما تدل عليه من ملامح لغوية مضغوطة، وحضور خصب للمعالجات المنطقية وانفعال شعري نابع من معاينات فؤاد رفقة وخبراته.

وفؤاد رفقة او "بيدر" رحالة، في ذاكرة تعبر الشعر والحرب والغربة والغياب كالباحث عن صورته في غبار الايام وحقيقة الصداقات.

انه رحّالة الحنين البارد...

"(...) تاريخ الشعر:

".1 المرحلة الميثولوجية، عندما مع الآلهة كان البشريّ. وشعريا على هذه الارض كان وجوده.

".2 المرحلة النبوئية، عندما الى الجبال هربت الآلهة، والشاعر جسرها صار الى الآخرين. يومها كانت الكلمة بيت الالهي، والشاعر العرّاف.

".3 المرحلة اللاهوتية، عندما على الجبال وفي مغاورها رمت الآلهة اجسادها وروحا صارت، يومها للكاهن تخلى الشاعر عن دور الوساطة.

".4 المرحلة الحضارية، عندما صار الشعر ظاهرة حضارية، لا غير. لا شيء يميزه عن سواه.

".5 المرحلة التجريبية، عندما صار الشعر علما، معادلات، تجارب شكلانية، اشكالا هندسية، "حداثة". في هذه المرحلة، مرحلتنا الحاضرة، يعيش الشاعر في النسيان، نسيان الالهي وآثاره دون ان يعي ذلك".

"(...) للعبور الى الكلمة الشعرية شروط، كما ذكرت في البداية، واولها الاخلاقية".

غريب! ما علاقة الاخلاقية بمغامرة النقد؟

"انها الاساس، لانها تعني الاخلاص للحقيقة، من هنا هي تفترض البعد عن القبلية، عن المحاباة والمنفعية، وعن الغريزية".

شيء جديد بالنسبة لي، ولكن هل هناك شروط سواها؟

"طبعا، هناك شرط اساسي آخر، وهو شاعرية الناقد، بمعنى أن يكون الناقد شعريا شعري الخميرة والاعصاب".

لماذا؟ ما اهمية هذه الخميرة الشعرية؟

"الجواب بسيط. عملية النقد التفسيري تستوجب التوجه الى الافق الداخلي للكملة الشعرية، وهذا التوجه يتم في صورة ممتازة الى ايدي المجبول بهذه الخميرة".

وهنا تبسم صاحبي، رفع كأسه وافرغ قطراتها في عروقه، ثم تابع حديثه فقال:

"بعد التسرّب الى خلايا الكلمة الشعرية، على هذا المغامر ان يخترق النقاط والفواصل والحروف الى الجانب الخفيّ من الكلمة، الى الوجه غير المرئي، الى الاشارات، وهذا يصير عندما يعرف المغامر كيف يصغي الى لغة الكلمة الشعرية، كيف ينفتح عليها ويتركها تحكي وتعلن وجودها بحرية، بل ان يجبرها على ان تقول اشياء لا تقولها، في هذه اللحظة يتحول صاحب هذه المغامرة الى نقاوة كيانية تواجه نقاوة الكلمة الشعرية".

في نهاية النهايات، انت تنتظر منه الالتحام المطلق بالتجربة الشعرية، لكن هذا الالتحام مستحيل، فالشاعر ذاته غير قادر على استعادتها من جديد.

"صحيح. لهذا السبب تبقى الكلمة التفسيرية لاهثة خلف الومضة الشعرية. لكن رغم هذه الحقيقة يظل الناقد تكملة للشاعر".

"(...) على النقد استيفاء شروط اساسية:

.1 الموهبة: من البديهي ان تكون الموهبة أول هذه الشروط.

2- تفجير هذه الموهبة، وهذا بقراءة العمل الشعري بجدية ومحبة وصبر.

3- الانفتاح على التيارات النقدية في العالم، مما يؤدي الى توسيع وعي الناقد واستنفاره.

.4 للشاعر حياته: طفولته، محيطه، زمانه، اسفاره، مغامراته، انكساراته، مآسيه وافراحه، يأسه، وحشيته، جنونه، مهمة النقد مرافقة هذه الرحلات الكيانية.

.5 النقد الحر يخلو من القبلية. للقبلية في النقد مظاهر، لكنها جميعها تصب في مستنقع واحد: اللاموضوعية وتاليا اللاأخلاقية.

.6 الشمولية. ما من شاعر كبير يخلو من الشمولية في هذا المجال تعني الشمولية، موقفا حدسيا من قضايا الوجود المصيرية: الله، الزمنية، الانسان، الارض، الحرية وغير ذلك.

كذلك على النقد التحرك في اطار هذه الشمولية الحدسية، خارج هذا الاطار العمقي ما من نقد خلاق. وحدها الاعماق تقيم الحوار مع الاعماق".

"(...) زمن الفوران الشعري يتسع الصمت ويعمق ودون صراخ يملأ الوجود.

زمن التوهج الشعري يخرس الجدل حول المقاييس، حول الوزن والنثر، حول الالتزام والعبثية، حول الشكل والمضمون، حول التصنيفات. في زمن كهذا تعلن القصيدة ذاتها، دون عناء تراها، تسمعها، وفي حقيقتها تغوص.

قصيدة كهذه ليست في حاجة الى شروحات وقواميس، ولا هي في حاجة الى تبرير وتفسير، ولا هي في حاجة الى هجوم ودفاع. قصيدة كهذه مفاجأة، وحدها تقف، وحدها في وحشتها تضيء. انها بساطة، شفافية، واعماق.

زمن الجنون الشعري يغيب الجدل حول جنس القصيدة والملائكة. في زمن كهذا تختفي "الكيف" و"اللماذا". وحده المبدع مع قدره، وحدهما يترافقان.

زمن المعجزات الشعرية ما يصير؟ هومر، شكسبير، غوته، هلـدرلـن. هـؤلاء ما اضـاعـوا الوقت في الاسئلة: ما الحداثة؟ ما التقليد؟ ما التراث؟ ما التجاوز؟ ما التجديد؟ هؤلاء الشعراء ابدعوا، فتحوا الابواب، وصاروا الجـهـات.

زمن البحبوحة الشعرية تزهر القصائد، في القصائد تنبض التجربة، في التجربة تبرق الرؤيا، وفي الرؤيا تبين المناطق الجديدة.

زمن الفتوحات الشعرية تنفتح السماء، تنزل الكلمة، وفي الكلمة الصورة، وفي الصورة الايماءة الى الحقيقة. في زمن كهذا يتقابل الشعر والكفر، يتحاوران، وفي هذا الحوار يصير الوطن.

زمن الشواهق الشعرية يقل الشعراء، اقل من مطر في الصحراء يصيرون. بين جيل وآخر، بين قرن وقرن ربما شاعر يطلع، ربما قصيدة واحدة، لكـن في هذا القصـيـدة الواحدة، في حروفها الداكنة، اسرار لأجيال تـأتـي".

 

النهار - الاربعاء 11 حزيران 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri