عـن
الـكـاثـــــار والـشـــــر ومــا يــرســـــمــون

هــل
الـســــافــل مـن شـــــؤون الـدنـيـــا نـقـيـــض الـخـيـــر؟
"النذر
للدير والخرا ع سمعان".
اضع
هذا المثل الشعبي مدخلا الى نصي هذا لأنه يقيم مقارنة ما، والمقارنة
علاقة، بين امر ديني وبين ما قد يبدو الاسفل من امور الدنيا،
البراز البشري. ولكن، هل ان السافل من شؤون هذه الدنيا نقيض
للخير الذي يفترض ان تبشّر به جميع الديانات السماوية؟ هل ان
البراز والشر متماثلان؟ وما حكم الخير والشر؟ ما الذي يجعل البشر
يعتقدون ان الشر على هذه الدنيا من صنع الشيطان وحده وان الروح
وحدها من خلق الله؟ بل كيف يندفع بشر، بمثل ذلك اليقين، الى
رفض الاقرار بوجود حقيقي للعالم الارضي والقول بأن العالم الوحيد
الحقيقي هو الحياة الآخرة؟
تداعت
عليّ هذه الاسئلة في مزرعة في منطقة الـ"تارن" في مقاطعة تولوز
الواقعة بين جبال البيرينيه الفرنسية والبحر الابيض المتوسط
لما جمعت الصدفة بين يدي ثلاثة نصوص"
-
تاب تعريفي بـ"الكاثار"، الشيعة المسيحية التي هيمنت على تلك
المنطقة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين.
-
جموعة مقالات لجون برجر في النقد الادبي والفني.
-
رواية "مديح زوجة الاب" لفارغاس يوسّا.
ومضات
الكتابة الايروسية
يروي
يوسا قصة حب فتى يافع لزوجة ابيه المثيرة قاطعا سرد الولد العاشق
بفصول تروي قصص الحب والجنس عند ملوك وآلهة من التراث الاغريقي.
بل ان القسم الاكبر من رواية يوسّا استنطاق للقص الاسطوري في
اللوحات الفنية: ملك ليديا المفتون بعجيزة زوجته، في لوحة لجاكوب
جوردياش، ولوحة فرانسوا بوشيه الشهيرة "ديانا تستحم"، ولوحة
"فينوس والحب والموسيقى" لتيسيان، ولوحة "البشارة" لفرا أنجيليكو
وغيرها.
ينطوي
نص الروائي البيروفي على ومضات من الكتابة الايروسية الناضجة.
وما عدا ذلك من العاديات. اما اللوحات الفنية فد ادرجت في النص
لغرض تزيين السرد الروائي ليس الا. لا يشذ عن هذا الا اللوحة
التجريدية الحديثة التي يشبهها اليافع بزوجة الاب. والتشبيه
هو عقدة السرد. تنحل العقدة عندما يفك الاب اللغز اذ يكتشف ان
تفاصيل اللوحة التجريدية انما هي تفاصيل جسد زوجته. فيكتشف الاب
بذلك ما وقع بين الابن وزوجة ابيه.
يروي
يوسا قصة ولد يتركنا سلوكه بلا تفسير. فهو يغري زوجة ابيه في
اربعينها فيضاجعها ثم يفشي السر الى ابيه عبر فرض دراسي، فيستجلب
التعاسة للاب ولزوجة الاب معا. اذ ان الاب الشغوف حد الهوس بجسد
زوجته لا يلبث ان يطلقها. وفي حوار للولد مع مربيته الشابة،
يزيد الولد من الغموض الذي يلف دوافعه. تسأله المربية هل اقدم
على فعلته ليمنع اباه من ان يُحلّ امرأة اخرى في فراش امه؟ فيجيب
انه صارح الاب بعلاقته بزوجة ابيه من اجل المربية! عقدة اوديب
ليس اذا عقدة الرواية، ولا الحل.
في
ايروسية يوسا عبادة للجسد النسائي وقد بات شميما ولميسا واصواتا.
هنا يشكل الانف والاذنان والردفان الف باء ابجدية ايروسية مبتكرة
تريد ان تتحاشى التركيز على المفردات التقليدية للنص الجنسي:
النهدين والفرج. على ان يوسّا يغلّب الطقس على الفعل، فتأتي
ممارسة الحب في روايته متقطعة سريعة.
ولعل
الكلمة المفتاح في رواية يوسّا هي الطقوسية. تدور معظم طقوس
الرواية مدار الماء والاغتسال والتمرحض: تمرحض الرجال واغتسال
النساء، بما فيه طقس الاغتسال قبل المجامعة. وذروة هذه الطقوسية،
وصف الروائي للدقائق التي يقضيها احد الارستقراطيين متأملا خراءه
الذي يواظب على انزاله في الساعة عينها من كل يوم.
