حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

متعة ألا تنتظر نوبل

قبل ساعة واحدة من إعلان الأكاديمية السويدية فوز النمساوية إلفريدي يلنك بجائزة نوبل في الأدب هذا العام كنت في احدي كفتيريات القاهرة أتناول إفطاري بعد صحو متأخر أعقب ليلة من اللعب قليل المحصول. لم يكن يضايقني سوي صوت المرأة علي الطاولة المجاورة تحكي لرفيقها المكائد التي تتعرض لها من بنات جنسها. وقد صرت بسبب من صوتها العالي شريكا في الاستماع وكدت أقوم وأسألها: من أجل ماذا كل هذه المكائد؟ طالما ان رفيقها المستلب لم يفعل، بينما يبدو جمالها من النوع الضروري لإظهار جمال أية أمرأة أخري!

نعمة أن يمر عليك الخميس الأول من أكتوبر وأنت لا تنتظر الفوز بجائزة نوبل، وأنا في الحقيقة لم أكن انتظرها لا في العام الفائت ولا العام الحالي ولا العام القادم أو الذي يليه. لأنني لا أزال أفكر بخطط للكتابة، والجائزة تحول الكاتب الي نجم تطارده وسائل الإعلام، رغم أن الكثير من الكتاب لم يعودوا ينتظرون الحصول علي نوبل لكي يتحولوا الي نجوم مجتمع تستفتيهم برامج المنوعات في الأزياء والمطبخ والحب والكره والغيرة.

ربما تكون حسنة نوبل أنها تنقل الثرثرة من المستوي المحلي الي الدولي، يستثني من ذلك بالطبع الحضور الجاد والضروري في الاحتجاج ضد أشكال الظلم في مناسبات يجترحها عظماء مثل ماركيز وساراماجو.

هي علي كل حال مجرد لعنة وعشرة ملايين كورون (ثمنها هذا العام مليون يورو وواحد من عشرة من المليون). أثر اللعنة في الحقيقة هو الأوضح: فقليلون جدا علي مستوي العالم تمكنوا من كتابة اعمال مهمة عقب الفوز بها!

والفظيع ان لعنتها تصيب كثيرا ممن لم يفوزوا ايضا، كانت وجهة نظر الراحل الرائع يوسف ادريس انه كان لايزال يمتلك بقية من شباب تجعله يستمتع بالقيمة المادية للجائزة لو لم تخطئه الي نجيب محفوظ، ولكنه مات بعد ذلك بثلاث سنوات إلا شهرا.

بالنسبة لي لم أكن انتظر الجائزة علي الصعيد الشخصي ولا القومي، رغم انهم حولوا شاعرنا ادونيس الي مرشح دائم، بينما يري مشجعو الفريق المنافس (محمود درويش) في شاعرهم الوجه الملائم عربيا لرد الاعتبار لثقافة مهانة. ورغم اضافة اسم آسيا جبارالي ترشيحات هذا العام فإن الحيلة لم تعد تنطلي علي. وتلقيت دون أسي وأنا اتناول قهوتي بعد الإفطار نبأ فوز إلفريدي وكان لدي من الوقت ما يكفي لأسأل: من تكون إلفريدي هذه؟

إنها ليست أقل جمالا أو شبابا من سيدة الكافتريا المحسودة، ولكنني فيما يتعلق بأسماء الفائزين بنوبل تعلمت من خبرة سنوات سابقة ألا أسارع الي الاستنكار: فنحن لانزال الي حد كبير بعيدين عن حركة الإبداع العالمي، ومن نتصوره غير مهم قد يكون مهما دون ان ندري.

فوز العظيم ساراماجو أثار دهشتنا مثلما أثارهها فوز كيرتش، وشتان بين الفوزين وإلفريدا التي يسميها منتقدوها في النمسا ب'الكاتبة الفضيحة' ربما­ من يدري­ هي الفائزة المناسبة لإكمال الرقم عشرة للنساء في جائزة تجاوزت عتبة قرنها الثاني. وقد جاءتها مثل فائز العام الفائت كوتزي في السن الذي حلم به إدريس: تحت الستين!

وقد تكون الفريدي مثل كوتزي (من أواسط الكتاب) بينما يحظي تاريخ الجائزة بعشرات من النكرات الذين جرفتهم رياح اللعنة العادلة بتعبير ماركيز، وقد كتب مقالا عن عظماء نوبل الذين لم يكونوا كذلك أبدا، أمثال الفرنسي سولي برودوم مفتتح أعمال الجائزة أو البولوني هنريك سنكويش أو فردريك ميسترال وغيرهم ممن لانكاد نعثر علي سطر حولهم في معاجم الأدب، وقد حصلوا عليها في الوقت الذي عاش فيه ومات تولستوي عن اثنين وثمانين عاما دون ان ينال الجائزة رغم مرور عشر سنوات علي بدء منحها وخمسة وأربعين عاما من المجد لتحفته الروائية 'الحرب والسلام'.

يذكر ماركيز أيضا وبسخرية عميقة­ في المقال الذي ترجمه صالح علماني­ أسماء هنري جيمس، مارسيل بروست، فرانز كافكا، جيمس جويس، وراينر ماريا ليركه، وكل منهم ترك بصمته التي لن تمحي من وجه الأدب.

ولايعني توقف ماركيز أمام الثلاثين عاما الأولي من عمر الجائزة أنها أصبحت أقل خطلا فيما بعد، لكن امثلة الماضي البعيد هي الأكثر إقناعا، لأن كلمة العدالة التي ينطقها سلطان الزمن لايمكن ان ترد، بينما التشكيك في أحقية هذا الكاتب او ذاك من فائزي السنوات الأخيرة يظل موضع جدل.

ولن تكون الجائزة اقل خطلا في السنوات القادمة، طالما ان مانحيها بشر لديهم أولوياتهم وانحيازاتهم وطالما أن من يوصلون الترشيحات إلي أعتاب أكاديميتهم العريقة بشر أيضا.

ومع ذلك فإنها ستبقي مناسبة سنوية لتحسين شروط حياة بعض من يفوزون بها وإيذاء حياة البعض الآخر، وإفساد طمأنينة كل من حلموا ولم يظفروا بها.

وبالنسبة للجميع تبقي الجائزة مناسبة سنوية للشك في العدالة: رغم ان العدالة غائبة علي مدار العام.

 

عزت القمحاوي - أخبار الأدب - 2004



.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri