ينتمي
المفكرون والباحثون الغربيون الذين انتقدو المركزية الغربية الى
طيف فكري يكاد يكون متقارباً، فكلود ليفي شتراوس الذي زحزح الكثير
من المفاهيم التي تكاد تكون بمثابة الأسس التي بني عليها علم الأنثربولوجيا
لا سيما مفاهيم الجماعات البدائية والقرابة والأسطورة وغيرها وتبعه
فيما بعد جيل من الأنثربولوجيين الذين أعادوا النظر في مبادئ الأنثربولوجيا
الذي أُسس كرديف للاستعمار حسب تعبير بالاندييه ليصبح فيما بعد
علماً مستقلاً يعنى بدراسة ثقافات الشعوب وتقاليدها وعاداتها.
أما ميشيل فوكو فيعتبر جهده الرئيس في تجديد النظر الى مفهوم التحقيب
التاريخي الذي ارتبط بنسق التطور التاريخي الغربي فضلاً عن نقده
للنزعة الإنسانية الغربية واحتكارها لمفهوم الحقيقة الذي رسخه
العلم الغربي خصوصا في ما يتعلق بالشعوب الأخرى، وجاء جاك دريدا
ليزعزع مفهوم الكتابة في الفكر الغربي الذي قدس الكلام منذ أرسطو
على حساب الكتابة، فأراد في كتابه (الغراماتولوجيا) أن ينظر الى
الكتابة بوصفها نصاً وتاريخاً وتراثاً، بعد ذلك يمكن القول ان
تيار ما بعد الحداثة في صعوده النظري والفكري اتكأ على مثل هذه
المفاهيم وساهم في خلخلة التمركز حول الذات الغربية الذي أصبح
بمثابة الإرث الاحتكاري التنويري الغربي. غير أن مفهوم العلم الذي
يعتبر مفتاح الثورة الصناعية التي صنعت أوروبا الحديثة لم يتعرض
للنقد على مستوى أسسه وأصوله الغربية بقدر ما كان النقد ينطلق
من القاعدة نفسها التي يبنى عليها العلم نفسه. أما فيرباند فيعتبر
المفكر الوحيد الذي وجه سهام النقد لمفهوم العلم في سياق تطوره
وحقليه النظري والعملي وشكك في أفضليته على حساب الأسطورة أو التنجيم،
ويعد كتابه (العلم في مجتمع حر) الذي ترجمه السيد نفادي وصدر عن
المشروع القومي للترجمة، مميزاً لجهة تقديمه وعرضه الكثير من أفكاره
المتعلقة بذلك. فمن المعروف أن فيرباند ابتدأ دراسته في المسرح
الألماني خصوصاً مع فرقة بريخت، ثم عاصر الفيزيائي إيرنهافت الذي
رفض كلاً من نظرية اينشتين النسبية ونظرية الكم لماكس بلانك واتخذ
مواقف متطرفة في ما يتعلق بعقلانية العلم. فقد كان لا ينظر الى
العلم باعتباره مشروعاً يعتمد في تقدمه على تأثيرات لا عقلانية،
ثم تقابل مع كارل بوبر صاحب مذهب الواقعية النقدية وتأثر ببعض
أفكاره الا أنه كان يعتبرها غير أصيلة ولذلك رفض العمل كمساعد
له، وحاول أن يناقش مسألة عدم وجود منهج مميز للبحث العلمي ورسم
صورة مختلفة عن لا عقلانية العلم، ينكر فيها أن يكون هناك منهج
علمي أو موضوعي، ويعلن أنه لو كان ثمة تقدم قابل لأن يدرك وأن
يميز في العلم، فهو نتيجة لأن العلماء قد حطموا كل قاعدة يمكن
تصورها للعقلانية.
تعددية
الحقيقة
وهو لذلك يدافع عن ما يسمى تعددية الحقيقة في ما يتعلق بالعلم،
فالتعددية النظرية سمة جوهرية لكل معرفة تعلن أنها موضوعية، كما
أن هذه التعددية تسمح بانتقاد حاد لأفكار مقبولة، أكثر مما تجري
مقارنة مع وقائع يدعي أنها مستقلة عن الاعتبارات النظرية، ولذلك
يدعو فيرباند الى تبني (مذهب ابتكاري خاص) في مناهج التدريس، فبجانب
البيولوجيا التطورية وفيزياء الكم والنسبية ينبغي أن يكون هناك
مكان للشعوذة والسحر والتنجيم كما ينبغي أن تكون هناك حرية كاملة
في اختبار "نظام المعرفة" الذي يستصوبه المرء، وهو لذلك يرفع شعار
(كل شيء على ما يرام) الذي يرى فيه المبدأ الوحيد الذي لا يكبح
تقدم العلم، بل إنه الوسيلة الوحيدة لفهم التاريخ.
بعد ذلك يشن فيرباند حملة شعواء ضد العلم ورجاله، ودفاعاً عن المجتمع،
ويرى أنه في مجتمع حر ثمة مكان للعديد من الاعتقادات والمذاهب
والنظم الغربية، بيد أن افتراض التفوق الملازم للعلم قد تعدى العلم
وأصبح موضوعاً للإيمان عند كل شخص تقريباً، فضلاً عن أن العلم
لم يعد نظاماً خصوصياً، وإنما هو الآن جزء من البناء الأساسي للمجتمع،
وكما يرى فإن السبيل الوحيد للسيطرة على طغيان العلم في القرن
العشرين هو أن تخضع مؤسساته للرقابة الشعبية وللمؤسسات الديموقراطية
وأن يتولى الرجل العادي الإشراف على العلم، وبذلك يصبح العلم والعلماء
خادمين للمجتمع وليسوا أسياداً عليه.
إن نقد فيرباند لمفهوم العلم يرتبط برفضه للأسس النظرية التي بني
عليها، لا سيما مفهوم العقل، إذ يعتبر أن العقل لم يعد هو العامل
الذي يوجه التقاليد الأخرى، وإنما هو في حقيقته الخاصة، يعد تقليداً
كأي تقليد آخر ليس حسناً أو سيئاً بالضرورة، وهو بذلك ينفي عن
العقل قدسيته ومركزيته التي رسخها التراث التنويري للحداثة. فالعقل
وفقاً لذلك لا يناسب العلم ولم يكن في مقدوره أن يساهم في نموه،
لذلك على الذين يعجبون بالعلم أن يختاروا الآن، إما أن يحتفظوا
بالعلم أو يحتفظوا بالعقل، ولكن لا يمكنهم أن يحتفظوا بهما معاً.
فالعلم نشأ من اعتراضات شاملة ضد ما كان عليه الحال من قبل بل
وضد العقلانية ذاتها، كما أنه نشأ من اعتراضات شاملة ضد الحس المشترك
أو الإدراك الشائع، وبذلك فمفهوم العلم متغير بحسب العصور والأزمان
وخاضع للتاريخية والنسبية. هذه النسبية التي يدافع عنها فيرباند
لأنها جزاء من العلم نفسه، والنظريات الفيزيائية الحديثة "العلمية"
تثبت ذلك ولا تنفيه. وهو لذلك من موقعه كفيلسوف يسخر من أولئك
الفلاسفة الذين أصبحوا خدماً للعلم بعد أن كانت الفلسفة نفسها
هي منبع العلم والحقل الذي تنبثق منه جميع النظرات الجديدة الى
العالم.
العلماء
بعد ذلك ينتقل فيرباند ليوجه سهام نقده الى حملة العلم أنفسهم
وهم "العلماء" الذين يرى أنهم أصبحوا يتصرفون مثلما يتصرف المدافعون
عن الكنيسة الرومانية الواحدة والوحيدة. فالمذهب الكنسي صحيح،
وكل ما عداه وثني بلا معنى، ربما يوجد لدى العلماء طرق مختلفة
للمناقشة والتملق، غير أن هذه الطرق كانت ذات يوم كنوزاً للخطابة
الدينية، وقد وجدت لها الآن موطناً جديداً في العلم، وما يعزز
ذلك التحالف الوثيق بين مؤسسات العلم ومؤسسات الدولة، فمثلما كانت
الكنيسة جزءاً من البناء الأساسي للمجتمع، ثم انفصلت الكنيسة عن
الدولة انفصالاً بائناً، الا أن الدولة والعلم مازالا يعملان معاً،
والعلماء أصبحوا بمثابة طبقة رجال الدين الكنسية، فالجميع يخضع
لهم ولمقولاتهم، ما دام العلم الذي يحملونه صار معياراً للصدق
والحقيقة وهما طريق النجاة والخلاص.
ويضرب المثل على ذلك ببيان المائة والستة والثمانين عالماً الذين
أعلنوا معارضتهم لعلم التنجيم في عام 1975 وحوى توقيع 19 حائزاً
جائزة نوبل، إذ إن قراءته تكشف أن العلم الذي يدعو اليه البيان
قد تشكل من مجرد مدائح تشدّد على العقلانية والموضوعية والنزاهة
بشكل ينتهي به الأمر الى نبرة البيان الديني، بل والى أميته، ناهيك
عن الوسيلة الفاشستية التي عرضت بها البيان. فإذا كان لدى هؤلاء
العلماء قناعات قوية وهم يستخدمون سلطانهم من أجل نشر هذه القناعات
فلماذا توقيع 186عالماً إذا كانت حجة فرد واحد تكفي، أم انهم لا
يعرفون عما يتحدثون كما كشفت حواراتهم الصحافية التي أعلن فيها
عدد منهم انهم لم يدرسوا على الإطلاق علم التنجيم وليس لديهم أية
فكرة عن تفاصيله، وهنا يعلق فيرباند بأن الثقة المطلقة تمضي جنباً
الى جنب مع الجهل المطلق، ولدى مطالعتنا لافتتاحية البيان نجده
يأسف على انتشار علم التنجيم في مختلف أنحاء أرجاءالعالم بشكل
يكاد يكون متناصاً مع بيان النشرة البابوية الذي يحذر فيه الضالين
عن العقيدة الكاثوليكية. غير أن ما يميز البابا انه يعرف ما يتحدث
عنه، على عكس ما يمكن أن يقال عن علمائنا المعاصرين، فلا هم على
دراية بالموضوع الذي يهاجمونه (علم التنجيم) ولا ما تبقى من معرفة
هزيلة بالموضوع بقادر على تقويض ما يهاجمونه، ولذلك يصف فيرباند
هذا البيان بأنه يستند الى أنثربولوجيا ما قبل الطوفان، ويظهر
المدى الذي تأهب فيه العلماء الى فرض سلطانهم على مجالات ليس لديهم
لها أدنى معرفة من أي نوع.
واما الذين يدافعون عن العلم بحجة تفوقه وإثباته أفضليته فإن فيرباند
يعلن أن تفوق العلم لم يكن نتيجة بحث او حجة وإنما هو نتيجة ضغوط
سياسية ومؤسسية بل وحتى عسكرية، لذلك علينا أن نكف عن مديح العلم
بسبب إنجازاته، إذ لو صح ذلك فإنه يعين علينا أن نمتدح الأسطورة
مائة مرة وبحماس أكبر، لأن إنجازاتها كانت أعظم بما لا يقاس، إذ
إن مبتدعي الأسطورة أنشأوا ثقافة في حين عمل العقلانيون على تغييرها
تماماً، ولن يقدموا في أغلب الأحوال أفضل منها، فالعلم إذاً مجرد
ايديولوجيا كغيره من الايديولوجيات ولن يحقق وجوده إلا بفصله عن
الدولة والتي تحالفت معه ومواجهته بالنسبية التي وحدها تدخل الشك
في منبع اليقين
رضوان
جودت زيادة - المستقبل - الجمعة 17 تشرين الأول 2003