ليلك
الطفولة
تشاء
الصدفة ان يتطرق كلا من يوسا وبرجر للتمرحض والبراز البشري.
ولكن كل واحد منهما من موقع مختلف، واي اختلاف.
يجمع
كتاب جون برجر نصوصا مختارة من النقد الادبي والفني لن اتطرق
اليها هنا. بل اكتفي بواحد منها فقط. ولا بد بادئ بدء من ملاحظة
الفارق بين الكاتبين. يوسا روائي فيما برجر حكواتي. برجر حكواتي
القرية حتى عندما يكتب ما يمكن اعتباره "رسالة" في موضوع معين
او مقالة في النقد الادبي والفني.
في
النص المعني، يروي الحكواتي برجر تجربة شخصية. هذا الكاتب والناقد
الكبير يعيش منذ عقود من الزمن بما هو فلاّح في قرية نائية في
اعلى جبال السافوا الفرنسية تعوزها المجارير الحديثة لتصريف
الافرازات البشرية. وفي شهر ايار من كل عام، يحفر برجر حفرة
كبيرة ليطمر فيها الخراء البشري المتراكم في بيته خلال الشتاء.
والحال
ان مهمة طمر براز الشتاء هذه مناسبة لتأملات وتخييلات لامتناهية
عند الكاتب، توحي له رائحة البراز بصور من الجنة، لا توحي بصور
الملائكة والقديسين، وانما بصور جنة من خضرة وماء. على الذين
قد تصدمهم العلاقة يرد برجر على شاكلة سؤال: من اين تأتي احلام
الطهارة والنضارة الا من الحضور الدائم والعميم للغبار والوحل
والخراء؟
على
المنوال نفسه من اقامة العلاقة بين السافل والسامي، يستشهد برجر
بملاحظة للروائي التشيكي ميلان كونديرا يقول فيها ان الحجة على
عدم وجود الله هي الحكم على الانسان بأن يتبرز. فلو كان الله
موجودا لما حكم على البشر الممارسة اليومية لمثل ذاك الفعل الشنيع.
يعلق برجر ان مثل هذا القول انما هو عينة معبرة عن الفكر النخبوي.
يحوّل النخبويون النفور الطبيعي الى صدمة اخلاقية. فتلك عادة
متأصلة من عادات النخبويين. وهذه عادة اخرى عندهم: الشجاعة قيمة
يعجب بها الجميع. لكن وحدهم النخبويون يذمّون الجبن على انه
شر فيما المحرومون والفقراء، ناهيك بالجنود والمقاتلين والمناضلين،
يدركون تمام الادراك ان الجميع قابل لأن يجبن في حالات معينة.
ينفي
برجر وجود الشر في الطبيعة. ليس الشر وليد تخثّر المادة، كما
في الخراء، انما الشر وليد قدرة البشر على ان يقنعوا انفسهم
بالشر. الشر في البشر، اذا وعلى عكس الكثير ممن يريدون اقناع
انفسهم واقناعنا معهم بأن السلوك غير البشري هو سلوك حيواني،
يؤكد برجر ان الوحشية ليست من نتاج الحيوان ولا هي من نتاج الطبيعة.
فيخلص الى ان "الوحشية هي نتاج اقناع انفسنا بالحاق الاذى بالآخر
او هي نتاج التجاهل الواعي للألم الذي يعاني منه الآخرون" (ص41).
يمكن تفادي الشر، يستنتج برجر، لكنه يستدرك قائلا ان تفادي الشر
خيار، نستطيع ان نختاره او لا نختاره.
برجر
الحكواتي فلاح مضطر لأن يتعامل والخراء. فترده رائحة البراز
الى الطفولة والى مشهد تفتّح نوّارات الليلك، فيتذكر رائحتين
متمازجتين، الليلك والبراز، هي ذاكرة تعود الى زمن طفولي لم
يعد يعرف الكاتب فيه اسما الا لليلك ولا للبراز!
اليس
الحلم بالجنة هو الحلم بليلك الطفولة؟
تكفير
العالم الارضي
قد
يوافق الكاثار على رأي برجر القائل ان الشر ليس موجودا في الطبيعة
وانما في البشر. ولكنهم يدفعون ذلك الرأي الى نهايات عجيبة،
فيخلصون من تأكيد وجود الشر في البشر الى انكار وجود عالمنا
الارضي، بل قل الى تكفيره.
ظهرت
طائفة الكاثار المسيحية الهرطوقية في القرن الحادي عشر في بلاد
الليموزان وانتشرت في وسط فرنسا فكانت مراكزها الرئيسية في مدن
وبلدات تولوز وكاركاسون وبيزييه. تأثر انصارها بالديانات الشرقية
مثل المزدكية والمانوية. وابرز معتقد لديهم رفضهم الاعتراف بوجود
حقيقي للعالم المحسوس، الذي هو نفي خُلق من غير تدخل الارادة
الربانية. ولما كان الخلق الوحيد هو ما صنعه الله، فان الروح
وحدها حقيقية. من هنا ان اساس الشر كامن في هذا العالم. اذ لا
يمكن للشر ان يكون صادرا عن الله، ان هو الا من صنع الشيطان.
هنا التأثير المزدكي الفارسي على مذهبهم، اذ يرون الى الكون
مسرحا للصراع بين مبدأين: مبدأ الخير خالق العالم الروحي، ومبدأ
الشر المتجسد في الشيطان، خالق العالم المادي، الحسي. لذا كان
على الانسان ان يتحرر من العالم المادي لكي يستطيع الانفلات
من امارة السوء الذي يسيطر عليها الشيطان وتحقيق الاتحاد بالخالق.
كيف
يكون ذلك؟ يكون بانتصار مبدأ الخير على مبدأ الشر وفق نظرية
طوفانية نشورية لنهاية العالم. عندما تحين اللحظة الآتية، سوف
تغمر المياه الارض وتنخسف الشمس والكواكب وتسود الظلمات. "والنار
سوف تستهلك المياه والمياه سوف تطفئ النيران". وفي انتظار تلك
اللحظة الآتية لا محالة، ما الذي يترتب على المؤمنين؟ يتعين
عليهم ان يعيشوا حياة التقشف البسيطة الطهرانية التي يفرضها
الكاثار على انفسهم. فقد مجدوا العذرية ودعوا الى الامتناع الجنسي.
ولما كانوا يؤمنون ايضا بالتقمص وتناسخ الارواح، ما جعلهم يرفضون
قتل الحيوان وامتنعوا عن اكل اي من مشتقاته.
وكانت
الجماعة الكاثارية تنقسم الى فئتين: فئة تسمى "الكاملون" (او
المختارون) وفئة المؤمنين العاديين. الاولون، يتلقون العمادة
الروحية (الكونسالامنتم) التي تتم بتقاطع الايدي ويُجبر الذين
يتلقونها على سلوك حياة عذرية وتقشف. فيمتنعون عن اكل اللحوم
والبيض وكل مأكول ذي اصل حيواني ويحرّمون على انفسهم شرب الخمر
والاتصال الجنسي. والى ذلك كان الكاملون يتخلون طوعا عن كل ممتلكاتهم
الدنيوية ويعيشون على صدقات المؤمنين العاديين. اما هؤلاء الاخيرون،
وكانوا يسمون ايضا "الخيرون" فلم يكن مطلوبا منهم مثل تلك التضحيات
والتحريمات القاسية المفروضة على الكاملين، بل كان يكتفى بأن
يتلقوا العمادة الروحية عند الوفاة. وكان للكاثار اساقفتهم وقد
اعتبروا انفسهم كنيسة قائمة بذاتها. ولما كانت حركتهم ايضا ردة
فعل على فساد رجال الدين، شيدوا كنيسة خاصة بهم، يرأسها اساقفتهم
ورفضوا الطقوس الدارجة للكنيسة الكاثوليكية الرسمية، بما فيها
طقوس الزواج.
مارس
الكاثار التضامن الشديد فيما بينهم مثلما اشتهروا بممارسة المؤاساة
بعضهم لبعض. ولن تعجب، وقد بلغ ايمانهم بالروح تلك المواصيل،
انهم استهتروا بالموت استهتارا. وعرف عنهم سعيهم للاحتراق بالنار،
ما جعل خصومهم يتهمونهم بأنهم يمجدون الموت ويشجعون على الانتحار.
ومن تقاليدهم النضالية ممارستهم "الانديورا" Endura وهي الصوم
او الاضراب على الطعام عند الاعتقال.
انتشرت
شيعة الكاثار بين عامة الشعب في وسط فرنسا، الا انهم تكاثروا
بين الحرفيين، والحائكين منهم خصوصا، ولكنهم لقيوا تأييدا واسعا
في صفوف النبلاء والبورجوازيين والفرسان والتجار والفلاحين.
بل ان كبار اقطاعيي فرنسا مالوا اليهم وخصوصا نبلاء مدينة تولوز،
ثالث اكبر مدن اوروبا، بعد البندقية وروما. وتولوز آنذاك منطقة
غنية من ابرز معالمها الثقافية التروبادور، الشعراء الشعبيون
الذين كانوا يعممون قيم الاستقامة والمساواة ويرفضون حق الاقوى
ويمجدون الانسان.
تحصّن
الكاثار في قلاع منيعة واشهرها قلعتهم المقدسة في "مون سيغور"
القلعة المبنية على شاكلة تابوت يعكس كل حركات الشمس في دورانها.
واغلب الظن انها كانت في الاصل معبدا مانويا.
للتكفير
عادات. وللعنف عادات. والتكفير اعظم مسوّغ للعنف. فاذا التكفير
الذي مارسه الاوروبيون في الحملات الصليبية ضد العرب والمسلمين
خلال سنوات 1095 - 1270 يرتد ضد الاوروبيين انفسهم عند انتهاء
الصليبية المشرقية. فبدأ البحث عن الكفار داخل البيت الاوروبي
المسيحي. فقرر بابا روما اينوتشنتي الثالث شن حملة صليبية على
الكاثار. وخلال لا اقل من عشرين عاما بين 1209 و1229 تدفق اكثر
من 300 الف جندي صليبي من كافة انحاء اوروبا وارتكبوا بحق الكاثار
مجازر كان اشهرها مجزرة مدينة بيزييه قتل خلالها نحو 20 الفا
من اهالي البلدة. ونسب الى احد قادة تلك الحملة انه عندما سأله
جنوده كيف التمييز بين الكاثار الكفرة وبين عباد الله المؤمنين
من سكان المدينة، دعاهم الى القتل دون تمييز "اقتلوهم جميعا"،
اجاب "سوف يتعرف الله الى ابنائه بينهم".
واذ
احتل الصليبيون مدينة كاركاسون، انكفأ الكاثاريون الى قلاعهم،
ثم اخذ الصليبيون يحاصرون القلاع الكاثارية. وفي عام 1228 انعقد
مجمع تولوز الكنسي، الذي ولدت فيه محاكم التفتيش ونيط بسلك الرهبان
البنيدكتيين مهمة مطاردة الهراطقة الكاثار. وفي عام 1252 صدر
رقيم بابوي يبيح لمحاكم التفتيش استخدام التعذيب خلال التحقيق
مع الهراطقة.
ونظم
الكاثار مقاومة سرية ضد الكنيسة الرسمية والسلطة الملكية استمرت
عشرات السنين الى حين سقوط قلعتهم المقدسة في "مون سيغور".
ولم
يكن امر الكاثار بلا مضاعفات مناطقية وسياسية. مثلما كان ثمة
ارتباط وثيق بين استقلالية مقاطعة تولوز عن السلطة الملكية المركزية،
كذلك نشأ ارتباط وثيق بين مكافحة الكاثار وبين اخضاع تلك المقاطعة
لسلطة ملوك فرنسا. تم ذلك في عهد لويس الثامن وزوجته الطموحة
والقديرة بلانش دي كاستيل مؤسسي السلطة الملكية المركزية الفرنسية.
وقد وسعوا رقعة المملكة الفرنسية واخضعوا الارستقراطية العليا
بالاتكال على رجال الدين والبورجوازية الصاعدة. تحاشيا للاسوأ،
تعهد ريمون السابع، كونت تولوز، بتطهير المنطقة من الكاثار بنفسه.
فبين فقدان الاستقلال السياسي والتخلي عن الكاثار، اختار الحكام
التضحية بالكاثار. لم يتحقق لهم ما ارادوا. فقد ثار التولوزيون
ضد محاكم التفتيش وارتكبوا مجزرة بحق زباينتها والجلاوزة، بتواطؤ
ان لم نقل بقيادة ريمون السابع. تنتهي المعارك بمصالحة بين سان
لوي، ملك فرنسا، وحكام تولوز، لكن بلانش دي كاستيل اعطت امرها
الى امير كاركاسون لكي "يقطع رأس التنين"، حسب تعبيرها، اي اسقاط
حصن "مون سيغور". وهكذا صار. تزامن اسقاط آخر قلاع الكاثار مع
وفاة ريمون السابع، كونت تولوز، سنة 1248 فانقضت استقلالية منطقة
اللاغندوك وانضمت الى التاج الفرنسي.
مأساة
الكاثار انهم اقنعوا انفسهم بأن العالم شر وقائم على الشر. فصاروا
هم الشرّ.
فـواز
طـرابـلـسـي - الاحد 27 تموز 2003 - النهار