لعـنـة عـمـلـيـق وبــــلاء مـا بـين الـنـهـريـن

(مهداة الى كل الطغاة العرب)

بين الفحولة والسلطة تواطؤ وتماه تفوح من مسامهما رائحةعطنة منتنة. ويروى عن العرب البائدة في ما يروى من اساطيرها، ان عمليق الملك القبلي الجبار (1) ملك طسم وجديس، وكان موطنهم ارض اليمامة، استحلّ في ايامه صنوف المحرمات فهتك وبغى وتبغدد، وكان من انعش اويقاته ان يتمضمض يومياً بماء وجوه قومه حتى كلكلت وتكرنشت ليتساوى في ضرّائها الامير وقاطع الطريق. ويقال على ذمة الاسطورة التي حفظ التاريخ تفاصيلها للاجيال ان عمليق، وفي خطوة انتقام من امرأة هجته بسبب جوره واستبداده، اصدر "مرسوماً ملكياً" يمنع عن عذراوات القبيلة المقبلات على الزواج الخلوة بأزواجهن قبل ان يفترعهن واحدة واحدة، يفض اختام بكاراتهن، قبل ان يسمح لهن بالانصراف الى اهليهن داميات ذليلات. وشرع عمليق يصنف نفسه الى جانب مواهبه الفريدة في الملك الهاً للفحولة، ودأب قومه، خوف جبروته، على تصنيفه ذيّاك الإله، وكان لا بد للإله من قرابين.

وفي يوم من ايام نحسه النادرة ادخلت مخدعه "الشموس" وهي صبية حسناء ازف يوم عرسها وليس مثلها في النساء جمالاً وعقلاً واعتداداً بالذات. ازبد ريق عمليق لما رآها، واستبدت الشهوة في عروقه فأنعظ. اقترب الغطريس من "الشموس" فابتعدت. عاود الاقتراب فغالت في الابتعاد. اعجبته اللعبة فكررها. ظن ان الصبية تروغ من بين يديه ومن خلفه مبالغة منها في تأجيج اشواقه. فيما هي تعلم ان قدرها مرصود لهذه اللعنة. الا انها، وبوحي من تمرد روحه حاولت تأخير القدر الى حين. كان عمليق يمتلك قوة بضعة رجال. وما ان وفّق الى التقاط ذيل ثوبها حتى عاجلته بصفعة مدوية اودعتها كل ما فيها من غلّ وثورة على الذل، فارتد بوجهه الى الوراء في حين اعمت بصيرته ثائرة من شبق وغضب: "ايتها القحبة كيف تجرؤين؟!" قالها من بين صريف اسنانه. جذبها بمقدم ثوبها نحوه في خفة، ثم دفعها ارضاً بكل ما اوتي من قوة فارتطم رأسها بالرخام في عنف. وفيما راحت الصبية في غيبوبة عميقة، اعتلاها الملك بعدما مزّق ثوبها، وافتضها من ثم كمن يفتض جثة، وما همّ! اعاد الطاغية الكرة مثنى وثلاثاً ورباعاً. كان ممتلئاً بفحولته الى حد الهوس، ومحتقناً بحقده بحيث كلما افرغ في رحمها شهوته عاودته الشهوة من جديد

"ايتها القحبة كيف تجرؤين؟

انا الملك، الاله، الفحل، الجبار،

انا سيد الليل والنهار

انا السيف البتّار، مصرّف الاقدار

بيدي الحَوْل والطَوْل الا تلحظين؟

ايتها العروس الممزقة البكارة

قولي لبعلك من انا!

من حيث انك ترقدين

قولي لقومك من انا

حين الغداة تساءلين.

انا اله العذارى. كلما افتضّ اشتدّ.

انا اله البكارة، اذا صُفعت انقضّ.

انا عمليق امر فحلي لا يُردّ.

حذار مني الغضب!"

