أهرامات
غير ناقصة وبقايا زنابق ودماء في الغابات العذراء
من
كانكون إلى ميريدا مرورا بعاصمة المكسيك تشرق الشمس منذ الأزل
فوق الكاريبي على تاريخ مثقل بالخرافات
إذا
كانت العذرية تعني براءة الروح فهناك قارات ما تزال عذراء تحتفظ
غاباتها بكل بكارتها الاصلية رغم فحش الزمن الذي يعمر ويدمر ويفسح
في لحظات هدوئه المريب المجال لترقيعات جمالية من صنع الجراح الانسان
الذي يجرح هو الآخر ويداوي ويزرع ويلوث ويظل مسكونا بهاجس الأبد
والخلود، فيكدح ويقدح زناد أفكاره وسواعده ويفسح لمخيلته المجال
على مداه ليضيف للطبيعة ما ليس فيها، ويقول لمن بعده بلغة الاحجار
والاشجار: لقد عبرت من هنا وتركت بصمتي ورحلت وظلت الطبيعة بعدي
عذراء. فهل هي كذلك فعلا؟
طرحت على نفسي هذا السؤال من فوق اهرامات «تشيتزانيتزا» بالمكسيك،
وفيما كنت أسرح البصر الى آخر مجالات الرؤية في تلك السهوب البكر
التي شهدت حضارات «التوليك والمايا والازتيك»، تذكرت انهم لا يسمون
اميركا اللاتينية القارة العذراء فحسب، بل قارة الاخطاء ايضا،
فالذي اكتشفها لم يعرفها ولم تحمل اسمه وحدث من شدة الجهل بها
وبحضاراتها عند الاوربيين ان خلطوها بتاريخ الهند وجغرافيتها،
وكان من الطبيعي على هذه البداية الخاطئة ان يحمل أهلها الاصليون
ـ وما كانوا هنودا». اسم الهنود الحمر.
لقد حملت تلك القارة اسم البحار الايطالي «أمريكو بيسبوثيو» أما
الذي قام بأربع رحلات الى تلك البلاد تحت راية التاج الاسباني
أولها عام 1499 وأطلق الاسم على تلك القارة الشاسعة ـ كما يقال
ـ فهو كريستوفر كولمبوس الذي ينسب اليه الكشف الفعلي لأميركا اللاتينية
التي لم ينسبها لنفسه، انما ومن شدة حبه لزوجته كرم بالاسم والدها
البحار امريكو، والاثنان من اتباع الملكة ايزابيلا كاثوليكا التي
رهنت مجوهراتنا التي استولت عليها من قصر الحمراء بغرناطة لتدفع
تكاليف تلك الرحلات.
وعلى ذكر غرناطة لا بد ان تسأل نفسك في المكسيك وفي كل بلد أميركي
لاتيني خضع للاسبان: هل كان من الضروري ان يذهب خورخي لويس بورخيس
الى مملكة أبي عبد الله الصغير ويلمس أعمدة قصره ليكتب قصيدة الحمراء
بين الليمون والياسمين:
عذب خرير الماء
الذي كدرته رمال داكنة
عذب ملمس رخام العمود المدور
في اليد المجوفة
رائقة متاهات الماء الدقيقة
تجري بين اشجار الليمون
رائقة موسيقى الزجل
سائغ هو الحب
حلوة الصلاة لرب واحد لا شريك
عذب هو الياسمين
اميركا اللاتينية كلها اندلس اخرى والمكسيك بالذات أوضح القرائن
فهناك وغير العمارة الاندلسية التي تجدها في كل عاصمة لاتينية
ازدهرت الموسيقى الاندلسية حيث الحزن بلا نهاية والاحساس بالظلم
التاريخي داخل كل قلب وعلى كل لسان، ولم تكن صدفة أبدا ان تزدهر
الحان التانجو الراقصة في الارجنتين وتأخذ المكسيك الحزينة على
عاتقها تطوير لحن «اليا رافي»
وهو لحن لا توازيه بالحزن غير المراثي الكربلائية.
* هجرات التيه العربي
* لقد دخلت المكسيك القديمة من احدث مدنها (كانكون) التي لا يسمع
بها العالم الا كلما انعقدت مؤتمرات الحوار بين الشمال والجنوب،
ومن الطبيعي لكل من يريد زيارة الهرم الوحيد المكتمل الباقي على
سطح الكرة الارضية في «تشيتزانيتزا» ان يعبر في كانكون التي تبعد
مسافة ساعة ونصف الساعة بالسيارة من اهرامات المايا، وله ان يعبرها
وان لم يكن من عشاق الآثار، وسوف يستمتع بدون أبراج وأهرامات ففي
تلك البلدة التي ولدت في السبعينات متع مقطرة تجلب نصف سكان أميركا
الشمالية الذين اقتطعوا أكثر الاراضي المكسيكية خصوبة ونفطا، وجاءوا
الآن ليكملوا صنيعهم بالمساهمة في عمليات تلويث الغابات العذراء
في شبه جزيرة «يوكاتان» التي تمتلك أجمل الشواطئ الدافئة على الكاريبي.
