حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ظواهر فنية جديدة في الشعر العراقي الحديث

قصيدة السيناريو أنموذجاً

لم يعد خافياً اليوم أن انفجار زمنية العصر الحديث وسرعة إيقاعها، والإرباك الذي لحق الحياة جراء ذلك أثر تأثيراً مباشراً على الإنسان المعاصر، كما أثر على طرائق عيشه وعلى الفلسفة والفن والعلم والرؤى التي يفكر بها ويعيش من خلالها، وقد تسلل ذلك الانفجار والشعور بسرعة زوال الأشياء والظواهر التي كان التغيير يداهمها إلى كل شيء، ولا سيما في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، مما جعل هذه العوامل تنتزع من الناس ذلك الشعور بالديمومة الذي كان يميز الفترات التي اتصفت بالاطمئنان وبطء التغير، فقد تحطمت التشكيلات القديمة في جميع مجالات الحياة، حتى صارت الاندفاعية التي أعقبت الثبات النسبي للماضي تفرز أشكالاً جديدة تتبلور بسرعة، ولكنها لا تلبث أن تذوب مرة أخرى في التيار(1)

وعلى مستوى الأدب، وفي عصر متغير كهذا لا بد من انبثاق بنىً فنية ـ شعرية جديدة مغايرة لما هو سائد، ومن طبيعة السياق التاريخي الذي يعمل به الشعر يمكن ملاحظة كيف كان الوزن والقافية هما مركز المغايرة الشعرية لقصيدة الرواد، وكيف كانت اللغة والشكل بوصفه أحد مستويات اللغة مركز المغايرة الشعرية لقصيدة الستينات، وكيف كان الإيقاع مركز المغايرة الشعرية في المدى اللاحق ولا سيما بعد أن هزت قوانين حركة التغير قوانين عمل القصيدة فأدخلت الشعر في مواضعة شعرية جديدة، وكان جيل الستينات أكثر توازناً في التجريب الشعري الذي طال أنظمة التفعيلة واللغة والشكل كما كان أقل اندفاعاً في المغامرة بهذا الميدان.(2) على أن اشتغال الأجيال المثابر في مشروع التنقيب ومحاولات التطوير نتج عنه تعدد الأشكال البنائية للقصيدة العربية الحديثة وتنوعها وثراء النصوص الجيدة منها، وقد عمل شعر التفعيلة في النصف الثاني من القرن العشرين على ارتياد آفاق تجريبية هدفها إغناء وتعميق وعي التجديد الذي بدأته نازك الملائكة، وعدم الوقوف في منعطفات السكونية الخطرة، فكان الالتفات إلى ذلك بصيغ متعددة منها الحدّ من جهرية الموسيقى الذي يقابله تنمية الإيقاع داخل اللغة، وتفجير بنية اللغة مقابلاً لتبديد أنظمة الدلالة، وتجاوز وحدة التفعيلة تنويعاً لمستويات الأداء، وتوسيع حقل الرؤية بإطلاق فضاء الرؤيا...(3)

وقد آزر ذلك انفتاح الشعر على الأجناس الأدبية والفنية الأخرى، وفي طليعتها السرد والدراما والفنون التشكيلية وآليات فن السينما، وما أفرزه ذلك التداخل الأجناسي من ظواهر فنية في الشعر خاصة.

إن نظرية الأجناس الأدبية والفنية في فروعها المختلفة، قد بدأت تتزعزع نتيجة اهتزاز الأساس الفلسفي الذي انبنت عليه، وهو النظر العقلي والمعيار المنطقي الذي كان من نتائجه تفتيت الموقف الإنساني تجاه الأشياء، لكن هذا المعيار ما لبث أن انتهى على يد (كانت) الذي جعل من الرؤيا الإنسانية مركزاً للوجود ومفسراً له، وأصبحت المعرفة هي هذه الرؤيا الإنسانية التي تتمثل نتيجة للوعي الإنساني بالأشياء...(4) على أن حركة أخرى عملت على اهتزاز نظرية الأجناس في أصولها الأولى متمثلة في هجرة مفهوم (الشعرية..) من التشكيل اللغوي إلى مختلف الفنون الإبداعية الأخرى، ولعل ذلك يعود إلى محاولة المبدع أنسنة الأشياء والجمادات المحيطة به، وذلك بمنحها البعد الإنساني الذي ينتشلها من جمود المادة وجفائها إلى حيوية الحياة وإشراق الوعي الإنساني بها، ومن هنا سرت الروح الشعرية في مختلف الفنون، وصار الحوار الجدلي بين الشعر وسائر الميادين أمراً ممكناً، وأصبح الشعر حريصاً على الإفادة من التداخلات الأسلوبية والفنية التي تهدف إلى الكشف عن أبعاد الرؤيا بشموليتها وعمق أبعادها، فمسألة التراسل بين الفنون إذن إنما هي محاولة للوصول إلى عمل إبداعي مفتوح يستثمر عناصر شتى تزيده ثراءً وعمقاً وأمانة مع التجربة...(5)

لقد امتلك الشعر العراقي خصوصيته في التجربة الشعرية العربية في الربع الأخير من القرن العشرين، وذلك لعنف السياق الخارجي الذي هز حياة الإنسان العراقي في حربين ضاريتين، وشمولية ذلك العنف الذي طال بنى الحياة جميعها مما أخضع كلّ شيء لتحولات كبرى، وكان من الطبيعي أن يكون الفن والشعر في طليعتها حيث راح الشاعر يبحث عن ذلك الشكل الشعري القادر على استيعاب تجربة العذاب الكبرى التي يخوضها ضد قوى عاتية تشتغل على أهداف محددة ومرسومة، مهمتها المركزية تخريب البؤر الأساسية في الفكر العربي بغية استسلامه لصالح تنفيذ برامجها في العولمة، فكان على القصيدة الجيدة أن تتسلح بطاقاتها الإبداعية كلها من أجل التعبير عن الداخل في مواجهة الخارج، لذلك وجدناها وقد تفاعل فيها اليومي بالذهني، والبصري بالسمعي، والتشكيلي بالشعري، والسردي بالمشهدي، والنثري بالوزني...(6) بحيث تمكنت من النهوض بتلك التجربة العنيفة القائمة على أسطرة التداخل المدهش بين تناقضات المشاعر الإنسانية حزناً وفرحاً ويأساً وأملاً وتشبثاً مبدعاً بالحياة وسط ركام الصواريخ وأمشاج الدم.

من هنا فقد انفتح النص الشعري على الأساليب والفنون معاً، وبالرغم من كون الأدب سابقاً للسينما بآلاف السنين إلا أنهما أصبحا فنين متجاورين، فهما من نتاج الفكر الإنساني المبدع، تجمع بينهما سمات وتفرق بينهما أخرى، لكنّ علاقة حميمة ما تنفك تجمع بين الفنين، تلك هي الكلمة المكتوبة..(7) ويؤكد دارسو هذا الفن أنّ للسينما مدىً تعبيرياً غير اعتيادي فهي تشترك مع الفنون التشكيلية في حقيقة كونها تشكيلاً مرئياً يسقط على سطح ذي بعدين، ومع الرقص في قدرتها على معالجة الحركة المنسقة ومع المسرح في قدرتها على خلق كثافة درامية للأحداث، ومع الموسيقى في قدرتها على التأليف في إطار الإيقاع والجمل الزمنية، ومع الشعر في قدرتها على وضع الصور إلى جانب بعضها، ومع الأدب قدرتها على الإحاطة بالتجريد المعروف في اللغة عموماً عن طريق الشريط الصوتي..(8)

إن مجموع التقنيات السينمائية التي أثرت في الشعر العربي الحديث دعت الشاعر إلى ضرورة أن يكون مخرجاً جيداً لنصه وإذا كان الإخراج واحداً من أهم الفنون السينمائية في القرن العشرين فإنه سيكون أحد المعالم الرئيسة لفنون القرن الحادي والعشرين حيث ستمتزج هذه الفنون بعضها ببعض وتختفي الحواجز الفاصلة فيما بينها أو تكاد، لتكون في مجموعها فناً شاملاً تشترك فيه اللوحة والكلمة والموسيقى والحركة، وهي في كل ذلك تحتاج إلى يد المخرج الماهر لتصنع اللمسات الأخيرة على ذلك التناغم المبدع..(9)

ويتفق الشاعر المخرج على تحقيق هدف واحد هو العمل على إثارة المتلقي قصد الانفعال بالعمل الفني من خلال الصور التي يشكلها كلا الفنين ومحاولة استكناه تلك الصور جمالياً ودلالياً. إن تقنيات الآلة الحديثة ومنجزها الفني في السينما استطاع أن يؤثر على الشعر الحديث من خلال أبعاد واضحة يمكن تلخيصها ببعض الإشارات، منها الإفادة من تقنية الكاميرا وما يتبع ذلك من مونتاج حيث توظف تقنيتا القطع والوصل معاً من أجل تشييد صورة معينة، وتعد القصائد المشهدية خير مثال على ذلك وهي القصائد التي تتكون من مجموعة مقاطع مرقمة أو معلّمة، وعند الشعراء الذين وعوا هندسة القصيدة في ضوء الفن السينمائي وكتبوها بمقصدية مؤشرة نجد فنوناً أخرى تدخل حيز الشعر كالسيناريو والديكور، ومثال ذلك قصيدة الشاعر كاظم الحجاج بعنوان (مساء داخلي..) مثبتاً إزاء العنوان وبالمستوى الطباعي ذاته: قصيدة سيناريو، ويُعرّف السيناريو بأنه قصة تُروى بالصور والصور المتحركة هي وسط مرئي ينقل على نحو درامي الأحداث الرئيسة في قصة ما، وبغض النظر عن نوع القصة لا بد أن يكون للسيناريو بداية ووسط ونهاية..(10) ويعمل السيناريو على وصف الأحوال والإشارات، وهو الذي يعطي الإرشادات والإيعازات لتقطيع المنظر وحركية الكاميرا والأصوات واستخدام الموسيقى وتفاصيل فنية أخرى..(11) فالسيناريو إذاً نظام يتكون من بدايات ونهايات ومواضع حبكة ولقطات ومؤثرات ومشاهد وتتابعات بحيث تكون عناصر القصة مرتبة بطريقة معينة تتكثّف بصرياً وتخلق وحدة كاملة تقدم قصة تروى بمجموعة من الصور تتبدّى لنا من خلال عنصرين مهمين هما: المشاهد والتتابع، فالمشهد هو العنصر الأكثر أهمية في النص لأنه الوحدة المحددة للفعل، وهو المكان الذي تُروى فيه القصة، والمكان أنواع داخلي وخارجي وبيني، أما التتابع فهو العمود الفقري للنص لأنه جامع أجزائه كلها، فهو السلسلة التي تربط المشاهد ببعضها عبر فكرة واحدة...(12) فمشاهد القصيدة السيناريوية إذن تتشكل من مشاهد متتابعة ومتباينة، وتعتمد على اللقطة التي ترتبط بخيط دلالي مع اللقطة السابقة لها واللاحقة بها، وهذا الخيط الدلالي الذي يربط مشاهد القصيدة ولقطاتها جميعاً هو عنوان وحدتها العضوية التي صارت مع انفراط منظومات الدلالة ـ تتشكل بطرائق جديدة أكثر خفاءً وأشدّ إيغالاً في النص مما كانت عليه، بحيث تنتهي المشاهد إلى شريط شعري يقابل الشريط السينمائي.

وللتشكيل المشهدي في شعر التفعيلة أهمية خاصة لما ينطوي عليه المشهد الجيد من قدرة على الاختصار والتكثيف، ويتحدد في السيناريو نمطان من السرد: سرد ذاتي وسرد موضوعي، وفي السرد الذاتي نتتبع القصة في السيناريو من خلال عدسة آلة التصوير، فهي الراوي الذي يرى من خلال وجهة نظر محددة..(13) وهذا الراوي هو الذي يلتقط الصور التي يتشكل منها المشهد، وهو الذي يعمل على ضبط التحولات في الزمان والمكان عبر المشاهد المتتابعة في القصيدة، وفضلاً عن اهتمامه ذاك بالصور البصرية وعمليات التوليف والقطع، فإنه يهتم بتنمية المستويات السردية والحوارية داخل الخطاب الشعري، على أن القصيدة الحديثة لا تسلك في ذلك طريقاً أحادياً أو سلبياً من خلال التماهي مع الخطاب السينمائي ومحاكاته، بل هي تمارس تأثيراً إيجابياً على لغة ذلك الخطاب التي صارت تشف عن طاقات شعرية خصبة مكتسبة من ذلك التفاعل الدائم بالمعطى الشعري..(14) يوحي عنوان قصيدة الحجاج(15) بشطره الأول (مساء داخلي) أنّ المشاهد المصورة من قبل الكاميرا الشعرية التقطت مساءً وأن الأحداثتجري في فضاء ضبابي أقرب إلى الليل، فمنذ اللقطة الأولى وحتى النهاية تنكشف صور ذلك المساء (الداخلي) إشارة إلى أنّ المشاهد التقطت داخل بيت أو غرفة أو صالة، وإن تجاوزت الكاميرا ذلك الداخل لترصد الهلال وسط السماء فإن تأطير المشهد الخارجي بفتحة النافذة حسب ما يؤكد أن اللقطة نُفذت من الداخل، أما الشطر الثاني من العنوان (قصيدة سيناريو) فهو إشارة إلى مقصدية النص في اعتماده تقنية معينة بوعي يطرح الحدث من خلال مشاهد تترى في شريط شعري.

إن عنوان هذا النص قابل للانضواء في مشروع القراءة الذي يمكن أن يذهب في اتجاهين على الأقل، الأول مساء للتواصل يدخل في احتمال تناغمي مع ليل هادئ وديع، والثاني مساء انفصال يدخل في كابوس الظلمة والقطيعة وما يتبع ذلك من عوامل سلب، حينما يوحي بمساء روح داخل في الظلام، أو نفس إنسانية داخلة في الوحشة وقراءة المشاهد المتتابعة في النص هي التي ستكشف لنا عن حقيقة توجه العنوان:

مساء داخلي ـ قصيدة سيناريو

(1)

ساعة في الجدار

تشير إلى الواحدة

وبعض الزمانْ..

(2)

زجاجة خمر على حافة المائدة

قدح يمتلئ نصفه بالنبيذ

وتفاحة ـ نصف تفاحة ـ

.. وكتاب

(3)

هلالٌ بعيد

كالطباشير داخل سبورة من ظلام

.. تؤطره النافذة

(4)

رماد السجائر تذروه مروحة

ـ باستدارتها ـ

عن وعاء الرماد

(5)

حفيف ثياب الستائر

يكشف عري المساء

(6)

فجأة خنجر البرق يثقب بطن الغيوم

يتفجر خزانها

ويبلل (ثور السماء!)

فيطلق حنجرة الرعد ثور السماء!.

(7)

نفسها الساعة الـ (في الجدار..)

تشير إلى الواحدة

ونصف.. وبعض الظلامْ

(8)

فارغ قدح المائدة..

والزجاجة مقلوبة في الفراغ

مثلما الجرحُ ينزف منها النبيذ

(9)

رماد السجائر تذروه مروحةٌ

ـ حينما تستدير.. ـ

(10)

على رجل ساقط

أسفل المائدة

(11)

يدهُ هامدة..

(12)

العقارب تنأى عن الثانية

وخمس دقائق.. فوق الكتاب

(13)

صوت قلب رتيب

يدق الزمانُ

على صورة الساعة.. الجامدة..

فالمشهد الأول يتكون من لقطتين: الأولى تظهر فيها الساعة معلقة على الجدار، وهي لقطة عن بعد، أما الثانية فهي لقطة قريبة إذ تتجه العدسة إلى داخل الساعة لتشير إلى الوقت محددة إياه بالواحدة وبعض الزمان..

في المشهد الثاني تهبط الكاميرا الشعرية من الجدار متجهة نحو محتويات الفضاء الداخلي عبر لقطات متتابعة ومتباينة، فالمشهد يوحي بسهرة، لكنها سهرة تفتقد أهم مقوماتها الذي هو الإنسان. إن حضور أنصاف الأشياء على المائدة (نصف قدح، نصف تفاحة) قابل للتفسير باتجاهين كذلك: الإقبال على الموجود من جهة، والشعور بالانفصال في غياب المفقود من جهة أخرى، على أن المشهد يؤكد حالة عدم الاكتمال في الاستدراك المباشر في السطر الثالث من المشهد، لكن الاكتمال سيتحقق في (الكتاب) وما يُمثله الرمز من عامل إيجاب جامع..

في المشهد الثالث تتجه عدسة الكاميرا من الداخل نحو الخارج حيث ترصد هلالاً بعيداً في السماء (كالطباشير داخل سبورة من ظلام) عبر لوحة تشكيلية ينهض فيها لون الأسود أرضيةً لها في حين يشكل الأبيض صورة للهلال، ولا ينسى التداخل الأجناسي مع الرسم هنا أن يضع للوحته الشعرية ـ التشكيلية إطاراً هو فضاء النافذة المفتوحة وحدودها، لكن المفارقة التي يبثها المشهد تكمن في التساؤل عن هلال يطلع بعد الساعة الواحدة ليلاً.. في أي شهر قمري وكيف ولماذا..؟

المشهد الرابع يؤكد أن الموسم صيف فالمروحة تشتغل، وهي باستدارتها تذرو رماد التبغ عن وعائه، وهو مشهد آخر يؤكد وجود إنسان غائب فيزيائياً، لكنه حاضر بأثره المتواجد عبر الأشياء المادية.

المشهد الخامس يوحي بحركة ريح في الخارج، ريح تحرك ستائر النافذة كاشفة (عري السماء..) وفي الاستعارة المكنية هنا نعيٌ ممض آخر للإنسان المفقود، ولزمنه العاري من دفء حضوره، والموحش بغيابه.

وفجأة يعلو الحسّ الدرامي في المشهد السادس، وتحتشد الأفعال المضارعة التي اتسم ثلاثة منها بالعنف (يثقب، يتفجر، يطلق..) والمفارقة الشعرية تتكرس، فالموسم صيف، لكن المشهد يكرس حالة شتاء: برق ورعد، ومطر..

في المشهد السابع الذي يشكل منتصف النص تماماً تعاود عدسة الكاميرا الشعرية التقاطها لساعة الجدار ذاتها، وقد مضى نصف ساعة على الحركة التصويرية وهي ترصد مشاهدها الستة زماناً ومكاناً، وبطء حركة الزمن يؤشرها هذا التحول التعبيري في نهاية المشهد من (وبعض الزمان..) إلى (وبعض الظلام..) مما يشير إلى أن الزمان يتحول من طابعه الأفقي إلى بعد نفسي، مؤكداً كونه أهم معطيات الوعي المباشر، وهو أكثر حساسية وحضوراً من المكان الذي كثيراً ما يحضر في الشعر (مزمناً) ذلك أن الشاعر لا يكتفي بالعيش في زمنه الخاص حسب، بل هو يتأمل التاريخ في توهجه وشحوبه وفي مكابدة بؤره المأساوية، وإذ يتحول الزمان إلى ظلام فذلك يعني قمة المعاناة في السؤال الوجودي وهواجسه الأبدية.. لماذا..؟ إن مفردة (بعض..) لا نحسّ في حضورها تخفيفاً لحدة الحالة، بل فيها سخرية ويأس من الحلول المحتملة، ولذلك تبدأ حالة السلب بالتراكم عبر المشاهد المتبقية كلها حتى نهاية النص.

إن المشهد الثامن يوحي بالإثم والخطايا التي أشاعت الإرباك والفوضى في الفضاء المقصود، ومفردتا (الجرح) و(ينزف) تؤكد حالة الأذى الذي اقترفته يد مجهولة، ورماد السجائر تذروه مروحة حينما تستدير، إشارة على غياب القرار الجدير بإيقاف الفوضى المحدقة بحياة الإنسان المعاصر..

ويأتي المشهدان العاشر والحادي عشر ليؤكدا التوجس والخوف اللذين هيأ لهما النص، حيث مهدا لنتيجة مهمة هي قصدية إلحاق الضرر بالإنسان من خلال التنكيل به وتغييب فاعليته، ومحاولة تصفيته جسدياً بكل الوسائل التي ألمحت إليها المشاهد:

على رجل ساقط/ أسفل المائدة

وتأتي جملة (يده هامدة..) في مشهد كامل من خلال صورة مكبرة تقترب فيها عدسة الكاميرا الشعرية لتصور بشاعة ما يجري في المشهد رمزاً لجريمة عصر كامل تجري خارج النص، ويعم النص بكل ما أوتي من طاقة على تعرية تلك الجريمة انطلاقاً من كون فضيحة المجرم هي بداية هزيمته، فاسم الفاعل (ساقط) هنا أريد به اسم المفعول لأن الرجل لم يسقط بإرادته وإنما هو ضحيةُ عدوان غاشم سقط عليه.

في المشهدين الأخيرين تتحول الفاعلية من الآلة الجامدة (الساعة) إلى الزمان والكتاب معاً، حيث تنضوي الآلةُ تحت هيمنة الزمن المتحول والمحوِّل معاً، وفي سطوة الوثيقة الشاملة التي من شأنها أن تدون منظومة قيم الإنسان توهجاً وانطفاءً، والتي تدين خطايا وعدوان مستلبيه وسارقي أيامه، ويمكن تسجيل الملاحظات الآتية على قراءة النص:

1. تطغى على المشاهد سكونية من نوع ما، سكونية تكشفها سيطرة الجمل الاسمية على البناء التركيبي للنص، وقلة الأفعال التي من شأنها أن تحرك جريان التشكيل لتذهب بالسرد نحو نهاياته، إن النص الذي تشكل من ثلاثة عشر مشهداً لم يرد فيه غير خمسة عشر فعلاً، كلها أفعال مضارعة، مما يربط الحدث بالحاضر حصراً، مؤكداً أن هندسة زمنية خاصة تسود القصيدة، هندسة تعي برنامجها المخطط رؤية وتشكيلاً.

2. توحي المشاهد بغياب إنساني فادح من خلال اللقطات التي كانت تؤكد على الديكور وعلى تأثيث الفضاء الداخلي لسهرة مسائية، وإذ يغيب الإنسان بحيويته وفعله الحركي تحضر عوامل السلب التي تؤكد قهره وعوامل استلابه.

3. تتداخل المفارقات بحدة عبر المشاهد، فالوقت ليلاً، لكن النور موجود، ولا يشير النص إلى مصدر الضوء الذي يكشف عن أشياء دقيقة في فضاء التصوير، والجو شديد الحرارة بدلالة سرعة المروحة التي تبعثر الرماد من إنائه، لكن المطر يهطل، ويشتد البرق والرعد اللذين يمثلان علامة شتاء، والمفارقة الأخرى تنكشف من خلال التداخل الموسمي السنوي ما بين صيف وشتاء يحدث في النص خلال ساعة واحدة وخمس دقائق تؤشرها ساعة الجدار..

4. إن تداخل الحدث لا ينكشف عبر التداخل المناخي حسب بل يمتد ليشمل تأثيث الفضاء الذي يتحرك كل شيء في داخله نحو السلب:

ـ قدح المائدة رمز المتعة ? فارغ

ـ زجاجة الخمر رمز السمر والندامى ? مقلوبة في الفراغ

ـ مثلما الجرح ينزف منها النبيذ ? التشبيه يؤكد تحول الجلسة من أنس وسمر إلى حالة مأساوية..

5. يتحرك الزمن الشعري متوجساً نحو الانطفاء حتى يخلد إلى المأساة مجسدة في رماد تذروه المروحة على رجل ساقط أسفل المائدة، يده هامدة، فالمشاهد السبعة إذن تمهيد لإعلان كارثة العصر المتمثلة في مفردتي: (ساقط، وأسفل) وفي جملة (يده هامدة) تعبيراً عن شلل الفاعلية الإنسانية وضمور المقاومة..

إن حضور علامات فعل القهر الإنساني وغياب الآليات التي حدث بها، زاد من تفعيل التلقي في إطلاق المتخيل وآليات التأويل بحثاً عن الفاعل وعن الأسباب والمسببات وعن طرائق الفعل، وكأن النص يحرّض على ردّ فعلٍ إنساني على ما حدث إن عاجلاً أو بعد حين.

6. إن تحول عقارب الساعة من الساعة ـ الآلة (فوق الجدار) إلى (الكتاب) دليل على حضور الوثيقة التي ما تنفك تسجل مجريات قتل الإنسان، وتشير بسيميائية عالية إلى أهمية معرفة قاتليه ومجرّحي زمنه، وتبقى جملة (صوت قلب رتيب) التي غاب فيها المبتدأ جملة معلقة، مغيبة الفاعل، فقلب مَنْ هذا الذي يبعث صوتاً رتيباً، أهو قلب الرجل الساقط أسفل المائدة رمزاً لإنسانية مغتالة، أهو قلب الحلم الذي كان مؤملاً أن يؤثث بالفرح سهرة المساء الداخلية؟!

إن الساعة ـ الآلة حينما تتحول إلى (صورة ساعة..) وتؤكد هذه الصورية مفردة (الجامدة) وصفاً لها، فإن الزمن المهيمن لا يصمت بجمود الساعة، وإنما يواصل سطوته في الجريان معلناً حضوره المستمر بحرف الجر (على) الذي يفيد الاستعلاء على الساعة ـ الآلة، والجملة الفعلية (يدق الزمان..) بفعلها المضارع المستمر تشير إلى رصد ما يجري وأهمية ذلك الرصد نهاية النص، ولذلك فإنّ ثمة وقائع مهمة يمكن أن تجري رداً على عمليات استلاب الإنسان وتخريب حلمه ومسراته المشروعة.

على أننا لا نعدم الإشارات التي تفتح في النص كوىً على ذلك الحلم، لعلّ في مقدمتها (الهلال) الذي سيظل مشروع اكتمال ما دام الزمان يتواصل ويعلن دقاته.

إن الزمن الذي يؤول بالناس والأشياء إلى الانطفاء والزوال دوماً، هو نفسه الذي يؤجج إحساس الشعر به، فالشعر لا يتوهج إلا بحسه الزمني الذي يحاول تلمس الخلود، والزمن الذي كان يرعب الشاعر الجاهلي بالفناء صار اليوم واحداً من عناصر مأمله، فالشعر يطلع من مكامن عذابه ومن اضطهاد الآخر له وأمله كبير بأن دورة الزمن الأبدية جديرة بتغيير كل صفحات الظلم مهما طال أمدها، ولذلك يمكن أن يتحول الزمن في الحس الثوري والوعي النضالي والتاريخي إلى عنصر خلاص إنساني تؤازره الإرادة والوعي الإبداعي الخلاق.

7. إن النص بتشكيله المدروس خرج على السائد الذي يعول على الاهتمام بالشخصية التي تطور بحركيتها الأحداث والوقائع، متخذاً من الديكور الشعري وبعض تفاصيل الفضاء أداة للإفصاح عن حال إنسانية تود الكشف عن خطر يهددها، ويكاد يحيق بها من خلال نقل مستوى الأداء من سرد الحدث إلى الوصف البنائي لمشاهد معينة في تقنية شعرية ـ سينمائية وأشجت (بفنية اعتمدت إيجاز القصر) بين لغة الخطابين الشعري والسينمائي من حيث نحو اللغة ومجازها وإيقاعاتها، وبين قواعد الفلم الفنية في القطع والتوليف والإخراج، تلك القواعد التي يتم من خلالها تتابع اللقطات في تشكيل مشاهد النص.

8. إن القصيدة تدخل في تناص واضح من حيث تأثيث النص وفي جانب من مضمونه مع قصيدة يوسف الصائغ القصيرة وعنوانها (باختصار)(16):

الليلة كان كابوس

مختصراً جداً

مائدة...

وزجاجة خمر

وثلاث كؤوس

وثلاثة أشخاص

من دون رؤوس

لكن الحفر الأعمق في النص يتجاوز مرجعيته السريالية ليجد أن كابوس الصائغ المرسوم في الثمانينات يتناص هو الآخر بسرية وخفاء مع قصيدة الشاعر التركي ناظم حكمت(17) وعنوانها (أربعة أشخاص وأربع زجاجات) المكتوبة سنة 1930 ومنها:

مائدةٌ مدورة

وأربع زجاجات فارغة

وأربعة أشخاص

وأربعة كؤوس خمر

لكن هذين النصين (لحكمت والصائغ) إذ يركزان على تغييب العقل والوعي الإنساني بفعل هيمنة الخمر وحضور مستلزماتها، فإن قصيدة الحجاج تركز على قضية اغتيال الإنسان المسالم واضطهاده وإلحاق الضرر الفادح بحياته.

9. إن الشاعر إذ يلجأ إلى مثل هذه التداخلات الأجناسية فإن هدفه الأساس هو التركيز على تطوير فنية شعره وتوسيع رؤاه والذهاب بأدواته الشعرية إلى مداها الأبعد من حيث الكفاءة التعبيرية تحقيقاً لجماليات نصية جديدة يريد لها التحقق من خلال الاستعانة بآليات الفنون الأخرى، ويرى الشعر جديراً بالتواشج معها والإفادة من جوهر معطياتها التشكيلية.

***

الهوامش:

(1) ينظر: الزمن والرواية، أ. أ، مندلاو، ترجمة: بكر عباس؛ ص 10ـ 11، دار صادر ـ بيروت، ط1، 1997.

(2) ينظر: الكتابة بأفق آخر، مقاربات ميتا ـ نقدية، عباس عبد جاسم: ص 9، منشورات الغسق، بابل، ط1، 2000.

(3) المصدر نفسه: ص 11.

(4) ينظر: الكتابة خارج الأقواس، دراسات في الشعر والقصة، سعيد مصلح السريحي: ص 67، نادي جازان الأدبي، جدة، ط1، 1986.

(5) المصدر نفسه: ص 67ـ 69.

(6) ينظر: هجرة النص، عنف التجربة وجماليات النهج الشعري، د. محمد صابر عبيد، مجلة الأقلام، 6/ 2001: ص 7.

(7) ينظر: الأدب والسينما، ملف الأقلام، مجلة الأقلام، 2/ 2001: ص 49.

(8) ينظر: فهم السينما، لوي دي جانيتي، ترجمة: جعفر علي: ص 11، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1981.

(9) ينظر: فن الإخراج، زيغموند هييز، ترجمة، د. محمد هناء متولي، ملحق مجلة الثقافة الأجنبية، 1980: ص 124.

(10) ينظر: السيناريو، سدفيلد، ترجمة سامي محمد، ص 23، دار المأمون للترجمة والنشر، 1989.

(11) ينظر: حول صنعة كتابة السيناريو، كورت هانكو تبرود، ترجمة إقبال أيوب، دراسة منشورة ضمن كتاب: فن كتابة السيناريو: ص 13، دار الشؤون الثقافية العامة، كتاب الثقافة الأجنبية، 1986.

(12) ينظر: السيناريو، مصدر سابق: ص 103ـ 104.

(13) ينظر: سردية السيناريو بين السرديات الأدبية والسرديات الصورية، د. طه حسين الهاشمي، مجلة الأقلام، 2/ 2001: ص 62.

(14) بين الخطاب السينمائي والخطاب الشعري، القصيدة وتقنيات السيناريو: فاضل ثامر، مجلة الأدب المعاصر، 46/ 1994: ص14.

(15) غزالة الصبا، كاظم الحجاج: ص 43، دار الينابيع، عمان، 1999.

(16) المعلم، يوسف الصائغ ص 167، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1986.

(17) ينظر أثر الرسم في الشعر العراقي الحر، أحمد جار الله، ص 133، أطروحة دكتوراه مقدمة إلى آداب الموصل 2001، وينظر: الناظرون إلى النجوم، ناظم حكمت، ترجمة ثابت عزاوي ص 183، دار الجماهير، د. ت.

 

أ. د. بشرى البستاني - كلية الآداب / جامعة الموصل - 13.06.2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri