الشعر
والحضارة في لغة واحدة
تي.
اس. إليوت (1888-1965).
تقول
سطور البداية: "نيسان (ابريل) أقسى الشهور, فهو ينبت/ الزنابق
من الأرض الميتة, ويمزج/ الذكرى بالرغبة, ويجعل/ الجذور الخاملة
تنبض بأمطار الربيع (...)".
وتقول
سطور النهاية: "هذه الشذرات قد سندت بها خرائبي. وعلى ذلك فقد
غدوت ملائماً لك. لقد جنّ هيرونيمو مرة أخرى. فلتعط. فلتتعاطف:
فلتسيطر سلام يفوق كل عقل. سلام يفوق كل عقل. سلام يفوق كل عقل".
وبين السطور البادئة والسطور الخاتمة لهذه القصيدة, يقف عمل شعري,
ربما كان الأشهر في طول القرن العشرين وعرضه. عمل ربما يكون الشعر
الحديث كله قد نبع منه. كتبه في حقبة سأم ومرض, أديب وشاعر أميركي
اختار ان ينتقل إلى أوروبا ليعيش فيها إلى الأبد, من دون أن يعرف
أول الأمر ما اذا كان يكتب نصاً/ مزحة, أم عملاً يفتح به حداثة
القرن العشرين كلها. لكن الآخرين تلقفوا العمل بسرعة وأعطوه كل
قيمته التي صارت له. ولعل الكاتب/ الشاعر كان أول من أدهشه ذلك.
اليوم تبدو هذه الحكاية كلها بعيدة. و"الأرض الخراب" - وهو عنوان
هذه القصيدة - صار عملاً كلاسيكياً بين قمم الأعمال الكلاسيكية,
لا يماري احد في قيمته وان كان لا يزال, حتى يومنا هذا, عصياً
على الفهم تماماً, وبالتالي عصياً على الترجمة, علماً أن السطور
السابقة استقيناها من واحدة من افضل الترجمات العربية (وهي كثيرة),
ترجمة قام بها الأديب المصري ماهر شفيق فريد, في عمله الجامع المانع
حول إليوت, شاعراً وناقداً, والذي صدر في مجلدات عدة عن "مجلس
الأعلى للثقافة", في مصر تحت أشراف رئيسه الدكتور جابر عصفور.
والحال ان ترجمة فريد هذه تأتي بعد سنوات من صدور كتاب للناقد
العراقي عبد الواحد لؤلؤة, ينتقد الكثير من الترجمات السابقة,
ويقدم هو الآخر رؤيته لـ"الترجمة الأصوب". ومهما يكن من الأمر
فإن كل الانتقادات التي وُجهت الى هذه الترجمة او تلك, لا تعدو
كونها اجتهادات نظراً لصعوبة تعابير إليوت, وهو الشاعر والكاتب
صاحب القصيدة كما نعرف, وصعوبة لغته. وخصوصاً نظراً إلي انه هو
نفسه كتب قصيدة وكأنها حال هذيان طويلة.
<
يفيدنا الناقد هيوكنز ان إليوت "كتب مسودة الأرض الخراب وهو مريض
يقضي فترة النقاهة في مارجيت ولوزان خلال خريف 1921", مضيفاً:
"وهكذا صدرت القصيدة عن ناقِهٍ يحس إحساسا قوياً بأن موارد الحضارة
الأوروبية بعد عشرين قرناً من الزمان اشرفت على النضوب, وان أوروبا
تدهورت بعد الحرب, كما يعاني من ظروفه الصحية وعبوديته كموظف في
أحد مصارف لندن. وعرض إليوت قصيدته, في باريس, على زميله ومواطنه
المتأورب مثله آزرا باوند الذي سيقول لاحقاً: "لقد وُضعت "الأرض
الخراب" امامي على اساس انها مجموعة قصائد. وقد نصحته بما ينبغي
ان يحذفه منها". وبالفعل حذف إليوت سطوراً كبيرة بناء على نصيحة
باوند. ومما حذفه, سطر في المقدمة يستعير من جوزف كونراد صرخة
"يا للبشاعة! يا للبشاعة!"...
<
اذاً, ولدت تلك القصيدة التي ستملأ دنيا الشعر وتشغل ناسها, في
ذلك العام المحوري من التاريخ الاوروبي, ونشرت اولاً في عام كتابتها
نفسه (1922) في مجلة "كريتاريون" (المعيار), لتنتشر بعد ذلك بسرعة
وتترجم الى الكثير من اللغات, وتعتبر مرجعاً شعرياً أساسيا في
زمنها والأزمان التالية لها.
<
في شكلها النهائي الذي نشرت به, تتألف "الأرض الخراب" من خمسة
مقاطع أساسية هي "دفن الموتى", "مباراة في الشطرنج", "عظة الفار",
"الموت غرقاً" وأخيراً "ما قاله الرعد". والقارئ الجيد للشعر في
القرن العشرين, سيتذكر هنا على الفور كم من مرة مرت عليه هذه العناوين
ومضامينها, في قصائد كتبها شعراء من شتى أنحاء العالم, ساروا على
خط إليوت باعترافهم, او من دون ان يعترفوا بذلك. المهم, ان هذه
المقاطع اتت متفاوتة الطول, لكنها أضفت على القصيدة ككل مسحة من
الغموض والسحر, ولكن ايضاً: مسحة من السوداوية التي تنتقل إلى
القارئ, منذ اللحظات الاولى التي يبدأ فيها مطالعة القصيدة والغوص
في أجواء رحلتها.
<
و"الأرض الخراب" هي, قبل اي شيء, حكاية رحلة, تستعيد في طريقها
رحلة يوليس, ورحلة دانتي إلى الجحيم... ومن ثم رحلة الإنسان المعاصر
في هذا الكون الذي لم يعد سوى ارض خراب, لا ينجيه من هذا المصير
حتى كون الشاعر افتتح القصيدة بذكر شهر نيسان (ابريل) الذي لئن
كان على الدوام شهر الربيع والسرور والولادة الجديدة, فإنه هنا
في منظور إليوت يصبح "أقسى الشهور". والحقيقة ان إليوت كان, في
ذلك, يعبر, ليس عن مزاجه الشخصي فقط, بل عن المزاج الأوروبي والانساني
في شكل عام. غير ان تعبيره لم يكن اندفاعياً تلقائياً - كما كان
يُطلب من الشعر ان يكون - بل يبدو هنا منطلقاً من مرجعية ثقافية
مدهشة, حيث ان إليوت ادخل في الشعر هنا, كل ذلك الكم من الحواشي
والملاحظات التفسيرية التي "تكشف" خلفيات ثقافية وان الشعر يمكنه
ايضاً - وخصوصاً - ان يكون اشبه برحلة في التراث الانساني, طالما
ان هذا التراث يشكل في نهاية الامر مرجعية تدخل وعي الانسان ولا
وعيه ايضاً. وهكذا, على مدى قراءتنا لهذه القصيدة/ الرحلة, يطالعنا
دانتي ووبستر وفرلين وهوميروس, وتطالعنا اسطورة "غرال" (البحث
عن الكأس او السيف او الجرّة الذهب) ثم نجد انفسنا في خضم "الغصن
الذهبي" لفريزر... وربما في خضم طرف اساسي من تاريخ الإنسان وفكره
في هذا الكون. والحال ان إليوت نفسه سيقول لاحقاً ان قصيدته هذه
تبدو في نهاية الامر اشبه بدراسة جامعية, مشيراً الى ان المراجع
الثقافية التي ملأت القصيدة, وأسفرت عن عشرات الملاحظات والحواشي,
تبدت في بعض الأحيان اكثر شعبية من القصيدة نفسها.
<
غير ان هذا لا يقلل طبعاً من قيمة هذه القصيدة, كما لا يقلل من
قيمتها كون الكثير من النقاد راح يسأل إليوت, في ذلك الحين, عما
اذا كان حشو القصيدة بالملاحظات, مزاحاً او عملاً جاداً. ذلك ان
النقاد اتفقوا في نهاية الامر على راهنية "الارض الخراب" وصدقها,
اذ عبر إليوت فيها عن "شعور كثير من القراء بأنهم لا يعرفون ماذا
يفعلون بأنفسهم", حتى وان كان اليوت نفسه قال ذات يوم: "لقد توهم
كثر عند قراءة قصيدتي ان الوهم قد انزاح عنهم". ولنذكر هنا ان
كبار النقاد المعاصرين لإليوت كانوا اول من رحب بالقصيدة ومنهم
ا. أ. ريتشاردز الذي وصفها في كتابه "العلم والشعر" (1926) بأنها
وصف مؤثر جداً لوضعية ذهنية, من المرجح ان لا مفر من الوقوع فيها
لكل إنسان قادر على ان يفكر متأملاً". كما ان نقاداً آخرين اعتبروها
احتجاجاً من الجيل الجديد, ضد الجيل السابق وثقافته... واجدين
في تركيبيتها وهذيانها ولؤمها وسوداويتها, علامات على ذلك كله,
مؤكدين ان هذا يجعل منها أساسا للحداثة الشعرية كلها.
<
"الأرض الخراب" هي بالتأكيد اشهر أعمال توماس ستيرنز اليوت (1888-1965)
الشاعر والناقد الأميركي الذي سيختار لاحقاً, ان يصبح إنكليزي
الهوى والهوية, لكنها ليست عمله الوحيد, فهو كتب الكثير من القصائد
الكبيرة الأخرى مثل "اربعاء الرماد" و"سويني في نزاله" و"اغنية
حب الى بروفروك" و"اربع رباعيات" إضافة الى الكثير من الكتب النقدية,
ومسرحيات عميقة المغزى مثل "جريمة قتل في الكاتدرائية"... وهذا
العمل كله, والمطبوع بنفحة كاثوليكية واضحة, جعله يمنح جائزة نوبل
للآداب في عام 1948, اي العام الذي كان فيه ماضيه الشعري الكبير
قد أضحى وراءه.
إبراهيم
العريس - الحياة - 17.12.2003