ولأمر يصعب تفسيره وبغض النظر عن وجود الفاتنة ذات الهرمين سلمى
الحايك، فان الوجود العربي في المكسيك اقل منه في معظم دول تلك
القارة مع انها كانت في القرن التاسع عشر الذي تكثفت فيه هجرتهم
أرضا مناسبة تماما لتجارتهم، فقد ذهب السوريون واللبنانيون الى
اميركا اللاتينية في بدايات هجرات التيه، وكل بضاعتهم المسابح
والماء المقدس وحبات الزيتون القادمة من مهد المسيح، وكان في المكسيك
15000 كنيسة رعاياها متشوقون لهكذا بضائع، لكن اضطرابات المكسيك
المستمرة وثوراتها المتعاقبة جعلتها قليلة الاغراء، فاكتفى اولئك
المغامرون بالتمدد باتجاه فنزويلا والبرازيل والارجنتين لتأتي
المكسيك على اتساعها في مرتبة خامسة أو سابعة. ويجب ان نسقط من
هذه الحسابات تكساس التي اقتطعها الاميركيون من المكسيك وفيها
او في «سان انتونيو» وحدها كثافة عربية توازي تلك الموجودة في
مربط خيلنا الارجنتين.
ولا تأخذ المهجرين بالنتائج بل بالمقدمات، فهؤلاء العرب الذين
صاروا رؤساء ووزراء في أميركا اللاتينية معظمهم نتاج باعة متجولين
قال عنهم الشاعر زكي قنصل قصيدة يجب ان يتمعنها جيدا كل من يفكر
بالهجرة بعيدا عن الجذور:
فراق اهلك جرح ليس يلأمه
ما في البرية من جاه ومن نشب
ويح المهاجر يسعى في مناكبها
يقظان من وجل سهران من نصب
اذا انتمى القوم ألوى وجهه خجلا
أنّى يعز شريد ضائع النسب؟
لا رجله في بلاد الناس راسية
ولا بموطنه موصولة السبب
أغرته خلف مرامي الافق جلجلة
وزلزلت عقله اسطورة الذهب
وما تعلم إلا بعد هجرته
ان السعادة شيء ليس في الكتب
ويا ويح المهاجر الجديد كم سيصفن مفكرا قبل اتخاذ القرار حين يعلم
ان بعض أجداد هؤلاء الذين هاجروا ونجحوا ونجوا انتهوا كما ينتهي
الدجاج والغنم أسياخ ـ شيش طاووق وشيش كباب ـ على نار هادئة لا
شرقية ولا غربية توقد بحطب الغابات العذراء وبنار الجوع عند بعض
القبائل من أكلة لحوم البشر.
وهذه ليست تشنيعة بل حقيقة تاريخية سجلتها مجلة «كاراس أي كريتاس»
في كانون الاول ـ ديسمبر عام 1910، فقد لا حظ الناس حينذاك ان
بعض الباعة المتجولين العرب الذين يقيمون في قرية الجنرال روكا
ينتقلون الى القرى المجاورة ببضائعهم ثم لا يعودون، وبعد غياب
اكثر من 130 منهم قامت سلطات مقاطعة «الريو نيكرو» بالتحقيق لتكتشف
في منطقة غير مأهولة قبيلة من أكلة لحوم البشر عاشت عدة سنوات
على لحم المهاجرين الشوام.
ان يقتل الانسان البدائي ليأكل مسألة يمكن هضمها بصعوبة مقارنة
بجذوره الحيوانية اما ان يقتل من دون جوع فذاك ما يتفوق به الانسان
على حيوانات الغابة جميعا. وليس في المكسيك اليوم أكلة لحوم بشر
لكن اجدادهم كانوا يقتلون كما تشير اساطيرهم لارضاء الآلهة، وقد
شاهدت بأم عيني على قمة هرم «تشيتزانيتزا» المكتمل الامكنة المنحوتة
في الصخر لوضع قلوب الاسرى لتنهشها الصقور وذوات المخالب، وما
ذاك على سبيل الانتقام إنما نوع من صلوات الشكر التي كانت تقام
بعد كل معركة.
وقد عرفت حضارات المايا والازتيك كمعظم الحضارات القديمة ظاهرة
التضحية بالبشر لإرضاء الآلهة، وكان ذلك يتم بصفة دورية، خصوصا
حين تشح الامطار، وكان الأنكيون اكثر حماسا للتضحية بالبشر لاعتقادهم
ان الغيوم لا تسقط امطارها الا اذا امتلأت الآبار بالدم، فعند
سفوح الاهرامات المكسيكية آبار كثيرة لذلك الغرض، بل في المكسيك
العاصمة وداخل أشهر معابدها المخصص لإله الشمس (تمبلومايور) حائط
كامل اسمه جدار الجماجم منحوت كاملا على شكل جماجم بشرية تمت التضحية
بها في مواسم الجفاف.
* شاعرات وثعابين
* وفي محيط أهرامات «تشيتزا نيتزا» ملعب للكرة يعود الى القرن
العاشر الميلادي ويفسر انتشار اللعبة الشعبية في تلك القارة وقبل
عشرة قرون كان المرمى مختلفا وأقرب ما يكون الى مرمى كرة السلة،
فهناك ثقب حجري على حجم الكرة تم تثبيته بشكل مائل وعلى اللاعبين
الا يلمسوا الكرة بالاقدام بل بالاكتاف والركب، ولا شك ان الحماس
كان موجودا الى حد ما بالرغم من معرفة الجميع بالعقوبة التي لا
تنتظر المهزوم بل المنتصر.
لقد كانت التضحية تتم كما قال لنا الدليل المثقف بالفريق المنتصر،
فبعد كل مباراة يجب تقديم قربان، ومن شدة ايمان المكسيكيين القدامى
كان يجب ان يقدموا لإله الشمس افضل ما عندهم، والمنتصر طبعا افضل
من المهزوم، وهكذا كان يساق الفريق الفائز في مراسم احتفالية الى
حتفه. والسؤال الصعب هنا: هل كان يلعب جيدا بالفعل الفريق الذي
يعرف ذلك الثمن الباهظ للفوز؟
وما كان المكسيكيون يعبدون الشمس وحدها فبعض آلهتهم الوثنية على
شكل وحوش منها النمر الاميركي «اولميكا» و«شاك» إله المطر وهو
على شكل ثعبان ورثته حضارة المايا من حضارة التولا وغيرت اسمه
من «شاك» الى «كوكولكان»، وهو منقوش في كل مكان، والشارع الرئيسي
في كانكون الحديثة يحمل اسمه ولك ان تقدر رهبة هكذا رمز في بلاد
يهطل المطر فوق غاباتها العذراء بدون انقطاع ستة اشهر في العام.
وتمتد تلك الغابات على مساحات شاسعة من كانكون الى ميريدا وكلها
دافئة وفاتنة ومجهولة الاعماق ومثقلة بالثمر الغريب، فلا عجب ان
حرصت نساء تلك القارة من جابريلا ميسترال الى ايزابيل الليندي
الى المكسيكية سورخوانا دي لاكروث على مقارنة الاميركيات اللاتينيات
بالطبيعة وبالغابات العذراء من حيث الغموض واالدفء والفتنة، والمشكلة
معهن انهن لا ينسين تدينهن حتى في أدق اللحظات حميمية في حياة
البشر كما فعلت «ديلميرا اغوستيني» القائلة:
سأقص عليك أحلام حياتي
في اقصى اعماق الليل الازرق
روحي العارية ترتعش بين يديك
وعلى كتفيك يسقط صليبي
اما التي تفوح بالربيع وتخصب كالشتاء وتحاكي الغابات والفصول وتزبد
كالبحار والمحيطات فهي خوانا ايباروبوروالتي فتنت أميركا اللاتينية
مطلع القرن الماضي بقصائد متمردة قالت في بعضها:
اعطيك روحي عارية
كتمثال لا يحميه حرير
ناصعة البياض كسوسنة
مفتوحة على مصراعيها للحب
جلدي مشبع من تلك العطور الحية
يمكنك ان تقبل ألف امرأة
لكن لا توجد واحدة بينهن
يمكنها ان تعطيك مذاق الجدول والغابة
الذي أحمله في داخلي
نساء أميركا اللاتينية واثقات من سحرهن وقوتهن كزنبق يقاوم عاصفة.
لكن القارة ككل لا تملك هذه الثقة، فهي ما تزال تعيش تداعيات «عقيدة
مونرو» الاميركية، وهذه ليست كمارلين مونرو ساحرة وبضة الملمس
انما كالقنفذ المتوحش الذي يدمي كل من حوله. فتحت ظلال هذه العقيدة
العدوانية التي وضعها سياسي أميركي ثعلب عام 1822 أُذلت القارة
وأهينت وتم إفقارها وإضعافها لتسهل السيطرة عليها. فأميركا لا
تسمح بقوي مستقل بعيد عنها، فما بالك لو كان بجوارها وعلى رمية
حجر من مزرعة بوش في تكساس؟
محيي
الدين اللاذقاني - الشرق
الأوسط - 10.10.2003