خـربشـات فـي جـسـد الوقـت [31]

بالشجر يتصبّح الوجه، بالطّيور المرقطة، والشمس النديّة فوق القمم، نعمة يعيشها الحطّاب هذه الآونة، ومضارب النهود الحمر.

لحظة واحدة، ايتها الغبطة اليافعة، لو تجمدين كمرساة في مجاري الرياح.

***

تحت النافذة حديقة، عند سياجها شجرة تفّاح، طويلا يتأمّل ثمارها السّاقطة ولا يرتوي، ربّما لأنّها سترحل معه في المركب الى القاطع الآخر. انها رفيقة السّفر.

***

على طرف الغصن عصفور داكن اللون، ربّما سُمّنة، تحت غبش صباحي يتشمس، يفلّي ريشه، بأظافره يغسل منقاره من فتات الثمر البري، يتوقّف، يرفع رأسه، قليلا ينحني، يطير، لا احد يعرف الى اين.

لا ذاكرة تثقله، ولا افكار حالكة.

***

قريبا يجمع اوراقه، يحزم حقيبته، وفي الطائرة الى بيروت، الى بلاد الشمس والوجوه الاليفة.

بعد عزلة اقسى من آلهة عمياء يعود الى ترابه، الى هوائه وعيون مائه، الى مقعده تحت العتبة والى المسبحة، اليها، اليهم يعود.

وداعا ايّها البرج المقدّس، يا برج هلدرلن، يا صفصاف النكر، ويا اناشيده، انها المرة الاخيرة، فالجسد خريفي، وفي سماء القلب باردة حجارة الاجراس.

***

يومه ما قبل الاخير في بلاد الشعر، دموع الحزن، دموع الفرح.

رائعة هنا البحيرات، رائعة هنا شواهق الالب واودية الرّين، رائعة حتى الدمع، آه، ولكن هناك، في اتجاه الشروق، في اتجاه الارض الجريحة هناك في الظل يستريح الجريح، يستريح ويشفى.

***

مثقل بالافكار، وما من قدرة على تحويل فكرة واحدة الى الكلمة، كجمجمة في عتمة القاع تلفظ انفاسها الاخيرة.

***

لا شيء، لا فرح ولا احزان. متعب كأرجل في نهاية سباق طويل خاسر.

***

غابة بعد عاصفة هو الآن، يرمق اوراقه المتناثرة، جذوعه المتكسّرة، اغصانه المتبعثرة بين اشواك الوعر، ويصمت، يعرف ان الوجود مفاجآت، دائما تباغت النوافذ والابواب. المهم هو القدرة على الصمود بعيون واسعة الاحداق.

***

في ازمنة القحط الابداعي تتوسع الحناجر، تنفجر العروق من الصراخ، وفي الشوارع تزعق الابواق، تهدر الطواحين، تقتحم الاسوار صرعات عابرة جارفة معها ما يستمر وما يبقى. في هذا القحط تنتصر القشور على عتمة البذور، والرغوة على ضبابية الاغوار.

في ازمنة القحط الابداعي يتبخّر العالم الداخلي، وها العمل الفنّي تقنية يابسة، لا روح فيها، لا حياة ولا دماء.

في ازمنة القحط الابداعي نستعجل القطاف، وها الغلّة خالية من العصير المختمر تحت شموس الظهيرة في النهارات الواسعة.

وفي مواسم الخيرات؟ تتساقط الاصداء، الى مغاور الصمت يلجأ العرّافون الكهنة، وفي الليل كأسرجة يطوفون، يفتتحون النوافذ في جسد العالم.

في مواسم الخيرات الكثيفة يصير الكهنة اندر من الآلهة.

***

الكلمة الشعرية اعتراف، انها عجينة العالم الداخلي، دمه وشرايينه، ومع هذا، هي شيء آخر عندنا، بينها وبين "شاعرها" مسافات النجوم، غربة لا تقوى عليها جسور الارض ومعابرها.

***

غوته: "من يطرد الشعر من العالم؟ الجواب: "الشعراء"، لماذا؟ لأنهم يتكاثرون، يثرثرون، عاليا يرتفع زعيقهم، لهاثهم حتى الاختناق.

***

على تخوم الدمع

ابدا عيناه

ولا تدمعان.

***

جليد في اللسان،

في الحنجرة،

في مفاتيح الاوتار،

فأين الغناء يدقّ الاجراس،

يدعو العابرين الى المائدة

الى الرغيف المقدّس

 

في قاعة باردة الابواب

بلا سراج وحيدا يسهر الشاعر

حتى مجيء آخر.

   

 

فؤاد رفقة - النهار - الثلثاء 8 تموز 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri