أحد
صناعها الكبار وعراب معارك آل تويني أنسي الحاج غادر "النهار"
بحزن "طويل حتى الينابيع"

لندن
إيلاف: من يلقي نظرة على الصفحة الاخيرة لصحيفة "النهار" اللبنانية
سيلحظ أن تغييرا كبيرا قد حصل لا يتناسب حجمه مع ضآلة ما أثاره
هذا التغيير، ان في النهار نفسها او في الشارع الصحفي اللبناني.
فأن يستقيل (؟) أنسي الحاج من منصب رئاسة التحرير ليحل محله الصحافي
غسان تويني بعد سنوات ثلاث من شبه اعتزاله، أمر يتجاوز بالتأكيد
الصيرورة التي تحكم مسارات البدايات والنهايات ويخرج عن سياق السنن
الطبيعية التي تحكم انصرام عمر ما، أكان هذا عمرا مهنيا او عمرا
حياتيا أو أي عمر آخر...لا فرق.
ليس غريبا بالطبع أن يتسقيل أنسي الحاج بعد أن أنفق من العمر قرابة
سبعين عاماً، لكن الغريب أن يغادر مكتبه دون أن يجرؤ على وداعه
الا عدد من الصحفيين لا يتجاوز مجموعهم، مجموع فقرات إصبع واحد،
هو الذي امضى في "معبد النهار" أكثر من نصف عمر الجريدة التي بلغت
سبعينها منذ اسابيع قليلة. بل الأغرب أن يسدل الستار خلف أنسي
الحاج دون أي اشارة الى إنتهاء مدة مخدوميته على جري عادة الصحف
الكبيرة حين يغادرها كبير...ثم أن العلاقة التي تشد أنسي الحاج
الى "النهار" كما الى آل تويني ترفد هذه النهاية لدوره في الصحيفة
بمناخات دراماتيكية تتقاطع عندها نهايات وبدايات وتختلط فيها حكايات
وأعمار وتشتعل بها أزمنة وحقب كثيرة.
المعلن من حيثيات هذا الختام لدور أنسي الحاج كرئيس تحرير لصحيفة
"النهار" يشي بأن الرجل خرج غاضبا ومهزوما من معركة، يقول عالمون
بيوميات الجريدة، أنها تعود الى أكثر من عام مضى، إحتمل خلالها
الحاج كثيرا من "الصفعات" من "تلميذ الامس" "ونجل الحبيبين ناديا
وغسان تويني" اي المدير العام الحالي للمؤسسة الصحافي جبران تويني.
وفي التفاصيل، لم يخل يوم طوال هذا العام من تجاوزات لصلاحيات
أنسي الحاج كرئيس تحرير إن كان لجهة ضبط العملية التحريرية أو
لجهة الرقابة على بعض المساحات "المحسوبة" على أنسي الحاج كملحق
النهار الثقافي، الذي شغل منصب رئاسة تحريره سابقا، قبل ان تؤول
رئاسة التحرير الى الروائي اللبناني الياس خوري.
وفي قراءات متباينة لما حصل يرى البعض أن المعركة تعود الى رغبة
جامحة عند جبران تويني للاستئثار بكامل سلطات الجريدة فيما يفسر
آخرون "عزوف غسان تويني عن حماية صديق العمر، أنسي الحاج"، بأنه
مؤشر الى عدم رضاه عن تجربة الحاج في رئاسة التحرير الأمر الذي
حمله الى اتخاذ موقف المتفرج من معركة اراد لها ان تنتهي بخروج
الحاج وعودته هو الى رئاسة التحرير، وهذه نظرية يتفرع عنها اجتهادان
متكاملان، يشير الاول منهما الى أن غسان تويني " لا يثق بقدرات
نجله كرئيس للتحرير وبكفايته لملىء منصب سبق أن شغله اشخاص من
طراز لويس الحاج (والد انسي) وميشال أبو جودة" على حد قول البعض،
فيما يشير الثاني الى رغبة الاب في حماية نجله وتمهيد الطريق امامه
الى رئاسة التحرير من خلال فترة انتقالية قصيرة تنفس اي احتقان
قد تتركه استقالة أنسي الحاج.
لكن ما يكاد يكون موضع اجماع واستغراب من قبل معظم المراقبين لهذا
الحدث "النهاري" هي ما وصفت على أكثر من لسان بأنها "لحظة تخلي"
من قبل غسان تويني عن أنسي الحاج لا سيما وان الحاج لطالما اعتبر
المؤتمن على "عرش" رئاسة التحرير والوصي الشرعي على تأهيل الإبن،
بالاضافة الى كونه أحد المصادر الرئيسية لشرعية ناديا تويني (زوجة
غسان) الشعرية وأحد أبرز بناة المخيلة "اللبنانوية" وعراب معارك
آل التويني السياسية التي اودت به الى السجن عدة مرات، كما تروي
الحكاية ان الاثنان تشاركا عشقاً فريداً للسيدة فيروز.... ويقول
عارفون بتفاصيل هذا الحدث أن معظم هذه المحطات الرئيسية التي تختصر
أكثر من نصف قرن من العلاقات الثنائية إستعادها أنسي الحاج في
اتصال هاتفي صاخب بينه وبين غسان تويني خلال فورة غضب جامحة لا
تعكس الا مقدار خيبة الامل من موقف تويني الاب تجاه الصراع بين
الحاج وتويني الابن.
وإذ يلفت مراقبون محايدون الى أن تجربة أنسي الحاج في رئاسة التحرير
"ليست من النوع الذي يدافع عنه" ، يستطردون بالقول إن أنسي الحاج
لطالما شكل ميزانا اخلاقيا لسياسة الصحيفة وعنصرا معطلا لجموح
الرغبات السياسية وصمام أمان وحماية لتعددية نسبية تتسم بها الصحيفة
ولعل الحاجة الى هذه الادوار نفسها هي التي اعادت غسان التويني
الى رئاسة التحرير بعد قرار سابق له بنصف اعتزال.
لا ترغب "النهار" في تكبير المسألة كما تقول مصادرها الرسمية ولا
تريد تظهيرها بوصفها معركة، "فالامر ليس أكثر من استقالة رئيس
تحرير لصحيفة بعد تجاوزه سن التقاعد بسنوات قليلة" على حد تعبير
مصدر رسمي في الصحيفة. غير أن هذا الكلام الديبلوماسي البارد تنفيه
الوقائع الميدانية وكثافة الاتصالات على خطوط التهدئة بين الجانبين
من فعاليات ثقافية وإقتصادية وربما سياسية، كما ينفيه بيان وزع
منذ يومين في العاصمة اللبنانية بيروت إختار كتابه صيغة رمزية
للتعبير عن إستنكارهم وغبنهم، اذ جاء البيان حاويا لعبارة واحدة
تكررت على وجهي الصفحة... "في فمنا ماء".
لحظة خروجه من مكتبه للمرة الاخيرة يكون أنسي الحاج قد غادر عمرين..
عمر قضاه صحافيا في جريدة "النهار" وآخر قضاه صديقا لغسان التويني،
وفي العمرين كان دائم العبور من الشعر الى الحياة ومن الحياة الى
الشعر ... ولعلها أكثر من مفارقة ان يتزامن خروج انسي الحاج من
"النهار" عشية احتفالها بعيدها السبعين بعنوان "النهار 70 سنة
حرة مستقلة".... وهو عنوان إختلف معه انسي في زمن ضاقت فيه الحرية
وترهلت معاني الاستقلال...
إفتتاحية غسان تويني يوم الاثنين المقبل ستكون منتظرة... فهي أول
مقالة يوقعها الرجل بعد استقالة صديق عمره من "النهار" ومن الصداقة...
إيلاف
- الجمعة 03 أكتوبر 2003