سجال أدونيس وسلمى الخضراء الجيوسي حول أغاني مهيار وسريان الدمشقي

تنفض الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي الغبار عن ماضي الشاعر السوري أدونيس، وكذلك عن توجهاته السياسية والفكرية، في ردها على ما كتبه عنها الشاعر في عدد جريدة الحياة بتاريخ 30يوليو المنصرم. فقد ذكرت في عدد جريدة الحياة بتاريخ 9أغسطس المنصرم أنها لم تقصد في ملاحظتها حول تسمية ديوان "أغاني مهيار الدمشقي" لأدونيس الواردة في كتابها "الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث" بالانكليزية أولا ثم بالعربية عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، أن تؤكد شعوبية اتهم بها أدونيس منذ عقود طويلة. فالشعوبية بنظرها توجه لمن هو ليس عربياً.
وتضيف الدكتورة بأن اختيار أدونيس لديوانه اسم مهيار لابد ان له تفسيرا عنده ومعنى خفياً على القارئ. غير انه من كل بد ذو قرائن مباشرة بقضية مهيار الديلمي. ولعله نوع من التحدي ولهذا قصة قديمة.
هذه القصة القديمة تسردها الدكتورة سلمى على النحو التالي: "عندما انتهى أدونيس من إعداد ديوانه هذا للنشر جاء لزيارتي في منزل الصديقة ليلى بعلبكي في رأس بيروت. وفاجأني بقوله إنه سوف يسمي هذا الديوان "أغاني سريان الدمشقي".. صُعقت واعترضت اعتراضا شديداً على هذه التسمية الخالية من الحكمة وعبّرت له، وانا الحريصة تاريخياً على كل موهبة عربية مبدعة من رفضي الكامل لهذه التسمية لأسباب واضحة. فعاد وسمّاه أغاني مهيار مبقياً على مقارنات الاسمين".
وتنتقل الدكتورة بعد ذلك إلى البؤرة الساخنة التي سببت توتر ادونيس، فتدافع عما ورد في كتابها حول تسمية الشاعر لديوانه باسم اغاني مهيار: "ليس تأويلي فاسدا ولا أتعاطى بالتمويهات، ولم أتستر يوماً وراء الكلمات والبلاغة التي تجلب حماسة جمهور قارئ لم يزل مأخوذاً بالتخريجات اللفظية. ما كنت أحب أن أقرأه في كلمته هو لماذا سمّى ديوانه باسم مهيار، وما علاقته هو، صاحب الديوان، بمهيار؟ ولماذا كان ينوي تسميته بسريان؟ لابد أن تكون ثمة علاقة بين الشاعرين، مهيار وادونيس، حتى يخرج علينا ادونيس بهذا الاسم. فما هي هذه العلاقة؟ وماذا كان يتمثل في ذهنه يوم اقترح أن يسميه "سريان"؟
تكتفي سلمى الخضراء الجيوسي بطرح هذه الأسئلة ولا تجيب عليها. هي تدعو الشاعر إلى الاجابة دون أن تدري، على الأرجح، أن ظرف الشاعر في الوقت الراهن لا يتسع لمثل هذه الاجابة فأدونيس بعد أن تمكن من إحداث "دفرسوار" في مصر، وفي غير مصر أيضاً، إذ أمكنه الحصول على بعض الاعتراف وحضور بعض الندوات والمؤثرات التي لم تكن باستطاعته في السابق حضورها. لا يريد العودة إلى ماضيه وفتح صفحات لم يصدق أنه تجاوزها، أو أن النسيان قد زحف عليها. فهل تعتقد سلمى الخضراء الجيوسي ان السذاجة تبلغ بأدونيس حدّ الوصول إلى شرح ما دار في ذهنه يوم رغب بتسمية ديوان "أغاني سريان الدمشقي"، أو يوم تراجع عن هذه التسمية إلى تسمية أخرى لا تقل دلالة عن الأولى هي: "أغاني مهيار الدمشقي"؟ ان كل ما اراده ادونيس بعد ان بات باستطاعته التجول في شوارع القاهرة وبقرب الازهر، وبعد ان نجح الاوروبيون في اقامة حفل له في بلده سوريا، ان يقول لذوي الاتجاه العروبي الذي تمثله سلمى الخضراء الجيوسي: لقد اخطأتم عندما وصفتموني بالشعوبي. سامحكم الله! ألم تروني اجلس مؤخراً إلي جانب وزير الثقافة المصري فاروق حسني في مؤتمر هام للثقافة العربية عُقد مؤخراً في القاهرة؟ هل يمكن لشعوبي ان
يحلم بالجلوس في مؤتمر كهذا الى جانب وزير ثقافة اكبر دولة عربية؟ ان كل هذا الذي وجهته لي سلمى الخضراء الجيوسي في كتابها حول تسمية هذا الديوان، وحول سواه، هو افتراء لا ذرة في الحقيقة فيه.
وفي اعتقادي ان آخر ما دار في ذهن ادونيس وهو يكتب ما كتب حول ملاحظة الباحثة الفلسطينية على اسم ديوانه، هو ان ترد هذه الباحثة على ما ورد في مقاله. ذلك ان من يقرأ مقالات ادونيس الاخيرة في جريدة "الحياة" يلفته غرور متضخم وقع الشاعر ضحيته لأسباب مختلفة منها ما اشرنا اليه، ومنها تمكنه من كسب بعض الكتاب والباحثين العرب الى جانبه، لسبب او لآخر، ومنها ان كتّاباً عرباً آخرين بادروا هم الي مغازلته بعد أن نُمي اليهم ان لادونيس نفوذا واسعا في الغرب، وبامكانهم ان يحصلوا منه على مكاسب. فهؤلاء الكتاب يرسلون الى بعض الصحف مقالات فيها بعض العتب عليه استنادا الى ما كتبه عن العرب في مؤلفاته النثرية والشعرية، وفيها، في الوقت نفسه، ما يُفهم منه بأنه استدراج عروض منهم.. فيسارع هو الى الرد، موضحاً بانه لم يقصد فيما كتبه في "الثابت والمتحول" او في "الكتاب" كذا وكذا، وانما قصد كيت وكيت، او بأن ما فهمه هؤلاء الكتّاب من كتبه ليس دقيقاً او صحيحاً، فقد قصد هذا الامر ولم يقصد سواه.. وبعدها تتوالى الاتصالات وتبدأ عملية "البازار" والصفقات..
والواقع ان ادونيس يمر اليوم في مرحلة دقيقة يريد فيها التستر على ماضيه السياسي والفكري، لإجلاء هذا الماضي فهو يروي ما يريد روايته، وبحسب طريقته، ولأسباب معروفة. اما الرواية الصحيحة حول هذا الماضي فلا يستطيع هو تقديمها، وانما الذي يستطيع تقديمها باحثون آخرون لا مصالح خاصة لديهم ولا يستطيع ادونيس ان يفسد نزاهتهم، كما افسد نزاهة الكثيرين من الباحثين والنقاد والصحفيين، هنا وهناك.
والذي يمكن قوله، ولمصلحة التاريخ الأدبي وحسب، هو ان ادونيس في المرحلة التي كتب ونشر فيها ديوانه "اغاني مهيار الدمشقي" كان قومياً سورياً عدواً بالغ العداوة لكل ما هو عربي. فقد كان يعتبر، وما زال الى اليوم على التأكيد، ان الفتح العربي لسوريا اجهز على سوريا السريانية النصرانية القديمة التي يمحضها هو ولاءه، واليها ينتسب في العمق. وكلمة "سريان" هنا خالية تماما من اي التباس، تماما ككلمة "مهيار". "سريان" تعني تجاوزه للحقبة العربية الإسلامية التي عربت سوريا، لصالح حقبة سابقة عليها هي الحقبة السريانية وما اليها، وهي الحقبة الوحيدة التي يعترف بها، وينوح عليها في آن. وعبارة "الدمشقي" هنا مستخدمة بكثرة في الادبيات النصرانية التاريخية في بلاد الشام. فاحد الاولياء النصارى المعروفين في تلك المرحلة السورية السريانية الغابرة اسمه "يوحنا الدمشقي". ولا شك ان الشاعر قصد احياء تلك المرحلة، تماما كما قصد الشاعر اللبناني سعيد عقل إحياء المرحلة الفينيقية عبر ديوانه "قدموس" وادونيس وسعيد عقل وان اختلفا في بعض التفاصيل، الا انهما متفقان في الجوهر، وهو استبعاد العرب من حساباتهما ومحاولة بعث الماضي السرياني والفينيقي من رقاد القبور كيدا
وحقدا وكراهية.
ويبدو ان ادونيس، نزولاً عند اعتراض سلمى الخضراء الجيوسي يومها، او، في الاعم الاغلب، مراجعة منه لحسابات اخرى، عدّل عن استخدام عبارة "سريان" ولكن لصالح عبارة اخرى لا تقل كيدا وحقدا وكراهية للعرب عن الاولى، هي عبارة "مهيار" الشعوبي العباسي المشهور.. صحيح انه طوى صفحة سوريا السريانية النصرانية، ولكنه فتح صفحة لا تقل دلالة عنها، ان لم تكن فاقعة اكثر، في صفحة ذلك الشعوبي القديم الذي كان يفتخر بابيه كسرى ومجد الفرس.
لقد كان ادونيس يومها مخلصاً مع نفسه كل الاخلاص: تريدونني ان اغير اسم "سريان"؟ سأفعل! ولكن لصالح سريان آخر هو مهيار.. تريدونني ان اتسمى باسم محمد او عثمان او هشام او زياد او عبدالملك؟ يا للاسماء التي تنفر منها حتى "الجينات" في داخلي! لقد هربت من كل اسمائكم إلى الاسم الذي اطلقه علي زعيمي انطون سعادة ذات يوم وانا انشده (وكنت في السادسة عشرة من عمري) قصيدة مدح: أدونيس.. وهو اسم فينيقي. حتى بنتاي اطلقت عليهما اسمين فينيقيين من الحقبة السابقة للعرب المسلمين: ارواد ونينار!
ويتابع ادونيس نجواه الداخلية التي لن يرسلها في اي مقال قادم لا الى جريدة الحياة ولا الى سواها، بل سيحتفظ بها في نفسه: "صحيح انني انسحبت ذات يوم من الحزب القومي السوري الذي يقول "بتوصية سورية" ولكني قومي سوري باستمرار، وفينيقي وكنعاني بلا انقطاع. لقد اطلعتُ ما فُطرت عليه، وكنت وفياً لما عاهدت به والدي ذات يوم. العدو هو العرب والمسلمون، والصديق هو عدوهم. وكتبي النثرية، ودواوديني الشعرية، ومقالاتي كلها تنضح بهذا الولاء. لقد شُبه لبعضهم في بعض الحقب، انني ناصري او ماركسي او غير ذلك. كذبوا! قد تضطرني الظروف للبس هذا الثوب يوما، وللبس سواه يوماً آخر، ولكن ثوبي الحقيقي واضح جدا امامي وامام الكثيرين من "الدعاة" و"الانصار" الذين يعرفونني ويعرفون قراءة كلماتي ويفكون غوامضها ومغاليقها بحسب شيفرات قديمة ومستحدثة. العدو واحد، وماضيّ وحاضري يشهدان على ذلك، وكل ما في الامر ضرورة استخدام بعض السياسات المرنة بين الحين والآخر"!
ان من يقرأ كتاب سلمي الخضراء الجيوسي: "الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث" الذي لا نظير له في الاحاطة والموضوعية والنزاهة، يجدها تتحدث عن ادونيس وعن سواه من الشعراء العرب المعاصرين حديث الباحثين الثقاة الذين يقتصدون الوصول الى نتائج علمية وبحثية خالصة. تعرض لشعره، تبدي ملاحظات حوله، وقلبها او قلمها خال من اي قصد مسبق. تماما كما عرضت لشعر سواه. ولكن الشاعر لا يريد من سلمى، ولا من سواها، مثل هذا النهج. هو يبحث عمن يصفق له؟ ولكن ماذا يتبقى من بحث هو عبارة عن تصفيق حاد؟
تقول سلمى الخضراء الجيوسي في ردها على ادونيس ان الشعوبية بنظرها لا توجه الا للاجنبي، او لغير العربي. وهو قول لا يوافقها عليه ادونيس اذ يقول لها ضمناً ان الشعوبي يمكن ان ينطق بالعربية او يكتب بها، ويكون في باطنه عدوا لدوداً للعرب وقضيتهم. ويطرح ادونيس نفسه نموذجا لهذا الشعوبي الذي ينطق بالعربية ويكتب بها، ولكن قلبه او وجدانه يخلو من ادنى ذرة من التعاطف مع العرب. ويقول للدكتور سلمى: انظري! قد لا تصدقين! ولكن ألم تر انني قصدت في الاسماء التي سميت نفسي بها انه ليس فيها اي اسم عربي: من ادونيس الى سريان الى مهيار؟ هل تريدني اثباتات اخرى؟ اذن عودي الى كتاباتي واعفيك مسبقاً في المجاملات..
تكمن المشكلة بين سلمى الخضراء الجيوسي وادونيس في التكوين النفسي والفكري لكل منهما: الأولى قادمة من فلسطين والعروبة والإسلام والفطرة السليمة السوية وطريق الاحلام هي القدس، في حين ان الثاني قادم من غير فلسطين والعروبة.

 

جريدة "الرياض" - 28.8.2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri