الديكتاتور
... في سردابه
تكثر
شكوى الكتّاب والمخرجين المتكاثرين منذ سنوات والذين ينصرف
اهتمامهم كلياً تقريباً الى المسلسلات المتلفزة, من ان ثمة
نضوباً شبه عام في الأفكار والمواضيع التي يمكن او يستحب نقلها
الى الشاشة الصغيرة وإدخالها, بالتالي, البيوت العربية كلها.
ومن هنا نحب ان نقدم هنا مساهمة متواضعة في هذا المجال, بأن
نضع امام اعين اصدقائنا من الكتّاب والمخرجين العرب من اهل
التلفزة موضوعاً قد يحسن تحويله الى مسلسل, وربما الى مسلسل
طويل جداً. وأول ما نحب ان ننبّه إليه هنا هو انه لئن كان
قد اعتيد تقسيم المسلسلات الى درامية وفانتازية وتاريخية وكوميدية,
من مميزات فكرتنا - التي لن نطالب بأية حقوق عليها - انها
تجمع العناصر الأربعة معاً, ففيها التاريخ - بأقبح صوره -,
والفانتازيا - بأكثر تجلياتها هذياناً - والدراما - مع فائض
من الدموع - وأخيراً الكوميديا - في أسخف ابعادها سخافة -.
ثم ان الفكرة شعبية منخفضة المستوى (6 أقدام تحت سطح الأرض),
ونخبوية رفيعة المستوى, في بعدين: من ناحية ان "النخبة" العربية
معنية بها, ومن ناحية ان فيها, كما سيلاحظ القارئ الكريم,
استعارات من اسماء لا تقل عن دوستويفسكي وغابريال غارسيا ماركيز.
وأول
ما نبدأ به هو الاستعارات. طالما ان عنواننا المقترح هنا هو
"الطاغية في سردابه", وهو عنوان يحيلنا مباشرة الى عنوان ماركيزي
بامتياز هو "الجنرال في متاهته". وهنا لن يفوتنا ان نعتذر
سلفاً لبطل اميركا اللاتينية الكبير سيمون بوليفار, شخصية
رواية ماركيز المحورية, لأن المقارنة مخزية مع "بطل" مسلسلنا
العـربي العتيد (تماماً كما بدت المقارنة مخزية حين أقامها
"سياسي" لبناني من على شاشة التلفزة بين ديكتاتور العراق المخلوع
وبين الشهيد الليبي عمر المختار!). إذاً, الاستعارة الأولى
من ماركيز, اما الثانية فهي من دوستويفسكي صاحـب "رجل السـرداب".
وهـنا تـبـدو المقارنة اكثر صدقية, ولمن لا يصدق ننصح بقراءة
روايـة دوستويفسكي هذه, وتحديداً الكلمات الأولى حيث يعرّف
رجل السرداب بنفسه.
اما
الموضوع, كما يمكن لقارئنا ان يكون فهمه من هذه الديباجة,
فهو عن طاغية عثر عليه مطاردوه, جاثماً يرتجف داخل سردابه
متخفياً وهو يحتضن مئات ألوف الدولارات, وينتظر يوماً كان
لا يزال يخيل إليه انه سيعيده الى السلطة, معتقداً ان قتل
اكبر عدد من العراقيين, وبعض الأميركيين في سيارات مفخخة يمولها
ويبعث من تبقى من أعوان له يزرعونها هنا وهناك تحت جنح الظلام,
فتصفق لهم "جماهير الأمة", افضل وأسرع طريق لاستعادة السلطة.
إذاً صار لدينا هنا العنوان والموضوع. كما ان لدينا "البطل"
وفي آفاق رسم شخصيته مناخ لا بأس ان يجمع بين ماكبث شكسبير,
وشرير "لمسة الشر" لأورسون ويلز: رجل ملتح حاقد حزين لكنه
غير نادم ولا يقاوم, جالس في جحره يرسم خططه ويحصي دولاراته.
ولربما يتنبه وهو في جلسته التأملية الطويلة تلك ان عدد الدولارات
التي تمكن من نهبها والاحتفاظ بها, قروشاً بيضاً ليومه الأسود,
تقل عدداً عن ابناء الشعب العراقي الذين ذبحهم وأخفاهم في
مقابره الجماعية, كما تقل عدداً عن كل اولئك العراقيين الطيبين
الذين نفاهم او اجبرهم على الهرب, جاعلاً من بعضهم لاجئين
بائسين, ومن الآخرين مثقفين مشردين في اربعة ارجاء الأرض,
غير ناس ان يجعل, في طريقه, من نخبة اصحاب العقول والمواهب
العراقية, حلفاء (أو حتى عملاء) لأعدائه الجدد - حلفائه القدامى,
قيادات السلطة في الولايات المتحدة, وعلى رأسهم اجهزة الـ"سي
آي اي".
ولكي
لا يكون العمل, برمته, عمل بطل - وحيد, لأنه إن كان كذلك سيتبدى
مضجراً في نهاية الأمر, يمكن ان يضاف الى لوحة رجل الجحر (او
رجل السرداب اذا شئتم), عدد كبير من المثقفين العرب وأصحاب
الأحزاب والحركات الوطنية وقيادات الأصوليين والصحافيين والكادرات
في رقعة عربية واسعة تمتد من المحيط الى الخليج, ولا سيما
الى القاهرة وبيروت وعواصم المغرب العربي. انهم هنا سيقدمون
من خلال ذاكرة الديكتاتور إذ يتساءل عن المكان الذي تختفي
فيه غالبيتهم الآن بعدما شاطروه نهب ثروات الشعب العراقي إذ
اسبغ عليهم - من مكرماته - شارياً مواهبهم وذممهم وضمائرهم
ليروجوا عنه مختلقين الحكايات والأساطير والأفلام والقصص.
ولأن الرجل يعيش معزولاً في ذلك الوكر, لم ينتبه الى ان بعـضهم
تخلى عنه منذ سقوط بغـداد, والبعـض الآخر قبـل ذلك, لكن ثمة
منهم من كان لا يزال يـراهـن على ان "البطـل" إذ نهب اموالاً
كثـيـرة لا يتسنى له من الوقت ما يكفي لإنفاقها, سيعود ويغدق
"كرمه" الأسطوري عليهم, فظلوا يطلعون من على شاشات الفضائيات
العربية مسبحين بحمده, معتبرينه رمزاً لأمتهم, في اندفاعة
مؤسطرة لم تجد مغبـة, حتى حين اعتقل وشاهدناه ذليلاً على الشاشة
منصاعاً للأميركيين تماماً "متعاوناً, كما سيقول قائلهم",
من ان تقول انه ظل "بطلاً" للنهاية. كيف؟ "لقد خدروه... ومن
هنا سيطروا عليه". فماذا لو انه لم يخدر؟ تقول الأسطورة انه
كان سيقاوم. او سينتحر. لكن الأعداء الكفار, قبحهم الله!,
شاؤوا له ان يذل ويعتقل. والكوميديا هي ان هؤلاء الذين أفتوا
في الأمر على هـذه الشـاكلة, هم انفسـهم الذين قالوا في الوقت
نفسه, من دون ان يرف لهم جفن ان الأميركيين سيقتلونه لأنهم
لو حاكموه سيفضحهم! (وهذه نقطة يمكن في المسلسل التركيز عليها,
لأنها لو قدمت على هذا النحو لأتت هزلية ومقنعة في هزليتها
اكثر من افلام هزليي السينما المصرية الجدد مجتمعين).
وعلى
ذكر السينما المصرية, يمكن للكاتب ان "يدحش" شخصيات ثانوية,
تقع بين بين, فلا هي من البطولة بحيث تسيطر على العمل, ولا
هي من العمومية بحيث تمر من دون ان يتنبه إليها احد (كما كان
حال الصحاف مثلاً والذي يمكن لحلقة ان تتحدث عن احزانه حين
عرض نفسه على الأميركيين فرفضوا اعتقاله!). ومن هذه الشخصيات,
مثلاً, نجمة مناضلة وصل نضالها الى ذروته حين كلفها الديكتاتور
في الماضي بأن تزوده بمئة وأربعين ألف مرحاض, ونجم هزلي مول
له "الرئيس المحبوب" مسلسلاً طويلاً عريضاً أثار سخطاً في
حينه.
طبعاً
لا تتسع هذه الرقعة المتواضعة لكل العناصر التي يمكن لمثل
هذا المسلسل ان يستوعبها. ومن هنا نكتفي بما أثرناه من نقاط
نعتقد انها يمكن ان تشكل مدخلاً للموضوع... ونأمل ان يفتح
هذا كله شهية بعض الكتّاب والمخرجين وربما المنتجين ايضاً,
ولكن من دون ان يصحب ذلك, التدفق المعهود من جانب اصحاب الأفكار
والمشاريع, من الذين يركضون ملهوفين كلما اتاح التاريخ فرصة
من هذا النوع... إذ عند ذلك سيختلط الحابل بالنابل, اكثر مما
هو مخلوط الآن... وربما تضيع الطاسة في زمن قد يكون من الأفضل
لها ألا تضيع.
ابراهيم
العريس - الحياة - 19.12.2003