كان عمليق واقفاً على شرفة قصره يرتجز بصوت بهيمي اجش خارقاً بنبرته سكون الصمت كسكين. وامام بوابة القصر اياه كانت "الشموس" ممددة شبه عارية بثوبها الممزق اشلاء والملوثة بقاياه بالدماء. كان الملك امر بها فألقيت على عتبة بابه بعدما قضى منها وطره ولتكون عبرة لقومها ولكل من تسوّل له نفسه التطاول على الملك او معاندة رغباته. بدأت "الشموس" تستعيد وعيها شيئاً فشيئاً فيما ارجوزة عمليق تتردد في سمعها كأنها آتية من مطرح بعيد بعيد. كانت لا تزال مغمضة العينين حين اخذت في استعادة شريط ما واجهها من احداث وصولاً الى لحظة وقوعها ارضاً. وبما يشبه النقزة، انتفضت قاعدة كأن كابوساً انقض على مخيلتها فهالها. وكم كانت مفاجأتها رهيبة عندما انتبهت بعينين مذعورتين الى ان شكلها لا يشبه شكل الصبية التي ادخلت الى عمليق، فانكرت نفسها وحالها. غير ان ضحكة مجلجلة من شدق عمليق اعادتها الى الواقع في فظاظة. نظرت الى حيث مصدر الصوت فرأت شماتة وصلفاً في عينين حاقدتين. نهضت من مكانها في تثاقل وتوارت تجر بقايا اذيالها المدماة على الرمال، فيما صدى ضحكات الطاغية تجلجل في رأسها مثل حية ذات اجراس.

ولكن هيهات! لم تنم "الشموس" على ضيمها. وكيف تنام سيدة العنفوان على ما تذوقته من اذلال عمليق، فاقتحمت نادي قومها في سورة من الغضب والتحدي. نظر القوم وفيهم اهلها وعريسها ذاهلين الى منظرها ممزقة الدرع، حافية، منفوشة الشعر، وقد رسمت الدماء بخطوط متنافرة على جسدها لوحة تشكيلية منفرة، فأنطقها الخطب بصوت جارح نبراته معيّرة قومها بارتضائهم الهوان:

لا احد اذل من جديس

أهكذا يفعل بالعروس؟

وايغالاً منها في تحريضهم على الثأر لكراماتهم المسفوحة ارتجلت قائلة

ايجمــل مـا يـؤتى الى فتيـاتكــم

وتصبـح تمشي في الدمـاء عفيرة

ولـــو اننـــا كنــا رجــالاً وكنتــم

فموتـوا كرامـاً ام اميتـوا عدوّكـم

فللبين خيـر مـن مقـام على اذىً  

فبعداً وسُحقاً للذي ليس دافعاً

 

وانتم رجـال فيكـم عــدد النمــل

جهاراً وزُفّت في النساء الى بعل

نسـاءً لكنـا لا نقــرّ بــذا الفعــل

ودبوا لنار الحرب بالحطب الجزل

وللموت خيرٌ من مقام على الذل

ويختال يمشي بيننا مشية الفحل

ان قوم "الشموس" يصغون مشدوهين الى كلماتها وقد فعلت فعلها في نفوسهم فأحسوا بادىء ذي بدء بالحياء وتصبب عرق بارد من جباههم، ثم ما لبثوا ان انتخوا لماء وجوههم المراق بتحريض مضاف من الاسود اخي "الشموس"، وقرّ رأيهم بعد التداول على دعوة عمليق واهل بيته الى وليمة عظيمة اضمروا له من ورائها مكرا. وعندما استجاب عمليق وقومه لدعوتهم استقبلوه وصحبه في حفاوة مبالغة على جاري عادتهم، وسط هتافهم المجلجل بصوت رجل واحد "بالروح بالدم نفديك يا عمليق"! انتشى عمليق بفعل الهتاف وجنّت عظمته فوق جنونها. ولما تحلقوا حول الوليمة الملوكية ومدوا اياديهم الى اللقمة الاولى، انقض الاسود بسيفه بحركة مفاجئة على عمليق فاصاب منه مقتلا، وهكذا فعل كل بقرينه من أشراف قوم عمليق حتى ابادوهم عن بكرة ابيهم!

ورغم تحرر قوم "الشموس" بمقتل عمليق وتنفسهم هواء نظيفا للمرة الاولى بعد اعوام من الخضوع، بدا ان لعنة عمليق لم تفارق "الشموس" حتى بعد مقتله الشنيع فلم تمض عدة اسابيع على حادثة اغتصابها حتى احست بشيء يتحرك في احشائها، فولولت وصارت تنتف شعرها الطويل وتضرب على وجنتيها بكفيها. ما هذه التجربة يا ربّ؟ اعمليق صغير في احشائي؟! احست وسط ذهولها كأن الشر الذي تجسد في الطاغية الاب يقاوم الموت ويأبى الا ان يطل برأسه من جديد. ذهبت مهرولة تتعثر بأذيالها صوب عرافة القبيلة تستشيرها في شأن حملها.

"ستلدين صبيا من غير ان تربيه، ويكون سرّ ابيه. نجمه شؤم، ومعدنه لؤم اراه وسط جمع غفير. سيكبر ويتجبر ويكون من بذرته في جهات العرب نسل كثير حبل سرّة طويل طويل".

وكان من امر "الشموس" بعدما وضعت طفلها بعام ان اغارت قبيلة عدوّة على قومها، فنشب قتال مرير بين القبيلتين اريق فيه دم غزير، وسبيت نساء، وفقد اطفال، وكان ان تفرق قوم "الشموس" ايدي سبأ، ولم يعرف عن "الشموس" بعدها نبأ. ومع مضي عهد قصير، شوهدت عصبة من القبيلة الغازية تساوم قافلة تجار تيمم شطر الجزيرة وبلاد ما بين النهرين على حفنة من عبيد ارقاء وسبي. وكان عمليق الصغير اصغر الارقاء سنا يواجه وحيدا مستقبلا مجهولا لم يعرف سرّه ولعنة الدهر في نسله الا عرافة القبيلة "والشموس" القتيلة!

مشهد رقم (1)

من سيرة واحد من احفاد عمليق

- وليمة ابليس -

في خضم غداء خاص جمعه في مقصورته الفخمة مع وزير شاب لما يبلغ الحلم في تجربة الحكم، وبعدما تجشأ مرات من فم أبخر، مسّد بكف سميك على كرش ضخم تكركر غازاته في احشائه وتضطرب، كان قد انتهى توا. وبعدما حمدل وبسمل وتوكل، من التهام ديك احضر بموجب مذكرة جلب من مزرعة شقيقة قبل ان يدعو باحضار الطبق الرئيسي.

حدق الوزير الى الطبق الخاص الموضوع للتو امام الطاغية. كان البخار يتصاعد منه كثيفا تخالطه رائحة توابل حادة قرب الطاغية رأسه فوق الطبق مباشرة وتنشق رائحته بتمتع ظاهر ملء رئتيه. وبدافع من التملق وحس المسايرة على المائدة بادر الوزير الطاغية بالقول: اهنئك ايها القائد العظيم على ذوقك الرفيع في اختيار الاطباق. ان "لسانات الغنم" من الاطباق العريقة التي؟

- ايها العلج الشقي! قالها الطاغية مزمجرة من بين فكيه. ماذا قلت؟ غنم ايها البعير! ان السن الغنم هي مأكول العامة ورعاع القوم امثالك. اما الملوك فلا يليق بهم اقل من "لسانات" المعارضة. هاك.

اصفر وجه الوزير وتكرنش في مقامه مثل بزاقة رش عليها الملح، فيما استل الحاكم اطول الالسن المطبوخة بيده وكان لا يزال متصلا بجزيء من بلعوم صاحبه - يبدو من طريقة الاستئصال ان صاحبه ذو شأن - غمسه بطاس المرق الموضوع الى جانب الطبق جيئة وذهابا فيما فمه يزيد بما فاض من لعابه اشتهاء. رفعه اعلى من شدقيه المفتوحين بقليل، التقفه بلسانه، مصمصه بسادية وتشفّ. كان اللسان - الضحية ينزّ وجعه من جانبي فم الطاغية مع المرق وما بين مجة واخرى يحاول ان يلتقط انفاسه، يتأتىء، يهجئ يهذي، يحاول ربما ان يعتر... غير ان الطاغية سرعان ما يضغطه مجددا ما بين سقف حلقه وعضلة لسانه، يشفط ما تبقى من مائه من عمق مسامه بتلذذ مصدرا سأساة منكرة قبل ان يكومه في جانب من فمه، يضغطه بين فكيه في تأن مثل آلة سحق متوحشة، يعلكه في حقد هند تلوك فلذة من كبد حمزة (2). ثم يبصقه في صحن فارغ الى جانبه وقد تحول الى مضغة نكرة مشوهة فيما بدت عينا الطاغية مثل لوحين زجاجيين مصفحين ضد الخلع!

كان الوزير في هذه الاثناء - على انكماشه الهزلي - مشدودا بمزيج من الدهشة والخوف السرّي. الى المشهد امامه يتكرر مع كل لسان يبطش به الحاكم، ينقل نظره خلسة ما بين طبق الالسن المتناقص وطاس المرق وفكيّ الطاغية وعينيه، وبحركة عبثية لم يتوقعها ناوله الطاغية بيده لسانا ما زالت تفرفر في ذاكرته لحظة الذبح "هيّا، كلّه ايها الشقي لئلا يأكلك"!

"التقط" الوزير الشاب الامثولة الاهم في مبادىء الحكم واذ تناول عطيّة الطاغية المفخخة بيد حاول ان تبدو واثقة، مسح بكمّ يده الاخرى عرقا باردا حبحب على جبينه. ازدرد ريقه في صعوبة امام اختبار حيّ من هذا النوع وهو يسائل نفسه ضمنا عن هوية صاحب اللسان. اتراه لسان شاعر، ام صحافي، ام مفكر، ام فيلسوف؟ ثم ما الذي يمنع ان يكون لسان نائب خرج على "اجماع" الحاكم! او وزير "غرير" تجرأ على مناقشة آرائه؟ يا الهي! وبحركة لا ارادية، صار الوزير يلعب بلسانه داخل فمه، ربما ليتأكد انه لا يزال في مطرحه حيا يرزق، يبصق، يشتم، يتملق، يكذب، ويصرح تفرس قليلا في اللسان الضحية الممدد ملء كفه. وفي استفاقة ضمير قد تكون عابرة. تهيّأ له كما لو انّ للّسان عينين دافئتين تحدقان اليه، وذاكرة خصبة، وقلبا ينبض حبا، وله عائلة تفتقده واصدقاء، غير ان في نشيجه الذي يسمعه ملياً صلوات حر علق على خشبة. وفي لفتة خاطفة التقت عينا الوزير بعيني الطاغية المترصدتين ادنى تفاصيله في خبث وسط ابتسامة جانبية ماكرة.

فاقشعرّ للتوّ بدنه واكفهرّ. احس كما لو ان الاخير يتهجأ افكاره حرفاً حرفاً ويمتحن بلؤم إبليس استيعابه وإخلاصه "لمبادئ" زعيمه الوطنية فلم يتردد في اتخاذ القرار. وبين ان يكون طاغية صغيرا خاضعا، او مشروع مضغة، اختار الوزير "اللبيب" الوزارة!

مشهد رقم (2)

من سيرة أحد أحفاد عمليق

حذاء الطاغية... و"بلاء" ما بين النهرين

كان ينتعل حذاء ذا شجون، رب قائل انه شُدّ من مسام جلود الآلاف من ضحاياه. اما خصائص الحذاء ففحلة، ويبدو ان صاحبه ضمّنها إكسيراً مميزاً من خليط من عناصر كيميائية متناغمة. فاستخلص من تأبط شرا روحه، ومن عمليق جبروته، ومن الحجاج بن يوسف دمويته، ومن النمرود جنون العظمة، و... من الماركي دو ساد "حنانه" لذا، تراه حين يضرب بقدمه الارض، فكأنما يضرب بسيوف من سبق ذكرهم من فحول السلطة والصعلكة والسادية.

لم يُر يوما خارج حذائه. حتى أثناء إغماضته التي يصر على ان تكون بعين واحد. من يدري. لعل عين غدر تتربص من نومه الغفلة فتنتزع من قدمه ما يعتبره سر فحولته، تماما كما كان شعرُ شمشون لتلك الشخصية الاسطورية سر قوته، واذا كانت دليلة وفّقت في لحظة غفلة من عين شمشون الى قصّ شعر البطل الخارق وتحويله من ثم الى عاجز، فإن دليلة اخرى لن تجد طريقها اليه، هه. فهو على استعداد ان ينتزع قلبها من صدر كل من تسوّل له نفسه ان يتقمّص شيئا من حضورها، لذا، بث العيون في الآفاق، وجرّد آذان العسس، بحيث صار حشو كل مخدة، وداخل كل مخدع، وفي بطن كل حامل عينا او أذنا تحصي الانفاس وتعسُّ على الاجنّة في الارحام حفاظا على النظام.

ثم انه كان معجبا بحذائه الى حد الهوس، ولم لا. فبفضله حقق شهوة السلطة حتى بات هو، هي، والعكس صحيح. وكان من أمر تموضعه على الكرسي، ان دعا يوما بفرعون فوضعه في جيب بزته الصغير كتعويذة محببة، وحاكم حمورابي على بلاهة شريعته، وصادر عصا موسى من الكتاب ليفلق فيها مع جنده البرّ تبعا للهوى او الهوس، او ليشجّ بها رؤوساً يراها "أينعت وحان قطافها".

وفي التفاتة مميزة خصّ بها الحكيم ابن المقفّع، أخرجه من التنور الذي قضى فيه حرقا ليتلذذ بإدخاله مجددا وبيدبا الفيلسوف صاحبه، في تنور اكثر تطورا وحداثة، ولم ينس في لحظة انتشاء بفحولته العظيمة، ان يفقأ "عيون المها بين الرصافة والجسر" ويلبِس كل مليحة خمارَ حداد اسود، اما شهرزاد بغداد فكفّنها بقصصها وشرب على جثتها الف ليلة وليلة.

وكان الاحياء بالكاد من اهل البلاد كلها، يخشون جبروت حذائه، يتسقطون وقع اقدامه بقلوب هلعة، وايد مغلولة، وألسن معقودة الولاء لإله "العواصف" و"الانفال" و"الحواسم" لسلطان الفقر والقهر و"بلاء" ما بين النهرين. فحيثما دبّ ينبت للشر ألف ظلف سام، وحيثما حل يعمّ كرب ويحمّ بلاء، فيشيب ولدان، ويوأد رجال، وتُجهض في خطبة عليّ ربات الحجال.

وكان نرسيس عصره المعجب ايما اعجاب بشخصه يتكل على حذائه في تخليد الذات، حتى انه تجرأ على شجرة آدم وحواء الدهرية فنحت من جذعها السامق نصبا ضخما على صورته ومثاله، وأحيا في كل مكان عيدا للأنصاب والأوثان والحاكم الفرد. واذ هزّ اليه بجذوع ملايين النخل فسّاقطت رطبا شهيا جعل من بطون قصوره وكروش اهل جوره لها مقرا، وتسلى وآله بحصب شعبه الطاوي بالنوى.

وكان من حذره العجيب وسوء ظنه برعيته وبمن حوله ان جعل من حذائه عبّاً لأسراره، وخدناً لا يخشى خداعه، وسدناً لخلّب افكاره، فهو في نظره "الخلّ الوفي" الذي ذكرت العرب انه من المستحيلات الثلاثة!

ورغم "الخل الوفي" افاق الشقي يوما من قيلولة عابرة مكروبا هلعا. رأى نفسه في ما يرى النائم وقد زنّر بحزام من نار يغلّه الى حيث يقف. كان حزام الجمر ينهش عميقاً في ظهره وخاصرتيه فيما هو يتلوى من غير ان يقدر على مسّه او نزعه، ولما صوّب نحو السماء لعنته بقبضة جمّع فيها عصارة السواد في قلبه، اذا بالسماء تظلم بغربان فاحمة وطيور لاحمة ترجمه بقطوف من بطون الجحيم، فجعل يخبط بيده خبط عشواء مثل فيل هيّجه الغضب واعمى قلبه الحقد والوجع. كان لحمه يتشظى مع كل وابل جديد فيما جسده يتقاصر رويدا رويدا. ولمّا اغمض عينيه ليحميهما من دماء ساحت فوق جبهته، لمح ما بين بؤبؤيه وجفنيه جمعاً غفيراً مدججاً بصمت القبور. ميّز فيهم وجوه ضحايا يعرفها، واخرى بغير ملامح. رأى عيونا مفقوءة في محابر تبحلق به، وآذاناً مصلومة تفرفر. ورأى جماجم تلهث انفاسها في وجهه فاغرة افواها بغير ألسن وحناجر مخنوقة. وكانت تتزعم الجمع "جدته" "الشّموس" بهيئة امرأة مثخنة. وإذ اشارت وسط المعمعـة بإصبعها الى موطئ قدميه، تفقد بنظره حـذاءه ذي الجبروت. وجد قدميه تغوصان في رمـال متحركـة فداخلـه رعب عظيم ورعدة. حـاول ان يطلع مـن اللـج الرملـي فكـان كلمـا اتى بحركة غاص اكثر فأكثر. واذ تطاول بجسـده بكـل مـا أوتـي من قوة الى أعلى شده ثقل الحذاء الى أسفل. صار حذاؤه لعنة عليه. جرّب ان يستغيث بـ"الشمّوس" والجمع الذي حولها، فما جاوبه غير الصدى. وفي التفاتة بائسة تطلع وراءه علّ معجزة تنقذه، فرأى في اللج اياه فحول عصابته "يبلعطون" وفيهم صاحبنا الوزير اللبيب، مدّ اليهم يدا فيما هو يغور ويغورون، فبدا كلّ يحاول النجاة بروحه. وما بين حاصب يحصبهم من عل، ولجّ يبتلع أسافلهم، وتحول كل من الطاغية وزبانيته الى مُضغة ملاكة نكراء في احشاء لجّ بغير قاع ولا قرار!

وعندما أفاق الطاغية من كابوسه، كان الكابوس قد قال كلمته وحلّ!


هامش:

(1) بتصرّف عن كتاب الأغاني لأبي فرج الاصبهاني - ترجمة عمليق. (2) هي هند بنت عتبة التي آثرت في معركة احد التي انتصر فيها المشركون على النبي محمد ورهطه ان تنتقم لأهلها الذين قتلوا في معركة بدر، فميزت جثة حمزة عم الرسول، واخرجت كبده ولاكته بين اسنانها بحقد ضرب فيه المثل.

 

ألفت التنير - الخميس 24 نيسان 2003 - النهار

 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri