صداقة
دامت بينهما 45 عاماً

مراسلات
هنري ميلر ولورنس دوريل في إصدار فرنسي
هنري
ميلر مؤلف لم ينل التقدير الذي يستحقه. انه احد الكتاب المجهولين
المنسيين الذين يستحقون ردّ الاعتبار. ولد ميلر في 26 كانون
الاول 1891 في يوركفيل (الولايات المتحدة)، لوالد الماني
خياط. تزوج من جون (مونا مارا بطلة مؤلفاته "المدارات")
وهو مؤلف ثلاثية "سيكسوس"، و"نيكسوس" و"بليكسوس". توفى في
حزيران .1980
أما
لورنس دوريل فهو مؤلف "رباعيات الإسكندرية" (اليونان) التي
ظن العديدون انها ستخوله الفوز بجائزة نوبل للآداب. ولد
دوريل الايرلندي الاصل في جولوندور (الهند) في 27 شباط 1912
لوالد مهندس معماري في المستعمرات البريطانية. استقر في
كورفو (اليونان) عام 1935 وكان بدأ مهنته كمؤلف في الثلاثينات
في باريس حيث تضامن مع هنري ميلر الذي اضحى مرشده. مؤلفاته
عديدة منها "رباعيات الإسكندرية" و"تونك" و"نونكام". توفى
في سومبار (فرنسا) عام .1990
التقى
لورنس دوريل الكاتب هنري ميلر في مراحيض في كورفو عام ،1935
حين عثر على نسخة من رواية ميلر "مدار السرطان" التي تركها
سائح اميركي هناك، فسارع دوريل وكتب لميلر: "اهلل واؤيد
رواية [مدار السرطان] ككتاب لجيلي، فهو المؤلف الوحيد الجدير
بالانسان والذي يستطيع هذا القرن الافتخار به". كانت صيحات
الاستنكار والاستهجان رافقت صدور ذلك الكتاب، لكن لورنس
دوريل وبليز سندرارس شذا عن الرافضين وعرفا في ميلر دي إتش
لورنس الجديد. رد هنري ميلر على رسالة دوريل، وكان في الثالثة
والاربعين، فنشأت صداقة بينهما دامت خمسة واربعين عاما ثابرا
خلالها على المراسلة. فمن بيغ سور (كاليفورنيا) الى كليشي
(فرنسا) ومن كورفو (اليونان) الى سوميار (فرنسا)، حملت رسائلهما
تأملات وملاحظات جريئة حول علاقات كل منهما الغرامية او
تحليلا لاحتمالات حياة المؤلفين. والرسالتان الاخيرتان اللتان
تبادلهما ميلر ودوريل تشهدان لقريحة ميلر الاسطورية، ونستلّهما
هنا من كتاب "مراسلة" لكاتبه دوريل والذي اكتمل مع رسالة
الوداع الاخير والواعية المرسلة من ميلر البالغ 88 عاما،
المنهك القوى والكفيف تقريبا، الى اخيه الصديق لورنس.
سوميار،
6 كانون الثاني 1979
عزيزي
هنري، أمضيت عيد رأس السنة وحدي في الحانة القديمة حيث جلسنا
معاً مراراً منذ فترة طويلة نحتسي الشمبانيا الجيدة كأساً
تلو الأخرى. حضرت غيلان (زوجة دوريل الرابعة وكانت عارضة
أزياء فرنسية) واحتست كأساً واحدة برفقتي. لا شك في ان تلك
الكأس شكلت إسرافا لها اذ اضاعت لاحقاً اوراقها الثبوتية
ومالها ودفتر شيكاتها في سيارة اجرة كما حصل لك ذات يوم.
سعدت باستبدالها بتلك العفريتة باتونز التي جاءت لاحتساء
كأس احتفاء بالسنة الجديدة. أمضت ليلتها برفقتي في غرفتي
الدائمة رقم 13 في فندق رويال التي تعج بالذكريات العائدة
الى عام .1937 وقد اعاد رفيقتي العربية الكندية الشابة المفعمة
بالحيوية الى منزلها رغما عنها وغير آسفة كما اظن، صديقها
العازف الموسيقي. وعدتني بالتحرر مجددا الشهر المقبل، لكن
فتيات العالم الجديد يخضعن لمعاملة رجالهن الشرسة السوقية
الفظة التي "تخدّر" معظمهن. فرؤية ان ادنى حركة رقيقة تسعدهن
امر يدعو الى الرثاء، وان نحترمهن قليلا كنساء، يتأثرن الى
حد رفضهن مغادرة السرير والمدينة... يا لحضارتكم القذرة
والعنيفة في اميركا الشمالية، والعاطفية بالطبع، تباً!
كنت
تركت باتونز عند باب شقتها لانها متزمتة اخلاقياً وكنت متعباً
كي اثقل نفسي بالعواطف فعدت الى منزلي. وما ان اويت الى
فراشي حتى فتح الباب فجأة وظهرت باتونز في النور. دخلت ولم
تتفوه بأي كلمة، اغلقت الباب وقالت لي: "الحياة قصيرة جدا
كي نتقيد بالمبادئ، علينا ان نمعن التفكير". فألقت بنفسها
على السرير وخلعت بعضا من ثيابها كأن الامر في غير اوانه.
سألتها: "منذ متى يعرف أحدنا الآخر"؟ فردت سريعا: "منذ عشرة
اعوام". وحين استيقظت في الصباح كانت قد رحلت للاهتمام بولدها.
لاري
9
حزيران ،1979 باسيفيك باليسايدس، كاليفورنيا
عزيزي
لاري، فقدت إحساسي في جانبي الأيمن. يمكنني ان اعرج متكئا
على عصا لكي استعين بكرسي ذي عجلات للتنقل، والمزعج اني
اشعر بحرق في إصبع قدمي اليمنى الصغيرة. اما في الجهة اليسرى،
فإني اعاني التواء في الورك مما يردعني عن السير. لكن لو
رأيتني برفقة "غزالي" بريندا (راقصة وممثلة، حب ميلر الأخير)،
فستجد ان الصورة مختلفة كلياً. انها تحبني، ان كان يمكنك
تصديق ذلك. اشعر بالأمان والهدوء - والاطمئنان - وهذه كلمة
مكدرة عادة اذكرها بلا إلحاح. فالوضع شبيه بالجنة ويدوم
منذ ثلاثة اعوام. اف! كتبت كثيراً دفعة واحدة. الموت للزائرين
والمعجبين والصحافيين! تحية لك!
هنري
من "لو نوفيل اوبسرفاتور"،
ترجمة:
ليليان حاتم - النهار - 14.02.2004