حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

التيارات الأدبية في الأدب التركي

أتيللا أوزقرملي

قبل البحث في تيارات الأدب التركي الأساسية، وتأثير هذه التيارات على النتاج الأدبي، لابد من تحديد زاوية رؤية، وأسلوب ينظر من هذه الزاوية. لأن القضية ليست تعداد المعروف حول التيارات الأدبية ونقل المعلومات فقط، بل تطبيق المعلومة في تاريخ أدبٍ متعدد الأبعاد، يُظهر المنعطفات في سير تطوره الذاتي.. وتقييم تاريخ الأدب التركي عبر الأبعاد العالمية للتيارات الأدبية من جهة، وتحديد المنعطفات والخصوصيات الذاتية من جهة أخرى... وتقديم محاولات البحث عن خصوصية قومية. أو بمعنى آخر، مع استعراض تجليات العالمي، تقديم المبادرات التي تشكل الهوية القومية الجانب الأكبر منها في الأشكال التي تم التوصل إليها...

يمكن شرح هذا عبر التوقف عند الأمثلة المحددة على النحو التالي:

عند استعراض تطور التيارات الأدبية، يُرى أن هذه التيارات ليست خاصة بالأدب فقط، وقد بدأت بوصفها تيارات فنية عامة، وتطورت في هذا المنحى. فوق هذا، فإنها جميعها ثمرة البنية الاجتماعية للعصر الذي ولدت فيه، والأيديولوجية، وطُرز التفكير المرتبطة بتلك البنية. يَظهرُ تأثير فلسفة العصر على الفن بشكل تيارٍ، ويتطور في إطار خصوصيات مشتركة في النتاج الفني كله. من هذه الزاوية، يحمل قدراً من الصواب تعريف (رؤوف مطلوآي):

"التيار الفني هو الانسجام المتولد عن طرح الأشخاص المتوافقين حول رؤية حياتية، ومفهوم فني في نتاجهم، ومبادئهم المستمرين عليها، والناجمة عن نظام اجتماعي، وتطور هذا النظام".

وكمثال على هذا، فإن الكلاسيكية، الرومانتيقية، الواقعية، الواقعية الاجتماعية، الرمزية، الدادائية، السريالية هي بعض التيارات التي وُلدت وتطورت في الغرب.

وهنا يجب أن نعتبر المسارات التي تظهر في الأشكال التي تُنتجها مختلف محاولات البحث لفناني أمة ما، والموصوفة بكلمة تيار، بالقيمة نفسها لما عُدَّ تياراً فنياً، وهي المواقف الفنية التي تتخذ مكاناً لها ضمن ما يطلق عليه: تيار، وتحمل اختلافات جزئية في الظروف الخاصة لكل أمة، وتتشكل مع ثقافة تلك الأمة خصوصاً. غير هذا، تظهر في الشعر على وجه الخصوص مجموعات مختلفة خلال فترة قصيرة أحياناً ترتبط بالتيار الفني نفسه، كما يمكن مصادفة تكونات مشابهة في أنواع الأدب كلها. وعلى سبيل المثال يمكن تناول تيار الأدب القومي في إطار الواقعية عموماً، ولكن لا يمكن تناول هذا بشكل منفصل عن التيار القومي التركي بشكل خاص. رغم هذا، من غير الممكن ربط (رفيق خالد قاراي) المنتمي إلى الواقعية نفسها بالتيار القومي التركي. بعد ذلك، يُرى ظاهرياً أن تيار "الفجر الآتي" ردة فعل على "الأدب الجديد"، ولكنه لم يتجاوزه، ولم يتخلّص من الاندماج معه خلال فترة قصيرة. ومن هنا يمكن الوصول إلى النتيجة التالية:

إن حركات الأدب الجديد، الأدب القومي، غريب، الحداثة الثانية التي نعتبرها تيارات رئيسية في الأدب التركي، يجب أن تُقيّم بوصفها تأثيراتِ التيارات الأدبية العالمية من جهة، وانعكاساً للمتغيرات الاجتماعية والفكرية في مرحلة التطور التاريخي للمجتمع التركي على الأدب التركي من جهة أخرى. ويحمل هذا التكون تعقيدات علاقات البنيتين الفوقية والتحتية، والتطورات الثقافية كلها. لهذا السبب، سنحاول تناول الموضوع من زاوية النواحي التي تحمل خصوصيات مرحلة تطور الأدب التركي، وليس من زاوية التيارات الأدبية العالمية فقط.

I

لا يمكن الحديث عن وجود تيارات بالمعنى الراهن في "أدب الديوان" أو على الأصح، فإن أدب الديوان بحدّ ذاته، ورؤيته للعالم المعتمدة على الخصوصية الدينية، وشكله المرتبط بالقواعد، ومضامينه المتجددة يشكّل تياراً فنياً. في مرحلة تطوره التي تزيد على ستة قرون، لا يُرى غير مجموعات التفّت حول شعراء وصلوا إلى قوة الشكل ومهارة الإلقاء، أو سارت على نهجهم، ومحاكاة قصائد معينة وزناً وقافية هي الشكل الأبرز لهذا. ومن هذه الزاوية يجب أن تُقيّم مدرسة “باقي” ومدرسة “نديم” في تاريخ الأدب. عدم تحقيق تحولات تقلب البنية الاجتماعية، وسيطرة رؤية دينية للعالم في الفن تحول دون تكونات جديدة على صعيد المضمون أو الشكل. ومحاولات البحث التي تبدو جديدة تدور وسط مبادئ أدب الديوان، أو بمعنى آخر: قوالبه، دون تجاوز مستوى الاتجاه الفني.

يجب التوقف بشكل خاص عند اثنين من هذه الاتجاهات: "السبك الهندي" و"البيئية" السبك الهندي هو الأسلوب الهندي، والمقصود: الشكل الهندي. طوّر هذا الأسلوب شعراء الحكام الأتراك ـ الهنود الباربويين الذين يكتبون بالفارسية، ويضم هذا التيار شعراء الديوان في القرن السابع عشر أمثال "نفي" و" نائلي" و"نشاتي" الذين تأثروا به. وهكذا يُعتبر "السبك الهندي" :"مضموناً معقداً يذكّر بالأحجية، وشرحاً، وألعابَ خيالٍ صعبة الفهم، وتشبيهاتٍ مفاجئة غامضة، ولغة شعرية مصطنعة" ويمكن القول إن التلاعب بهذه القوالب عبر هذه الخصائص، وعدم كسر قوالب شعر الديوان هو ما يؤدي إلى المهارة. ويعتبر هذا الشعر، إلى حد ما، نتاجاً ذهنياً، ومحدداً بفكرة منقطعة عن البيئة والحياة. ونتيجة هذا التوجه انتشرت أبيات مواضيع النصح واستخدام عِبَرِ الأولين، والأقوال المأثورة. أما اتجاه المحلية فيجب تناوله في مستويين هما: الشكل والمضمون. يمكن تلخيص الشكل بتناول المحلية في اللغة، وتجنب الكلمات الأجنبية ما أمكن، والتوجه إلى اللغة التركية. ممثلو هذا التيار المدعو: "التركية البسيطة" أيضاً هم: (حرمي طاطاولي) و(ناظمي الأدرنلي) من شعراء القرن السادس عشر. وزع ناظمي شعر التركية البسيطة في ديوانه المؤلف مما يزيد عن 45000 بيت. اختار (ؤاد كوبرولو) أشعار ناظمي التي تحمل هذه الخصوصية، وأعاد ترتيبها، وأصدرها تحت عنوان: "ديوان التركية البسيطة" في عام 1928. من الصعب قول، إن الـ 285 نظماً، المؤلفة من 56 موضوعاً تحمل قيمة فنية. المواضيع هي مواضيع شعر الديوان، كما استُخدمت أوزان البحور. ولكن لا يمكن إنكار أهمية قيمة هذا الشعر من ناحية معاني الكلمات، ومن ناحية تصريف الكلمات التي تفيد معاني الأسماء والأفعال، كما لا يمكن غض النظر عن كون هذا الشعر ردة فعل ضد التأثير العربي والفارسي في شعر الديوان. ولم يبق ناظمي على صعيد توجهه نحو اللغة التركية عند حدود الدفع إلى أمثلة تُرى كثيراً في الشعر الشعبي، بل فَتح الطريق أمام الاستفادة من البيئة والحياة في التشبيه. رغم هذا، لا يمكن أن ينتصر توجهٌ كهذا يهدف إثبات إمكانية كتابة الشعر بالتركية فقط دون وجود كلمات أجنبية كما جاء في هذا البيت:

تعال يا ناظمي لا تأمل بالمحاكمة

فالسرقة لا تلوث يديك بالذنب

ويجب عدم اعتبار هذا ناجماً عن ضعف شعراء هذا التيار، بل في عدم استطاعتهم الانفصال عن عالم شعر الديوان في المحيط الذي نشأوا فيه، والوسط الأدبي الذي وُجدوا فيه.

أما المحلية التي تبلورت مع (نديم) في أواخر القرن الثامن عشر، فتتعلق بالمضمون. يقول من يعتبر نديماً مجدداً، إن التجديد الذي أتى به هو: كسره القوالب، وعدم اكتفائه بالنظم المعهود، وتصويره الحياة، واستخدامه القول البسيط الانسيابي، وإدخاله المتعة والسخرية، وتعبيره عن متعة الجسد.

ولكننا عندما نستعرض شعر الديوان السابق نجد أن أياً مما ذُكر ليس جديداً. حتى إننا يمكن أن نجد المتعة والسخرية لدى (باقي). خاصة أن المحلية خصوصية يمكن تعميمها لدى شعراء منطقة (روملي). باختصار، من غير الممكن فصل (نديم) عن التقليدية. ولكننا بعد أن نُدخل شعره داخل تقاليد الديوان "إذا تناولناه داخله، نجد أن ما يفصله عن الذين سبقوه، وحتى عن معاصريه هو طرفٌ يتفاعل بحرارة مع الواقعية أكثر منها كلها" (أحمد طار بنار).

بمعنى آخر، يقدم نديم ما يأخذه من العالم الخارجي كما هو. لا يستخدم انطباعاته ورؤاه بوصفها شكلاً من أشكال التزيين بعد تجريدها. الفرق بين الرسم والمنياتور، هو نفسه الفرق بين نديم ومن سبقه. إذا تركنا الأوزان الجديدة، والتشبيهات والاكتشافات الجديدة جانباً، فإن أدب الديوان يحيي حبيبة ميتة. فيؤسس علاقة بينه وبين نفسه يُرى فيها تململ وجوده خارج العالم، تجعله يتنفس الصعداء. بعثُ نديم الشكل الغنائي، وتقديمه أجمل الأمثلة لهذا الشكل، يرتبط بموقفه هذا.

بقدر ما العالم الذي يعكسه واقعياً ويقترب من الواقع، وبقدر ما تكون العواطف صادقة ونابعة من القلب، تكون اللغة مقتربة من الواقع بالنسبة ذاتها. ويمكن الإشارة إلى مئات الأمثلة التي تُعدُّ الأجمل في تركية اسطنبول، كهذا المثال:

"لماذا تنام في مكان كهذا بارد

بالله، سيشعر أنك مضروب من يراك

مازلت صغيراً، لا تنم وحدك

لا تخرج يا صغيري من جوّ رأسك".

غير هذا، فلو كان هذا المثال وحيداً لأغنية مكتوبة على البحر، فهو ملفت للانتباه من زاوية الإشارة إلى وجود من يجرب.

ولكن نهج نديم هذا لم يكتسب شهرة، لعدم إمكانية الخروج عن التقاليد، وعدم وجود مخزون ثقافي أو حركة فكرية جديدة يتكئ عليها. فهو شاعر العصر الزنبقي “1718 ـ 1730” وكانت نهايته هي نهاية الفترة المنتهية بتمرد (باترونا). من جهة أخرى، فإن ربط شاعر كبير آخر هو الشيخ غالب (1757 ـ 1799) بشعر ما قبل نديم، وبتأثره بالسبك الهندي ناجم عن خطأ في رؤية شعره، وهذا ما فتح أمام فهمه بالمفهوم الضيق والشكل الظاهري فقط.

II

يجب تخصيص مكان لتيار أدبي ينهل من التصوف في الأدب التركي القديم الذي بحثناه في مجموعتين هما "أدب الديوان" و"الأدب الشعبي". وهذا التيار هو الأدب الشعبي الصوفي المرتبط بيونس أمرة. اتكاؤه على تيار فكري، وتطوره ارتباطاً بطريقة قولٍ تحمل خصائص مشتركة في إطار لأسس مشتركة، واستمرار الناس به وهم يرتبطون بعقيدة معينة، لا يجعله يأخذ مكاناً منفصلاً داخل الأدب الشعبي فقط، بل يكسبه خصوصية الاتجاه أو التيار. "جزء من هذا النتاج الأدبي تعليمي وتحذيري. أما جزؤه الآخر، فقد كتب بانفعال إيمان الهي في خضم نشوة التصوف، وهو شعر تكيات داعب ذائقة الشعب كله بخصوصيته وصدقه". (ا. س. لونت) يمكن القول إن التصوف الذي يمكن لنا أن نعتبره فلسفة دينية، لم يبق في حدود التأثير على أدب الديوان كله، والأدب الشعبي فقط، بل شكّل أساساً لتيار متطور داخل الأدب الشعبي.

لم يقيّم هذا الموضوع كما يجب في الأبحاث المتناولة تاريخ الأدب التركي، واكتفى بالتصنيف الأدبي من زاوية الخصوصية النوعية مع أنه يجب عدم تجاهل الوضع الاجتماعي لمقدمي النتاج الذي نعتبره ضمن أدب التصوف الشعبي. يرتبط هؤلاء الشعراء بطريقة دينية، وهم شيوخ أومريدون. ومن الواضح أنهم خضعوا لتعليم معين بمن في ذلك الذي اختار أسلوب "العاشق([1])". غير هذا، فهم يستخدمون الشعر بوصفه أداة لنشر عقيدة، وما يؤمنون بصحته. وهذا هو سبب اختيارهم الشعر الشعبي. أو بتعبير آخر، فقد نشأوا داخل الأدب الشعبي، واتخذوا لأنفسهم مكاناً داخل الأدب الشعبي خدمة لهدفهم. ويكفي لإثبات هذا تذكر المشهد الاجتماعي لأناضول القرن الثامن عشر الذي نشأ فيه يونس أمرة الذي يُعدُّ أبا أدب التصوف الشعبي.

وهكذا من الممكن أن يكون استخدام لغة التصوف وأدبه قد ساهم بانتشار فكرة التصوف، وجمع الشعب حول الطرق الدينية، ونجاح الدراويش في الأناضول المنقسمة والتي تعيش الفوضى نتيجة التوسع المغولي. ويُدرك عدم فهم الحياة بسهولة من البنية الفكرية للشعر، وأنه لا يمكن إدخال يونس أمرة في نموذج الشاعر الشعبي. يونس أمرة شاعر شعبي بلغته وأسلوبه، وهو مفكر بمضمونه، وبالمعنى الحقيقي للكلمة. أهم شعراء هذا التيار خضعوا لتعليم المدارس الدينية، وهم مثقفون يعرفون أدب الديوان واللغة العربية والفارسية، ووصلوا إلى مرتبة المشيخة، وهم (اشق باشا)، (أشرف أوغلو)، (سيد سيف الله ناظم أوغلو) و(همّت).

يلاحظ أن الأدب الشعبي الصوفي المرتبط بيونس أمرة قد تطوّر في اتجاهين رئيسين في أوساط الطرائق الدينية: "الأدب الشعبي الملامي ـ الحمزوي" و"الأدب الشعبي العلوي ـ البكطاشي". يحافظ الأول على خصوصية التيار، ويتحدد بمبادئ الملاموية ـ الحمزوية، ويتطوّر بوصفه أدب زمرة. "إذا كان من الضروري القول بعبارة واحدة، فإن هذا الأدب يعتمد على العشق والجاذبية، ولكنها الجاذبية العقلانية، وعلى الجدية في المعلومة، وتختلف فيه الكلمات والتراكيب العربية والفارسية".(بد الباقي غولنبارلي). أهم من قدم نتاجاً في هذا النهج هم: (الحاج بيرم ولي)، (أحمد دوكاكيني زادة)، (أحمد صاربان)، (اء الدين قايقوسوزفيزلي)، (ادريس مهتفي)، (أمير عثمان هاشمي)، (حيي)، (أوغلانلر شيخ إبراهيم)، (صنع الله غيبي).

أما الأدب الشعبي العلوي ـ البكطاشي، فيحمل خصوصية مختلفة. في الوقت الذي تمنح فيه خصائص مثل استخدام اصطلاحات ومقولات خاصة بالعلوية والبكطاشية، والتعبير عن مبادئ الطريقة الدينية، وهيمنة العقيدة الباطنية الشيعية بالنسبة إلى الشيعة مكاناً خاصاً في شعر التصوف الشعبي، فإن النتاج الذي يُعبر عن بهجة العيش، والإحساس بالطبيعة، والارتباط بالعالم يربطه بالأدب الشعبي اللاديني. سبب هذا هو انتشار العلوية والبكطاشية بوصفها طريقة في المناطق الريفية، وتنعس خصوصية هذه الطريقة عبر نتاج شعراء العلوية والبكطاشية, ونتيجة تطور جدلي يتقاطع الديني واللاديني في نقطة معينة. ما غذى هذا الوضع هو ريفية الشعراء ونشأتهم داخل تقاليد الأدب الشعبي، وهكذا تكتسب أشعار العلوية البكطاشية صورة مزدوجة. على سبيل المثال: يغدو (بير سلطان) شاعراً علوياً بكطاشياً عندما يقول:

"أصحُ يا بير سلطاني، فالدنيا فانية

حول العشق يدور حديث المجروحين

لا تؤاخذونا، فهو دمٌ أصيل

عليه ألا يأتي من في قلبه غضاضة."

ولكنه يغدو شاعراً شعبياً مرتبطاً بالأرض والطبيعة عندما يقول:

"يُجلب من الجبل حطب يطقطق

يجلبه، ويحرقه في النار

كل عملاق بيت يدوره ثور

داروا الثور يا مقرفين."

وهذا ما يجعل غالبية النتاج المتناول شعر تكيات يبدو تياراً ضمن الأدب الشعبي بجذوره العلوية البكطاشية.

III

معروف أن الأدب التركي المتطور بالتوازي مع تيار التغريب في القرن التاسع عشر، دخل مرحلة معاصرة بتجارب أنواع جديدة الراوية والقصة والمسرح، وتغيّر اتجاه الأدب التركي بتناوله الفكر الغربي أساساً له. العلاقات مع الغرب ، وتعلم المثقفين اللغات الغربية، والترجمات من الأدب الغربي، والتعرف على التوجهات السياسية والأيديولوجيات في الغرب جلبت معها تغييراً ثقافياً، أو بمعنى آخر، أخذ الغرب مكان الشرق.

أدخل التغريب المصحوب بانفتاح على ثقافة جديدة الأدب التركي في التبعية الغربية بداية. يقول (أحمد حمدي طانبنار) حول هذا الموضوع: "إذا نُظر إلى الموضوع من زاوية التيارات الأدبية فقط، فإننا نرى أن الأدب التركي خلال هذا القرن قد تبع الأدب الغربي، والفرنسي بشكل خاص، بكل تياراته بانتظام، وإن كانت هنالك بعض الفواصل القريبة أو البعيدة."

وهذا واضح تماماً في عهد التنظيمات الذي لم يُستَطَع فيه تحقيق هذا المزج، وفي ميدان القصة والرواية بشكل خاص. لأن الشعر يستند إلى تقليد، ولو من ناحية الشكل على الأقل. أما النثر، فرغم وجوده كتقليد، ولكن الرواية والقصة تقليدان جديدان. "الجيلان اللذان حاولا تأسيس أدب تركي جديدهما مواليد 1825 و1840، وأهم أعلامهما (شناسي)، (زياباشا)، (نامق كمال). وتعتبر ذائقتهم ومهاراتهم متطابقة تقريباً. قرأ هذان الجيلان الكلاسيكيات الفرنسية في القرن السابع عشر مع الفلاسفة الفرنسيين والرومانطيقية الفرنسية في القرن الثامن عشر" (طارنبنار). واتبعوا تيار الرومانطيقية في نتاجهم الأدبي. ولكن ليس رمانطيقية التنظيمات مضمون اجتماعي وفكري يغذي هذا التيار كما في النماذج الغربية.

رغم أن رواية التنظيمات نتيجة لظروف اجتماعية معينة، ولكن هذه الظروف الاجتماعية ليست بنيوية كما في الغرب. وعلى الأصح، ليست ناتجة عن تغيير في علاقات الإنتاج ناجم عن تغيير بامتلاك أدوات الإنتاج. ولنقل إنه لا يمكن تفسير ظهور الرواية في الغرب بالضرورة الاقتصادية والاجتماعية فقط، ولكن تطور نبلاء المدينة فتح في المجال أمام مضامين وأشكال جديدة في الفن. مع الثورة الفرنسية أحكم نبلاء المدينة سيطرتهم، وتدعمت سيطرة هؤلاء بمساعدة مؤسسات العلم والفن، وتحملهم مهمة الطليعة. اعتبار رومانطيقية فيكتور هيغو مكملة "للثورة الفرنسية الأدبية" يبرز هذه الحقيقة. ولأن القوة كانت بيد الأمراء والنبلاء قبل الثورة، فقد أسس نبلاء المدينة تحالفاً مؤقتاً معهم من أجل إسقاط الإقطاعيين. وتطورت الكلاسيكية التي تعتمد على مبادئ أساسية هي العقل والواقع والطبيعة في محيط هذه الطبقة. أما الرومانطيقية فقد وضعت المشاعر مكان العقل. الواقعية الكلاسيكية محددة بمفهوم معين للجمال، فهي دقيقة المقاييس. أما الرومانطيقية فتعمل على التقاط الخاص، وتبحث في الأشخاص وليس في النماذج. لهذا السبب فهي فردانية، وانتصاراً للفرد.

لهذا السبب يمكن القول إن الجانب الشعري للرومانطيقية أثر بمؤيدي التنظيمات لأنهم رأوا أنفسهم منقذين، ولأن فكرة الشرق تمحو الإنسان. الإنسان غير موجود بوصفه فرداً. ليس هنالك سوى الإله، والإنسان مجرد صورة له. ولكن الإنسان الغربي الذي رآه التنظيميون متعلم، عارف، مبدع، حامل مجتمعه إلى الأمام. وعمل هؤلاء فوراً على التفكير بتكوين هذا الإنسان، والتشبه به. ومن الواضح أن جهداً كهذا سيخلق نموذجَ المثقف المنفعل الحساس المؤمن. وباختصار، فإن الرومانطيقية متناسبة تماماً مع الوضع النفسي للتنظيماتيين.

غير هذا سيعتبر مبدعونا الشاعرية المنحلّة في الأعمال الرومانطيقية السيئة هي الجديد ذاته، وستتحول تلك الشاعرية بين أيديهم إلى حائط مبكى. وبالنتيجة، بالطريقة التي تحللّت فيها الرومانطيقية في الغرب، ووجدت فيها الخلاص بالهروب والحلم غير المناسب للواقع، فإن رمانطيقيي التنظيمات وجدوا أن الخلاص هو إرسال الناس إلى الدنيا الآخرة، مدخلين الإنسان هيئة الموت لعدم وجود سمة إبداعية لدى الفنانين.

فنانو التنظيمات مهرة بتبسيط الخصائص الرئيسية للرومانطيقية، وجعلها وصفة يمكن استخدامها في كل رواية. ويعتبر (أحمد مدحت) مَنْ طَرَحَ هذه الوصفة بشكل بدائي، وأفضل من جعلها بالشكل الأمثل هو (نامق كمال). فوق هذا فإنه عند تناول الإنسان التركي المسحوق بالظروف الاقتصادية والاجتماعية، والمشروط برؤية سلبية للعالم تحت تأثير الرومانطيقية الإسلامية في حياته اليومية بشكل سطحي، سنجد كثيراً من اللوحات الصالحة لمواضيع رمانطيقية باكية.

على سبيل المثال يبرز العبد أو الأمة في روايات التنظيمات كلها. وفي حين إنه من الممكن الانطلاق من الإنسان العبد للوصول إلى توجيه طعنة لمؤسسة العبودية، ومنها إلى إفساد النظام الاجتماعي بالتدريج، يُهرب دائماً نحو الجانب العاطفي. وهذه نتيجة طبيعية. من غير الممكن أن يحقق فنان التنظيمات قفزة تحت تأثير الرومانطيقية عندما تتوحد مع الجهل واللا وعي. والأصح أن الملاحظة تدخل إلى القصة. ولكن هذه الملاحظة محددة بعرض سوق الأسرى (النخاسة)،أو رسم لوحة أو اثنتين من حياة الأسير (الرق)، وهذا كل شيء. تحمل "المغامرة" خصوصيات رومانطيقية التنظيمات كلها.

IV

في السنوات التي كان يقدم فيها التنظيماتيون نتاجهم، كان قد تم تجاوز الرومانطيقية في الغرب كثيراً، وتطور أسلوب العرض الواقعي إلى أقصى حدوده. وبينما كان يتم تناول (بلزاك) و(ستندال) باعتبارهما رومانطيقيّين، كانت قد مضت سنوات على اعتبارهما من الرواد الأوائل للواقعية. ولكن التنظيماتيين اكتفوا بذكر اسم الواقعية فقط. واعتقدوا أن الواقعية مقطع أو مقطعان من نتاج الملاحظة. تستمر مواقف خادعة كهذه في عصرنا مما يؤدي إلى تقييمات خاطئة في أعمال الأدب التركي عبر تاريخه.

لأن الواقعية أساساً هي أسلوب عرض. وقد ظهر الأسلوب الواقعي في الأدب مترافقاً مع تطور الوضعية والعلم والرؤى الحتمية التي مهدت لهذا الأسلوب، وغدت المبادئ الأسلوبية كالتجربة والملاحظة والمادية، مبادئ أساسية للوقائع. مع أنه "ثمة معنى للواقع اتفق عليه بعض أوائل الواقعيين في القرن التاسع عشر. وقبل أن يكتب هؤلاء الروائيون رواية واقعية، وقبل أن يتبنوا الدفاع عن هذا النوع من الروايات، آمنوا بوجود واقع خارج الإنسان، ومستقل عنه.

أيقظت المكتشفات العلمية الإيمان بأن المرئي فقط هو الحقيقي، وأن غير المرئي هو غير حقيقي أول مرة. ويمكن أن يضاف إلى هذا الإيمان بأن الحقائق الداخلية تنار بمساعدة العلم أيضاً عبر المبادئ التي اتخذت مكاناً لها في علم النفس في أواخر القرن التاسع عشر. كان كاتب الرواية الواقعية يثق بأنه يستطيع تحديد كامل واقع الإنسان عبر رصده لعناصر عالميهِ الداخلي والخارجي. مهمة الرواية هي عكس هذه العناصر. ولا يمكن تسليط الضوء على واقعية حياة الإنسان إلا عبر طريق وحيد لمعرفة هذه الواقعية، وهو طريق العلم." (نجلا آينور).

النتائج التي سنصل إليها انطلاقاً من هذا الطريق هي: تظهر الواقعية في الأدب التركي بوصفها أسلوب سرد في نهاية القرن التاسع عشر. أما الأمثلة السابقة لهذه، فهي كونها انعكاساً لما يُرى في الواقعية الخارجية كما في أساليب العرض في آداب الأمم الأخرى. ولايمكننا استخدام مفردة الواقعية مع هذه الأعمال إلا باعتبارها صفة. لأنها عرض لموضوع بُحث وعيش وشوهد. من الممكن رؤية مشاهد حياة يومية للمجتمعات التركية القديمة في عرض الملاحم، أو في قصص “الجدّ قورقوط” التي تعتبر استمراراً لها، أو القصص الشعبي المنتقلة من الأدب الشفوي إلى الكتابي والحاملة خصوصية ملحمية. وانطلاقاً من هذا النتاج الأدبي يمكن تجديد شكل الحياة البدوية المتنقلة. ولكن هذا لا يكفي لوصف ذلك النتاج بالواقعية. يمكن أيضاً أن نجد في أعمال هوميروس حياة المدن اليونانية، ولكننا لا نفكّر بوصفها واقعية. لهذا السبب علينا ألا ننسى أن الواقعية أسلوب عند تقييمنا للواقعية في الأدب التركي الذي يعود إلى ما قبل القرن التاسع عشر.

يجب تناول المقاطع الواقعية التي تُصادف في أدب الديوان، وبشكل خاص في (المثنويات) و(الشهرنغيرات) من هذه الزاوية. في هذا النتاج (تعرض أشكال الحياة اليومية للعصر من مأكل ومشرب وملبس ونزهة ولهو، وأمكنة كالمنتزهات والخمارات والمقاهي. ويُقدم نماذج واسعة الانتشار، وتتوقف عند قضايا يعاني منها الناس كالظلم، واغتصاب الحقوق، والرشوة، والغلاء الذي يعاني منه الناس”. (قونور أرتوب). هذا مجرد موقف واقعي، ولا يتضمن رؤية واقعية، وشكل تعبير يرتبط بهذه الرؤية. على سبيل المثال فإن فنان الديوان عندما يشتكي من لا أخلاقية الحاكم، وفساد الإدارة فهو لا يستطيع رؤية السبب النابع من بنية المجتمع. فالجيد مجردٌ كالسيء، وهو من المعاني النسبية، ويشرح المجرّد بالملموس. مع أننا نعرف أن أوائل الواقعيين في الغرب تناولوا الواقع كعنصر ملموس، واستهدفوا فهمه بمعطيات العلم، وتقديمه.

أما النقطة الأهم التي يجب ألا تنسى في أثناء تقييم الأدب التركي من زاوية الواقعية هي أن الواقعية أسلوب سرد خاص بالرواية أساساً. فوق هذا، فقد ولد في المجتمعات الغربية في مرحلة التحوّل البورجوازي. لهذا السبب لا تعد التوجهات الواقعية المشاهدة في القرن التاسع عشر من قبيل المصادفة. والرؤية التي قدمها (أرنست فيشر) هذه صحيحة: "ظهرت الواقعية الانتقادية من المزج الغريب بين ردود فعل الشعب والنبلاء ضد القيم البورجوازية والأنا المنعزلة للتمرّد الرومانطيقي. تحوّل التمرّد الرومانطيقي ضد المجتمع البورجوازي مع الزمن إلى نقد ذلك المجتمع دون أن تفقد الأنا المتمردة خصوصيتها. ليست الرومانطيقية والواقعية رؤيتين تناقض إحداهما الأخرى بشكل مباشر، والرومانطيقية على الأكثر مرحلة أولى من الواقعية الانتقادية. لم يتغير الموقف بشكل تام، فقد غدا الأسلوب أكثر هدوءاً، ومادية، وينظر من مكان أبعد".

ولكن التنظيماتيين لا يمكنهم التوصل إلى هذه الدقة. لندع عدم استطاعتهم فهم الواقعية جانباً، فهم لم يستطيعوا أن يكونوا رومانطيقيين بمعنى الكلمة. مثلاً، لأن أدب الديوان "عبارة عن تصورات غير مترابطة، مقتبسة من أوهام العالم عدا ميداني: الحقيقة والطبيعة". (قدمة جلال الدين هرزم شاه) لم يتخلص منتقده (نامق كمال) من الانجراف وراء موقف حُلمي ولا واقعي. وفي كتاب يحمل عنوان "مشاهدات" انتقد (أحمد مدحت) تناول الواقعيين الفرنسيين موضوع الجانب السيء للمجتمع والناس.

غير هذا، فقد اعتبر فنانو التنظيمات الواقعية والطبيعية أمراً واحداً. مع أن اصطلاح "حقيقيون" استخدم مقابل الواقعية والطبيعية. وقد كُتب أول عمل اعتُبر واقعياً عام 1890 هو (قرة بيبيك) (ناظم نابي زادة). يقول (نابي زادة) في مقدمة كتابه إنه أراد تقديم مثال للرواية الواقعية، ويذكر اسمي (إميل زولا) و(الفونس دوديه)، أي من الطبيعيين. أما (زهرة ـ 1896) فتعتمد اعتماداً كاملاً على مبادئ الطبيعية. منظّر تلك الفترة (بشير فؤاد) مدافع عن الطبيعية.

ولم يفصل بين التيارين إلا أنصار (الأدب الجديد). واستخدموا اصطلاح "الحقيقة" للدلالة على الواقعية فقط. وطرحوا "الطبيعية" بشكل صحيح للدلالة على التيار الآخر. ولهذا السبب لن يكون من الخطأ قول إن الواقعية بوصفها وعياً ظهرت في الأدب التركي مع (خالد زيا أو شاقلي غيل). ولم تكن (قرة بيبك) و (زهرة) إلا مجرد تجربتين.

مع أن (أوشاقلي غيل) كتب دراسة بعنوان "قصة ـ 1891" قبل نشر أهم رواياته "أزرق وأسود"، "الامتنان من العشق" اشتكى فيها من عدم معرفة الرواية المعاصرة في بلدنا، وقال إن النتاج الغربي الذي لم يُعط أهمية أدبية هو الذي يترجم إلى التركية. وبالنسبة إليه أيضاً، فإنه لا يعمل "كاتب قومي تركي على تغيير شكل الرواية المعجب به قبل قرن" (الناقد: بها دوردار).

يجسّد (أوشاقلي غيل) تمكناً على صعيدي المعنى والبناء في روايتيه ويقول الروائي إنه بدأ بقراءة (بلزاك) و(ستندال) و(وبير) وهو في السابعة عشرة من عمره، واستمر بقراءة (زولا) و(دوديه) و(ونغورتلر)، ومن الواضح أنه أدرك جيداً الأدب الواقعي في أوربا، ووصل إلى صيغة معينة.

بهذه الروايات تدخل شخصيات تعيش حياتها الفردية إلى الأدب التركي. وإذا كان لم يتخلص من الرومانطيقية نسبياً في روايتيه "أزرق وأسود" و"الامتنان من العشق" القائمتين على صراع الحلم والواقع، فهما تتخذان مكاناً في النهج الواقعي من ناحية تمكنه من استخدام لغة روائية واقعية من جهة، ولعكسهما الوضع النفسي لمثقفي المرحلة من ناحية أخرى.

يَختارُ (حسين جاهديا لتشن) و(حمد رؤوف) من جماعة الأدب الجديد الواقعية. تحمل مجموعة (التشن) عنوان "مشاهد لحياة حقيقية ـ 1910" ولكن الاثنين لم يتجاوزا (أوشاقلي غيل). ولكن (حمد رؤوف) يستخدم في روايته"أيلول ـ 1900" التحليل النفسي متبعاً (باول بورجت) أحد رواد الرواية النفسية.

مقابل تبني أنصار "الأدب الجديد" الواقعية، فإنهم لم ينفتحوا على المجتمع تماماً، وشخصياتهم هي شخصيات النبلاء الأغنياء، أو بمعنى عام "نخبويين"، ورغم هذا، لابد من تخصيص مكان (حسين رحمي غوربنار) داخل التيار الواقعي بسبب تناوله أناساً من كل الطبقات، ومواضيع تعتمد على المشاهدة. نهج (وربنار) نهج (أحمد مدحت) وتميز بمهارته إضافة إلى أهدافه بالكتابة للشعب، ومن أجل تعليم الشعب. مفهومه للرواية هو مزج بين الواقعية والطبيعية. ويستمد خصوصيته الأساسية وهي الإضحاك من السخرية والنقد. وهذا ناجم من اتخاذه موقفاً نقدياً. فوق هذا،فهو لم يغيّر موقفه هذا أبداً. ويبقى الأديب وحيداً خارج المجموعات.

V

مرّ الشعر أيضاً بمراحل مشابهة في فترتي التنظيمات والأدب الجديد. و(نامق كمال) شاعر رومانطيقي أيضاً. ولكن رؤيته للشعر أنه حامل للأفكار الاجتماعية والسياسية أدى إلى تحديد رومانطيقيته في حدود الخصوصية الانفعالية. لا يوجد في هذا الشعر ما هو فردي، وفيه محارب فكري قُدم من أجل تحرير المجتمع فقط. رائد رومانطيقية التنظيمات في الشعر هو (بد الحق حميد). يتبعه (أكرم راجي زادة) برومانطيقيته المنزلقة نحو العاطفية. يرتبط أنصار الأدب الجديد بحميد وأكرم، ولكنهم منفتحون على الواقعية. والأصح أن واقعيتهم نتيجة متابعة الغرب عن قرب.

مع أنه في الغرب "تبرز البارنسيّة كإحدى اتجاهات القرن التاسع عشر، والتي تعتبر تطبيقاً للواقعية في الشعر بوصفها ردة فعل على الرومانطيقية. ونرى آثار هذا الموقف في كثير من مواقف (توفيق فكرت) بشكل خاص في مرحلة (ثروة الفنون). نقل المشاهدات المفصلة بعرض واضح، ومادية، ومحاولة إخفاء المبدع شخصيته بنظرة متشائمة، والوصول إلى صياغات مثالية." (رؤوف مطلوآي). ولكنه من الصعب ربط شعر "الأدب الجديد" بتيار واحد. لأننا لو تركنا اصطلاح الأدب الجديد جانباً، فإن "ثروة الفنون" تيارٌ داخل هذا الأدب الحديث.

اجتمع المتفقون على مفهوم فني واحد حول مجلة "ثروة الفنون ـ 1896" وطوروا شعراً يستند إلى خصائص ومبادئ مشتركة. إن شعر "ثروة الفنون" لم يكن ردة فعل ضد القديم، وشعر الديوان فقط، بل ضد شعر نامق كمال أيضاً. غير هذا، فإن هؤلاء ليسوا تجمعاً لشعراء فقط، بل هنالك بينهم روائيون (أوشاقلي غيل) و(حمد رؤوف)، ونقاد ومدافعون (أحمد شعيب) و(التشن). وفي أثناء تطويرهم موقفاً جديداً، ولغة شعر جديدة، يتابعون الغرب يوماً بيوم. ولكن أشعارهم تتضمن التأثيرات المتداخلة لمرحلة بحث كاملة. فهم عاطفيون، رومانطيقيون، برنسيون، رمزيون، يتوجهون إلى الطبيعة، ولكن الطبيعة بالنسبة إليهم لوحة. يسيطر على شعرهم صراع الحلم مع الواقع، والتشاؤم، والهروب. مفهوم الشعر الذي يؤيدونه من جهة، والظروف السياسية من جهة قادتهم إلى شعر فردي منغلق على ذاته، ويكون الحلّ بتفرق المجموعة عام 1900, وبين عامي 1901 ـ 1908 لم يكتبوا، وبقي واحد منهم واقفاً على قدميه، وهو (توفيق فكرت). وهذا نجح لأنه تخلّص من أسر الشكل، وأبرز المضمون، كما تخلّص من التشاؤمية والفردية، وتفاعل مع الاجتماعية.

وهنا ثمة ضرورة للخروج عن التسلسل الزمني، والحديث عن جماعة "الفجر الآتي" التي ظهرت في فترة "المشروطية". لأن الفجر الآتي ظهر بوصفه تياراً معارضاً للأدب الجديد، وظهر بوصفه جماعة أدبية تتوحد حول مبادئ معينة كما في الحالات المشابهة في الغرب.

المجموعة التي أعلنت مفهومها الفني وهدفها ومبادئها في بيان صدر بتاريخ 24 شباط 1909، وتتألف من: (أحمد صميم)، (أحمد هاشم)، (أمين بولنت سردار أوغلو)، (أمين لامي)، (تحسين ناهد)، (جلال ساهر)، (جميل سليمان)، (حمد الله صبحي طائري أوفر)، (رفيق خالد قاراي)، (صباح الدين سليمان)، (بد الحق خيري)، (زت مليح دفرم)، (جانب يونتم)، (سها دليل باش)، (ائق علي أوظان صوي)، (اضل أحمد أي قاتش)، (حمد بهجت ياظار)، (حمد رشدو)، (ؤاد كوبرولو)، (د راتب)، (قوب قدري قرة عثمان أوغلو)، (إبراهيم علاء الدين غوفسا). بعض أفراد هذه المجموعة انفصلوا نتيجة عدم اتفاقهم أو أسباب أخرى. وترأس هذه المجموعة بشكل رمزي بداية (ائق علي)، وتوالى بعده بالترتيب كل من (اضل أحمد)، (حمد الله صبحي)، (جلال ساهر)، وحُلّت عام 1912.

عقد هؤلاء أول اجتماعاتهم في غرفة في مطبعة الهلال في حي (الباب العالي) ووافقوا على اسم "الفجر الآتي" الذي اقترحه (ائق علي)، وتمحور مفهومهم الفني في البيان الذي أصدروه حول الأفكار التالية: "الفن شخصيّ ومحترم" ويُتخذ الرمزيون في الشعر مثالاًُ يُحتذى به، و(وباسان) في القصة والرواية، و(إبسن) في المسرح.

ولكن أعضاء مجموعة "الفجر الآتي" لم يستطيعوا تحقيق أهدافهم بالتضامن، والوحدة بين الفنانين، والعمل على تقدم العلوم الاجتماعية والأدب التي حاولوا إنجازها على طريق تحولهم إلى مؤسسة. ومع تطلعهم لمعارضة "الأدب الجديد" لم يستطيعوا طرح معارضتهم بوضوح، كما لم يستطيعوا تحقيق القطعية مع الأدب الجديد، وخاصة في ميدان اللغة. فوق هذا، فقد اعتبروا استمراراً للأدب الجديد رغم إعلانهم عكس هذا في كل فرصة. وما قادهم إلى هذا هو عدم استطاعتهم إصدار مجلة، واجتماعهم في أوساط مجلة "ثروة الفنون". وكتابتهم في مجلات ذات توجهات مختلفة صدرت مستفيدة من الحرية النسبية القادمة مع "المشروطية" جلبت لهم التفرقة. ومبدؤهم "الفن شخصي ومحترم" وامتلاك كل منهم رؤية مختلفة، رؤيتهم للفن بأشكال مختلفة أدى إلى تسريع تفرقهم. لم يتفقوا على مفهوم فني معين، ومقاييس تقييم معينة، بل دافعوا عن الحرية الفردية، وعن التنوع كنتيجة لهذه الفردية. كان كل شخص منهم يحاول إيجاد جمالية بحسب إحساسه، وما يعجبه.

هذا الوضع يُري أن "الفجر الآتي" ليس تياراً فنياً، بل مجموعة كوّنها فنانون شباب يترابطون بمشاعر الصداقة. وكل فنان يطور فنه في طريق، ويصل إلى مفاهيم فنية مختلفة في الظروف الاجتماعية المتغيرة.

VI

في أواخر القرن التاسع عشر نُواجه بثلاث أفكار أثّرت بالأدب، أو على الأصح غذته. هذه التيارات الثلاثة هي نزعات: "التغريب" و"التركية" و"الإسلامية". ارتبط (حمد أمين يورداقول) بالنزعة التركية بكتابهِ (أشعار تركية ـ 1899) وستحدد هذه التيارات الثلاثة اتجاهات الأدب التركي حتى إعلان الجمهورية، وستستمر بتأثيرها بعد إعلان الجمهورية في التكتلات السياسية. ولكن الأدب التركي الذي سيستمر حتى يومنا يتطوّر اعتباراً من عام 1930 على نهج مختلف.

والآن لنتابع التطور في القرن العشرين.

لم يتخذ بروز (حمد أمين يورداقول) نهجاً واعياً، ويكتسب خصوصية التيار حتى "المشروطيّة". أما الذين بدأوا هذا التيار المسمى "الأدب القومي" هم (ر سيف الدين) و(جناب يونتم) ,(زيا غوك ألب) الذين أصدروا مجلة "الأقلام الشابة" في سالونيك.

مجلة "الأقلام الشابة" التي بدأت بالصدور في نيسان 1911 هي بديل لجريدة "الجمال والشعر". وشرحوا سبب تغيير الاسم في العدد الأول على النحو التالي: "نعم، إن هيئة التحرير هي الشباب الذين عرفتموهم من قبل. هم يعتقدون أن اسم "الجمال والشعر" يرتبط بالمضمون المتعلق بالمشاعر فقط. مع أن قصدهم لا يقتصر على هذا. يتبوأ النتاج الفكري في جريدتنا مكانة أوسع من دلالة معنى الجمال والشعر. بناء على هذا غيروا اسم الرسالة، وأسموها "الأقلام الشابة".

المقالة المعنونة "لغة جديدة" والمنشورة دون توقيع في العدد الأول من مجلة "الأقلام الشابة" كتبها (ر سيف الدين). في المقالة التي تدافع عن تأصيل اللغة يُركز على ضرورة اللغة القومية قبل تكوين أدب قومي. وتستمر المقالات تحت عنوان "لغة جديدة" العام في الأعداد اللاحقة. واعتباراً من العدد الخامس وضع توقيع "هيئة تحرير الأقلام الشابة" مكان إشارة الاستفهام.

مما لا شك فيه أن النماذج الأولى على طريق الأدب القومي قدمها الذين بدأوا هذا التيار. مبادئهم واضحة: البساطة في اللغة، والاستفادة من أشكال شعر الأدب الشعبي، والمحلية في أوزان الشعر، واختار المواضيع. والتجديد الهام أيضاً الذي حققه (حمد أمين يورداقول) في مطلع القرن هو خروج الشعر خارج اسطنبول، والانفتاح على الأناضول، وقدم (ناظم نابي زادة) "قرة بيبك" بهدف طرح نتاج واقعي لهذا. ولكن هذه التجربة بقيت هناك. أما هذا الخيار لدى أنصار النزعة التركية فهو خيار تم بوعي.

يُرى الوعي المشابه باختيار مواضيع من التاريخ التركي. الوضع السياسي، وما يرتبط به من أيديولوجية دفع أنصار النزعة التركية إلى القفز فوق التاريخ العثماني، والذهاب إلى ما قبل الأناضول. وهذه ردة فعل ضد الأيديولوجية العثمانية. ويُقدم (زياغوك ألب) في الشعر، و(أحمد حكمت مفتو أوغلو) أوضح الأمثلة لهذا الاختيار. في تلك السنوات، انجرفت (خالدة أديب أضوار) المشاركة بنشاطات "التجمع التركي" مع هذا الاتجاه، ولكن روايتها "طوران جديد ـ 1912" المكتوب تحت تأثير تيار النزعة التركية، النموذج الوحيد لهذا النهج بين رواياتها.

ثمة نقطة غريبة في تطور تيار الأدب القومي. بعض أنصار "الفجر الآتي" المعارضون بداية لرؤى الأقلام الشابة، أيدوه بعد ذلك، ولم يبقوا عند حدود تأييد هذا التيار قبل مرور فترة طويلة، بل جعلوه يحقق نجاحات إيجابية، لأن الطرفين يتفقان على موضوعين هامين: الموقف اللغوي، واختيار الموضوع. بعد أن يعرض (قوب قدري قرة عثمان أوغلو) أن "الأقلام الشابة" هاجموا جماعة "الفجر الآتي" هجوماً شاملاً، يقول حول هذا الموضوع: "كنا مقتنعين بأننا نفعل ما يريدونه بالضبط. وإذا لم نكن جميعنا هكذا، فإن (رفيق خالد) وأنا كتبنا قصصنا بلغة تركية تتدرج نحو التبسيط، ولم تحصر مواضيع قصصنا في محيط مدينة اسطنبول العالمية، وأخذناها من الدولة كلها (...) وكان يتطور أسلوب (خالد رفيق) وأسلوبي أيضاً نحو البساطة. دائماً. وقدمنا أنسب النماذج للتركية الصافية، وغير المعقدة التي تسميها مجلة الأقلام الشابة: لغة جديدة، بقدر ما قدم رئيس تحرير المجلة (ر سيف الدين) على الأقل. كما أننا في أحد الأيام، وفي مجلس يوجد فيه الرائد الأكبر لهذا التيار (زياغوك الب) إضافة إلى الأدباء القدماء، رد على سؤال (جناب شهاب الدين): أستاذي! تطرحون ضرورة إخراجنا التراكيب المبنية وفق قواعد اللغة الفارسية واللغة العربية من لغتنا، والتخلص منها، مَنْ مِنْ أدبائنا الشباب وُفِّقَ بالكتابة بهذا الشكل حتى الآن؟ فأشار إليّ بأصبعه، وقال: ها هو‍!"

العامل الأهم في هذا التشبيه هو اتفاق الفنانين المذكورين على مفهوم الواقعية. مثلاً، تأثر (ر سيف الدين) و(قوب قدري) بموباسان. غير هذا، فإن ظروف سنوات الحرب في البلقان أولاً، والحرب العالمية الأولى ومحاولتهم البحث عن حل سياسي ثانياً، وحدّهم، ودفعهم إلى العمل على قومية الأدب. وفي مطلع العشرينيات طغى تيار الأدب القومي على البحث الأدبي والنظرية، وانتقل من الشعر إلى القصة والرواية. ولكنه تخلص من مضمونه الأيديولوجي، ومبدأ الطورانية الذي كان في البداية، وتوحد حول الكتابة بلغة مجرّدة، واختيار المواضيع من الحياة وواقع البلد، والتوجّه إلى المصادر القومية.

كان ذلك تكاملاً إلى حدّ إمكانية رؤية فنانين مختلفي الرؤى، وذوي اتجاهات فردية بدءاً من الإسلامي وانتهاء بالعلماني والتقليدي في التيار المذكور. مثلاً، يوضع (حمد عاكف) و(حيى كمال) في كفة واحدة في دراسات تاريخ الأدب. وهذا ناجم عن طبع تيار معين لمرحلة زمنية بطابعه. لم يعد الأمر أمر مفهوم تيار أدبي قومي، بل أمر مرحلة أدب قومي. عندما يُنظر إلى الموضوع من زاوية تيارات الأدب، يجب أن نفصل الفنانين تحت مفهوم الأدب القومي إلى مجموعات مختلفة.

مقابل كتابة الإسلامي (حمد عاكف إرصوي) بلغة مفهومة، واستخدامه لغة الحديث اليومي في الشعر المكتوب على أوزان البحور بنجاح، وانفتاحه على الحياة بموقف واقعي، فقد تماهي تماماً مع التغريبيين وأصحاب النزعة التركية. ويُنتقد توفيق فكرت أحد أقوى ممثلي التغريب في مرحلة المشروطية بأنه نهل من التبريرية والتقريرية، وإنه إلحادي. ويصطدم مع أنصار النزعة التكية لأنه إصلاحي إسلامي. وهو ضد فكرة "القومية"، وليس لديه مفردات مثل "قوم" و"قومية" من المفردات الأساسية لتيار الأدب القومي، والمفردة الأساسية بالنسبة إليه هي "مِلّة".

أما يحيى كمال فيسعى إلى صياغة أخرى. فهو عثماني تقليدي أساساً. وبحسب قول (طانبنار):

"قضية النزعة التركية بالنسبة إليه هي قضية تركيا. بعد الانتصار في معركة (اظغيرت) عام 1071 ولدت أمة جديدة في وطن جديد. ولغة هذه الأمة وثقافتها ملك للوطن الجديد." وهكذا فإن مفهومه للتاريخ يقوده إلى مزيج من العثمانية والقومية التركية. ويتوحد مفهومه الفني الذي يمكننا ربطه بالشعراء الفرنسيين أمثال (الارميه) و(اليري) مما فتح الطريق أمامه لتطوير شعر كلاسيكي جديد.

النهج الواضح الثالث يمكن ربطه بمبادرة (رضا توفيق بلوك باشي). يفسر (رضا توفيق) العودة إلى المصادر القومية بأنه تناول نماذج الأدب الشعبي، وبشكل خاص المتطورة في أوساط الطرائق الدينية والتكيات للاحتذاء به. وتحوّل على يديه وزن المقاطع الهجائية الذي بات "عدّاً بسيطاً على الأصابع" لدى أنصار النزعة القومية وكان قد استخدمه من قبل إلى بعدٍ مختلف. وقدّم أمثلة لأشكال استخدام الوزن بشكل جديد من خلال أوزان الأدب الشعبي التي جمعها أو كتبها.

تحقق اجتمع هذه المبادرات المختلفة شكلاً ومضموناً على مبادئ أساسية ذكرناها من قبل تحت مفهوم الأدب القومي خلال السنوات التي تلت عام 1917. تحقق هذا التوحد عبر مجلة " المجلة الجديدة التي أصدرها (زياغوك ألب) عام 1917 ويُرى الفنانون الرئيسون لذلك العهد كلهم فيتلك المجلة التي دعمتها جماعة الاتحاد والترقي. وبمبادرة من (زياغوك ألب) يُعفى عن (رفيق خالد قاراي) الذي كان منفياً لمعارضته الاتحاد والترقي، ويُجلب إلى اسطنبول، ويمنح فرصة الكتابة في المجلة. وقد كان الذين بدأوا تيار الأدب القومي أصحاب الأيديولوجية الطاغية، وهي النزعة التركية. و(زيا غوك ألب) نفسه يلخّص هذه الصياغة التي أخذ أحد أعماله اسمها على النحو التالي: "التترك، التأسلم، المعاصرة" في تقييم يُقدم اليوم، فإن تحوّل تيار الأدب القومي الذي تطور بين عامي 1908 ـ 1923، والممتد حتى ما بعد تأسيس الجمهورية إلى مفهوم عام، وشموله الأدب التركي كله، يجب أن يُربط بهذا الانتقال في الساحة الأيديولوجية. توحّد الأيديولوجيات المتعاكسة، والمولودة كردود فعل إحداها على الأخرى، ولدّ توحّد مختلف التوجهات المختلفة في الأدب حول مبادئ رئيسة.

في تلك الفترة يمكن اعتبار أحمد هاشم الذي بقي خارج الأيديولوجيات المسيطرة محاولاً تطوير "الشعر الصافي" عبر مفهوم انطباعي ورمزي، الشاعر الوحيد الذي لا يدخل تحت سقف الأدب القومي. واعتبره (جناب شهاب الدين) الذي قدّم أولى نماذج الشعر الرمزي، أمهر وأنجح ممثل لهذا الشعر. إلى جانب رمزية (هاشم) المدافعة عن الفردية، والمعنى المغلق في الشعر، والتناغم القريب من الموسيقا، فقد تأثر بالتعبيرية. وتوجهه إلى لغة أبسط بعد عام 1920 لا يربطه بتيار الأدب القومي. وفكرة الكتابة بلغة تركية مفهومة نظّر لها (شناسي) في عهد التنظيمات، جاء نتيجة انتصار اللغة التركية. ولا يمكن أن يبقى هاشم خارج تطورٍ طبيعي.

"التفعيليون" أو "التفعيليون الخمسة" أهم من استمر بتيار الأدب القومي في الشعر الذي يرتبط (بمحمد أمين يورداقول)، وهم: (اروق نافز تشامليبل)، (وسف زيا أورطاتش)، (أورهان سيفي أورهون)، (خالد فخري أوزون صوي)، و(أنيس بهيج قورو يورك). يروي (أورطاتش) عن ذهابه أول مرة إلى "جمعية المعلومة" وإعجابه بتيار الأدب القومي على النحو التالي: "كان (وك ألب) ينظر إليّ بعينين خجلتين، ويبتسم أحياناً. ثم استجمع قوته كلها، وقال: تكتبون (الاجتهاد)‍ طأطأت رأسي، وقلت: نعم! قال: على وزن البحور؟ طأطأت رأسي نحو الجهة الثانية، وقلت: نعم! بعد ذلك، فُتح الباب، وأُغلق، وفُتح، وأُغلق ثانية. في ذلك اليوم رأيتُ (جناب). في ذلك اليوم قابلت (ر سيف الدين). في ذلك اليوم تحدثتُ إلى (جلال ساهر). وفي ذلك اليوم صادقت (أورهان سيفي) و(أنيس بهيج).. في ذلك اليوم تحدث الرجل الذي كان صامتاً وهو يجلس عند رأس الطاولة الخضراء، وشرح عن عدم إمكانية استمرار لغة تتألف من ثلاث لغات، وعدم إمكانية استمرار لغة هي مزيج بين التركية والعربية والفارسية. وشرح عدم إمكانية فصل لغة الأدب عن لغة الحديث. وقال إن أوزان البحور التي لم تدخل الأناضول والبحر الأسود، لا يمكن أن تكون أوزاننا... حين جئتُ يوم الجمعة التالي إلى الجمعية كان في جيب كل من (أورهان سيفي) و(أنيس بهيج) وجيبي نموذج لقصيدة مكتوبة بتركية جميلة على وزن تفعيلة.

هذه هي المبادئ التي لخصها (زياغوك ألب) في قصيدته: "فن ـ الحياة الجديدة ـ 1917" وتبين مفهوم التفعيليين للفن:

"لتكن البحور لكم، والتفعيلة لنا

التركية حديث الشعب لنا

لتكن مفردة () ومفردة (شب) لكم، وليل لنا([2])

لا يحتاج معنى لثلاث جزر."

لم تكن لديهم تعليمية (وك ألب). ولأنهم بدأوا معجبين بشعر "الفجر الآتي" لعب هذا دوراً بوجود تأثير كبير عليهم. كانت هنالك في مرحلة ما أمثلة يمكنهم الاستفادة منها، وإن لم تكن كافية. الأمثلة المجموعة من الشعر الشعبي والأبحاث على هذا الصعيد، تنتظر أن يستفيد منها الشعراء. وهم فعلوا هذا. ولكن نقص الوعي الاجتماعي لديهم جرفهم جميعاً إلى الرومانطيقية. في أثناء محاولاتهم ليكونوا واقعيين، فقدوا واقعيتهم تحت تأثير تأجج الشعور القومي أثناء الحرب. تناولوا التوجه نحو الطبيعة، وجمال الوطن بتصوير مقولات الأناضول المقولبة. استهدفوا بث القوة للمجتمع بأشعارهم التي سيطرت عليها مقولات البطولة والوطنية. وبالنتيجة طوروا "أدباً وطنياً" غير عميق.

VII

استمر الأدب الأناضولي الذي يمكن أن نسميه "الأدب الوطني" في السنوات الأولى لعهد الجمهورية. غير هذا، رغم إصرار شعراء تلك الفترة الكبار أمثال (حيى كمال) و(أحمد هاشم) على الكتابة وفق البحور، ولكن النصر كان للتفعيلة. ورغم ارتباط شعراء أمثال (تاز أرولاط) و(نجم الدين خليل أونان) و(ر سيف الدين أوشاقلي) و(أحمد حمدي طاربنار) و(نجيب فاضل قصاكورك) و(جاهد صدقي طارانجي) و(أحمد مهيب ضراناس) بمفاهيم شعرية مختلفة، ولكنهم استمروا بالتفعيلة. من هؤلاء الشعراء، استمر (أونان) و(أوشاقلي) إضافة إلى (أرولاط) مع التفعيليين بـ "الأدب الوطني". كما يمكن تصنيف (ال الدين قامو) ضمن هذا التيار. ولكن لا يقيم (طاربنار) و(ضرناص) و(قصاكورك) و(طارانجي) في إطار تيار معين، بل يجب تقييمهم فرادى. تأثر (نجيب فاضل) بالصوفية الباطنية و(طاربنار) و(حيى كمال) و(ضرناص) و(طارانجي) ببودلير والرمزية، ولكن كلاً منهم طوّر شعراً خاصاً به.

مع بداية الثلاثينيات نُواجه بمبادرة لفتح طريق أدبي جديد، وهذه المبادرة ردة فعل ضد سطحية الأدباء القوميين والوطنيين البعيدين عن الواقعية.

دخلت هذه المجموعة تاريخنا الأدبي باسم "حملة المشاعل السبعة" وتتألف من الأسماء التالية: (صبري أسعد سيافوشغيل)، (زيا عثمان صابا)، (شار نابي ناير)، (ر لطفي)، (واصف ماهر قوجاتورك)، (جودت قدرت)، (نان خلوصي قوادري). أصدروا كتاباً مشتركاً (سبعة مشاعل ـ 1928)، وهدفهم فتح الشعر التركي على آفاق جديدة بعد أن انسدّت السبل في وجهه على يد التفعيليين: "سبب نشر كتاباتنا بشكل مشترك هو رغبتنا بتقديم عمل جماعي يعرض آخر التيارات الأدبية في بلدنا (...) لن تجدوا في كتاباتنا مشاعر الأمس المتأفئفة والباهتة، ولا ترانيم الفترة الأخيرة الباهتة والضيقة بفاطمة وعائشة. نحن قبل كل شيء نريد التعبير عن مشاعرنا دون حاجة لمساعدة معنوية من أحد." (ن مقدمة سبعة مشاعل)

وكما خرجت جماعة "الفجر الآتي" ضد الأدب الجديد" ثم لجأت إلى تحت جناحي " الأدب الجديد"، لجأت جماعة المشاعل السبعة إلى مجلة المشعل التي يصدرها (وسف زيا اورطاتش). ومبادرتهم التي لخصوها: "الحيوية، الصدق، والتجديد المستمر" افتقرت لهذه المبادئ الأساسية الثلاثة. فلم يجلبوا تجديداً إلى الشكل، وانطلقوا من بحر (هسة). وعلى صعيد المضمون، اتخذوا من شعراء فرنسيين أمثال (رلين) و(الارميه) و(بودلير) بشكل خاص مثالاً للاحتذاء به. من غير الممكن قول إنهم استندوا إلى رؤية جديدة للعالم. وعندما يئس منهم (وسف زيا أورطاتش) الذي رأى في جيله "أنه بذل جهوداً كبيرة لتحضير الأدوات الأولية لنُصب المستقبل" و"سيبدع روائع جديدة مما هو متوفر بين الأيدي"، وأغلق مجلة (المشعل) وتفرقت المجموعة. (1 تموز 1928 ـ 15 تشرين الأول 1928) وكان (نان خلوصي قوراي) موزع مطبوعات، وابتعد (ر لطفي) عن الأدب، وتحوّل الآخرون إلى مجلات أدبية مختلفة. (زيا عثمان صابا) وحده تشبث بالشعر، وليس بوصفه من جماعة المشاعل السبعة بالتأكيد.

يأتي التجديد الأساسي في الشعر التركي بعد إعلان الجمهورية على يد (ناظم حكمت). وهذا تجديدٌ فجّر ثورة سليمة على صعيدي الشكل والمضمون. ألقى ناظم حكمت الوزن جانباً، وهو الذي حرر المضمون من قيود الشكل. عارض "الشعرية" بأول كتابين له "835 سطراً" و"جوكند وسي ـ يا ـ أو"، وهدم مفهوم الشطر، ولكنه لم ينقطع عن التقاليد. المضمون هو المهم بالنسبة إليه. ويجب أن يتوافق الشكل مع المضمون، ويجب أن يكون المضمون أوضح. فوق هذا فإن المضمون المطروح في شعره يستند إلى أيديولوجية، ويحتوي على موقف سياسي. ولم يبق عند حدود التبني الواعي للواقعية الاجتماعية، بل قدّم أقوى الأمثلة في هذا الميدان، فأثر بالجيل الذي أتى بعده، وبالشعر التركي بعد عام 1960. ودخل الشعر التركي بفضله إلى نهج الواقعية الاجتماعية.

عندما يُنظر إلى شكل شعر ناظم حكمت نجد أنه بدأ بتيار وصف بصفات مثل "النظم الحر" و"الشعر الحر"، وألقى جانباً قيود الوزن والقافية من الشعر. وقد كانت هنالك تجارب سبقته على هذا الطريق، وخاصة أن (توفيق فكرت) طوّر (وزن المستزاد الحر) إلى الحدود القصوى، واقترب بالشعر من النثر. وأراد (أحمد هاشم) الوصول إلى الإلقاء الحر من خلال كسر الشطر، ولكنه قدم تجاربه هذه متلاعباً بقوالب البحور فقط. في البداية، كتب ناظم حكمت قصائده موزونة تحت تأثير تيار الأدب القومي، ولكنه بدأ بمفهوم جديد للشعر عند ذهابه إلى الأناضول (ام 1921) وتبلورت مبادئه خلال سنوات دراسته في موسكو مغيراً الشعر التركي الذي كان لا يفكر مجرد التفكير بافتقاده الوزن تغييراً جذرياً. تأثر بالمستقبلية والبنائية اللتين تعرف إليهما في موسكو، ومع تخليه عن الوزن لم يتخلّ عن القافية. لهذا السبب أحدثت أشعاره الجديدة التي نشرها في مجلة (التنوير 1923 ـ 1925) عند عودته إلى تركيا أصداء واسعة على صعيد البناء.

هذا طبيعي، لأنه اعتمد على الشكل فقط في حل القضية الأساسية في الشعر التركي بعد شعراء التنظيمات المدافعين عن أطروحة "الفن للجميع". وركض الشعراء وراء مقولات جديدة، وبحثوا عن أشكال جديدة بوصفها تجديداً. مما لا شك فيه أن المؤثر الأكبر في هذا الأمر: قضية اللغة التي طُرحت في عصر الجمهورية. مع أنه ـ وكما ذكر أعلاه باختصار ـ أن تيار الأدب القومي أيضاً بدأ بمبادرة جديدة على صعيد اللغة. عندما نشرت أشعار ناظم حكمت كانت قضية اللغة قد حُلَّت، وشعر الشعراء خارج تيار الأدب القومي بضرورة استخدام لغة بسيطة. ولكن رغم ظهور أن التفعيليين قد انتصروا في جدل البحر والتفعيلة المرتبط بهذه القضية، ولكن أحد الطرفين لم يسقط تماماً بانتصار الطرف الآخر. والأصح أن تصالحية غير معلنة ـ أي تصالحية أيديولوجية ـ انعكست في الأدب. ولهذا فإن تخلي ناظم حكمت عن الوزن في أشعاره المطروحة في ذلك الوسط اعتبرت ثورة على صعيد الشكل. مع أن الثورة الحقيقية كانت على صعيد المضمون.

حول هذا الموضوع يقول ناظم حكمت: "يمكن أن يُكتب الشعر بقافية أو دون قافية، بوزن أو دون وزن، بفيضٍ من الصور أو دون صور، صراخاً أو همساً، يكفي أن يُكتب شيء، وليجد ما كُتب شكله الأمثل ـ وأحياناً الشكل الأمثل نسبة إلى مرحلة تاريخية ـ ومهاراته المثلى. أنا شخصياً أريد للشكل أن يناسب المضمون بحيث يبرز المضمون أكثر، ولكنه ـ أي الشكل الجديد ـ لا يُعرف" (ن حديثه مع أكبر بابايف) "ليس ثمة شكل أو وزن معين في أشعاري عموماً. ولكنه يوجد فيها أيضاً شكل ووزن. فهي (ودية) و(هارمونية). وهي مقفاة وغير مقفاة، أبيات جميلة وكلٌ جميل. ولكنها الشكل الحيوي والوزن الأنسب للشعر الذي يجب أن ينعكس في العالمين الداخلي والخارجي للإنسان الفعال في الواقع الجديد. أريد الوصول إلى شكل ووزن أسمى، وإلى أطر متحركة ومتغيرة. (...)

أنا لستُ متناقضاً مع طبقتي الاجتماعية أو معارضاً لها. لهذا السبب، أقول إن الفن ليس للفن. أريد أن أصل بالشعر إلى الواقعية الجدلية المركبة." (شهر ـ نيسان 1937)

لم يدخل ناظم حكمت الجدل المتعلق بالشكل في الفعل الشعري. هدفه إيجاد الشكل الملائم للمضمون. لهذا السبب لم يكن منفتحاً على الأدب التركي فقط، بل على تقاليد الآداب التي عرفها كلها. يمكنه الاستفادة منها كلها. لأن الأمر بالنسبة إليه: "كل فنان يبحث حتى نهاية عمره. وعلى نهج هذا البحث سيعمل على إيجاد الشكل الأنسب لكل تشخيص، وعلى عدم تكرار ذاته، وعدم التقليد مع المحافظة على شخصيته. لن يعترف بقاعدة ثابتة أو مطلقة." (ن حديثه مع باباييف). وهذا يعني تغيّر الشكل دائماً بالارتباط مع المضمون برفقة حالٍ متحركة. الاستخدام المحمل للفن الثابت، والرؤية الاجتماعية للعالم هي التي تحدد الاستخدام.

بدأ عمل ناظم حكمت على طريق تطوير مفهوم الأدب الاجتماعي أساساً عام 1929، وتكثف خلال سنوات عمله في مجلة (الشهر المصورة). وبدأ الصراع ضد مفاهيم الفن المسيطر ليس على صعيد الشعر فقط، بل على صعيد تشعبات الأدب كلها. ويلخص (اصمك بزرجي) هذا التطور على النحو التالي:

"بعد إلغاء قانون (تقرير السكون) عام 1928 بدأ القمع يخف. استفاد الكتاب الاجتماعيون من هذا، فعملوا على التجمع في أوساط مجلة الشهر المصورة التي بدأت (صبيحة زكريا) بإصدارها اعتباراً من 1 شباط 1924. بعد عام 1928 بدأ يكتب في الشهر المصورة كل من (والا نور الدين)، (سعاد درويش)، (صدري إرتم). وانضم إليهم صباح الدين علي العائد من ألمانيا، وناظم حكمت العائد من روسيا، وخدمت الشهر المصورة قضية تأسيس الأدب الاجتماعي ونشره حتى 15 كانون الثاني 1931 تاريخ وقف نشر المجلة.

"لاشك أن حصة الأسد من هذه الخدمة وقعت على عاتق (ناظم حكمت). لأنه بذل أكبر الجهود من أجل ترسيخ الأدب الاجتماعي ليس بشعره فقط، بل بقصصه ومسرحياته ونقده. فهو كان يعمل على وضع أسس الأدب الجديد عبر إبداعاته من جهة، ويعمل على هدم الأدب القديم بنقده من جهة أخرى. ونشر في الشهر المصورة كل شعر ثوري، وعرَّفت المجلّة بالكتاب الاجتماعيين (ثل باربوس، مايا كوفسكي، غوركي، إلهامي بكر، صباح الدين علي) من جهة، وتحت عنوان "نهدم الأصنام" نقدت الشعراء البورجوازيين بحدّة (ثل: عبد الحق حميد، محمد أمين) من جهة أخرى. ولهذا السبب اضطرت للجدل مع أنصار القديم (ثل: يعقوب قدري، حماس الله صبحي، بيامي صفا، يوسف زيا)".

أثر شعر ناظم حكمت بكثير من الشعراء الشباب في الثلاثينيات. ولكن أولئك الشعراء الشباب لم يستطيعوا تطوير شعر خاص بهم بالنسبة إلى يومنا في النهج الاجتماعي عدا (إلهامي بكر تز) و(حسن عز الدين دينمو). الرابط الحقيقي تأسس عام 1940. طورت مجموعة من الشعراء أُطلق عليهم اسم "جيل 1940" خط الشعر الاجتماعي، وهؤلاء الشعراء هم: (رفعت إلغاز)، (جاهد إرغاظ)، (آ. قادر)، (أنور غوغتشة)، (ر فاروق طوبراق)، (ارف ضمار)، (أحمد عارف)، (أتيلا إلهان)، (شكران قورضاقول). ولكن مع عدم ارتباط هؤلاء مباشرة بالشعر الاجتماعي يربط شعراء مثل (اضل حسنو ضاغلرجا) و(جيهون أطوف قانصو) بنهج الشعر الاجتماعي.

غير هذا، يجب التوقف أيضاً عند شعر (إرجمنت بهزاد) بالشعر الحر مباشرة في قصائده المنشورة في مجلتي "ثروة الفنون" و"اليقظة" عام 1926. وبدأ شعره بالمستقبلية، ثم عبر من الدادائية، وتأثر بالسريالية من التيارات الجديدة التي وصل إليها الفن. ولم يصطدم مع ناظم حكمت لأنه لا يستند إلى أيديولوجية معينة.

المضمون الاجتماعي الذي يُرى في بعض قصائده نابع من استهانته بالقيم الثابتة، وليس من رؤية اجتماعية للعالم. لهذا السبب طور الشعر الحر إلى جانب ناظم حكمت، وانفتح على إمكانات جديدة، ولكنه لم يجد من يسير على نهجه. أما (تاز زكي طاشقن) الذي ظهر في الفترة ذاتها، وقال عن نفسه دادائي، فلم يترك أثراً.

مع بداية الأربعينيات، كان نصر الشعر الحر على صعيد الشكل نهائياً، ولم يبق من يستخدم التفعيلة غير (بهجت كمال تشاغلار) تقريباً. وكان هنالك (أحمد قدس تجر) يعمل عبر أوساط مجلة (المثال) على نشر تقاليد الشعر الشعبي. أما الشعراء (أحمد مهيب ضرناص) و(جاهد صدقي طارانجي) و(جاهد كُلبي) المختلفو الاتجاهات، فهم يكتبون شعراً حراً. أما ناظم حكمت فقد كان قد دخل السجن، وأُصمت (1938).

فيما بعد، تظهر في هذا الوسط "حركة غريب" التي سميت: "الحداثة الأولى".

يرتبط تيار غريب الذي ظهر معارضاً ليس للشعر القديم فقط، بل حتى لشعر ناظم حكمت بأسماء ثلاثة شعراء: (أورهان ولي)، (أوقطاي رفعت)، (ح جودت أنضاي). اجتمع ثلاثة أصدقاء في مجلة (ارلك / الغنى) وبدأوا تياراً شعرياً دون وزن أو قافية، وبعيد عن الشاعرية([3]) (1936).

وجمعوا شعرهم المقدم على هذا النهج في كتاب أسموه: "غريب". وهذا هو سبب تسميتهم "غريبيون".

دعم هذا التيار بشكل خاص (نور الله أطاتش). وكما استطاعت حركة غريب جذب عدد من الشبان المتبعين لها، فقد أثرت بشعراء ذلك العصر المشاهير. ومقدمة كتاب غريب التي كتبها (أورهان ولي) هي بيان هذه الحركة إن جاز التعبير. ولكن اجتماع الشعراء الثلاثة لا يستمر طويلاً، وتطبع الطبعة الثانية من الكتاب مقتصرة على أشعار (أورهان ولي) فقط (1945). غير هذا، فقد شعر أورهان ولي بضرورة إضافة مقدمة ثانية تحت عنوان "من أجل غريب". فيما بعد، ارتبط اسم حركة غريب باسم أورهان ولي فقط، نتيجة هذا الأمر من جهة، ونتيجة ابتعاد (ج جودت) و(رفعت إلغاز) في نهجين مختلفين.

يمكن تلخيص مبادئ "الغريبيين" باختصار على النحو التالي: إيجاد التعابير الشعرية داخل طبيعة لغة الحديث. الانكباب على قضايا الحياة اليومية والرجال الصغار، والتخلص من جو الخطابة، وعدم استمداد التزيين من التلاعب بالكلمات، وعدم السقوط في أسر الوزن والقافية والشكل وسهولة الوزن، والعيش مع الارتباط برؤية العالم، والكتابة بحرية." (رؤوف مطلوآي).

ولكن أورهان ولي نفسه شعرَ بضرورة إعادة النظر بمفهومه للفن في الطبعة الثانية لكتابه. فقد اتخذ موقفاً أكثر مرونة من التقاليد الشعرية، وفي مواضيع الشكل. مع أنه يُلاحظ تغيير في شعره اعتباراً من عام 1945 حين أصدر كتابه الثاني "لم أتراجع": " في بعض القصائد ثمة انزلاق من النهج العقلاني إلى النهج الشعوري، وترك السخرية والإدهاش، وطرق باب القافية والصفات في بعض الأحيان، واستفادة من تكرار بعض الكلمات والموسيقا. والأهم من هذا كله، ثمة عناية بلغة الشعر الشعبي ومقولاته" (اصم بزرجي) أما التطور الأغرب فهو على صعيد المضمون: اقترب أورهان ولي من الشعر الاجتماعي.

قُيّمت حركة غريب في السنوات الأولى واللاحقة بأشكال مختلفة، ومن قبل العديد من المرتبطين بمفاهيم فنية مختلفة. اتهم التقليديون أورهان ولي وأصدقاءه بجعلهم الشعر شغل من لا علاقة له بالشعر، واتهم الاجتماعيون الغريبيين بأنهم يهدفون إلى تعويق الشعر الاجتماعي، وجعله منحلاً، وعملوا على تطوير ذائقة بورجوازية صغيرة. أما مؤرخو الأدب فيعتبرون أن حركة غريب عموماً هي بداية الحداثة.

لا يمكن القول إن هذا الموقف قد تغيّر اليوم. ولكن تقييماً موضوعياً يفرض القول إن لحركة غريب مكاناً هاماً نسبياً في تطور الشعر التركي. صحيح أنه لا يُعد مصادفة انتعاش "غريب" في فترة محاولات منع الشعر الاجتماعي، وملاحقة الشعراء الاجتماعيين، وإسكات ناظم حكمت.

وكتابة أورهان ولي وأصدقائه شعراً بمفهوم "النظم الحر"، ودعم (نور الله أطاتش) لهم في هذا المجال نتيجة لدعم السلطة للتوجه الذي يبعد الشعر عن السياسة. ولكن هذا وجه سلبي للموضوع. أما الوجه الآخر، فهو إغناء الشعر التركي بإمكانيات شكلٍ وسردٍ جديدة، وانفتاحه نحو كسب إعجاب إنسان الشارع، وجعله متناولاً للتفاصيل اليومية،وتسمية غريب "الحداثة الأولى".

التجديد الذي بدأ مع مرحلة التنظيمات يعتبر التجديد الخامس أو السادس، أما عند تناول عصر الجمهورية، فإن ناظم حكمت مؤسس الشعر التركي الحديث. أما "غريب" فهو أحد جوانب هذا التجديد، ولكنه جانب لا يمكن الاستغناء عنه ضمن الكل.

VIII

في مطلع الخمسينيات يُرى ظهور بعض التغيرات في البنية الاجتماعية. الحرب العالمية الثانية، وقمع الحزب الواحد، وعدم التوازن في التطور الاجتماعي أججت الصراع الطبقي. الانتقال إلى مرحلة التعددية الحزبية نتج عنه تغييراً في السلطة. والسلطة التي أتت بأصوات الشعب ظاهرياً، هي في الحقيقة وقعت بيد ممثلي طبقة نبلاء المدينة التجار الذين أثروا أثناء الحرب، وكبار الملاكين. وبدءاً من عام 1950 بدأت تنسحب الدولة من الساحة الاقتصادية، ودعمت المبادرات الخاصة. غير هذا، فقد أريد تحقيق تنمية تعتمد على القروض الخارجية. وبينما كان هذا يؤدي إلى النمو في الإنتاج الزراعي، والدخل القومي خلال فترة قصيرة من جهة، أدى إلى تطور العلاقات الرأسمالية، وتزايد الديون الخارجية من جهة أخرى.ومن الطبيعي أن يؤدي الارتباط الخارجي والتطور الاجتماعي المشوّه إلى تضييق السلطة للحريات في المجالات السياسية والفكرية والثقافية، والوصول إلى القمع. ومنذ السنوات الأولى لسلطة الحرب الديمقراطي الذي جاء إلى الحكم بدعم القوى المؤيدة للديمقراطية والتقدميين كلهم، اتخذ موقفاً مناهضاً ليس من الاجتماعيين فقط، بل من القوى التقدمية كلها. أغلق المعاهد الريفية. بعد ذلك سحق الاجتماعيين مستفيداً من الجو الذي أوجدته الحرب الكورية. حتى إن حزب الشعب الجمهوري لم يُنقذ من علمية الإخماد هذه. السير كان نحو "حديقة ورد دون أشواك".ويعرض (حمد ضوغان) الوسط الشعري للمرحلة على النحو التالي:

"عندما تُستعرض المجلات الفنية الصادرة في عامي 1954 ـ 1955 بعين ناقدة، يُرى أن الشعر قد ضعف بشكل ما. وتحولت الخطورة التي لفت الأنظار إليها أورهان ولي منذ عام 1949 إلى واقع ملموس. وعندما يذكر الشعر لا يخطر بالبال غير أحداث صغيرة، وقُدمت بلغة عادية. وصار مقياس الشعر هو البساطة والعادية. وملأت النسخ العادية لتيار غريب صفحات المجلات. قصائد تُشبه الطُرف، تفتقر للانفعال والروح واللون، وكل قوتها تنحصر في عدة أشطر مدسوسة في القصيدة. وكلها تتشابه بشكل مخيف. تكاد تكون قد محيت شخصيات الشعراء. ولولا التواقيع لما عرفت القصيدة لأي شاعر. وأحياناً تُرى مجلة صدرت دون شعر."

في هذا الوسط يظهر التيار الذي أُطلق عليه (ظفر إرخوصت) اسم: "الحداثة الثانية". نشر النتاج الأول لهذا التيار في مجلة (دي تبة/ التلال السبع ـ 1954 ـ 1955) و(بوسطة الأحد ـ 1956). من أهم الأسماء في هذا التيار: (جمال ثريا)، (إلهان برك)، (أديب جان سفر)، (طورغوت أويار)، (سزائي قرة قوتش)، (إجه إيهان)، (توفيق آق ضاغ)، (ألكو طامِر)، وأصدر (أوقطاي رفعت) عام 1956 "زقاق ذو خصلة شعر" لينضم إلى الباحثين عن الجديد. في السنوات نفسها ترى مقالات تُدافع عن مفهوم الشعر الجديد في (بوسطة الأحد). وخارج الشعراء يرى (ظفر إرضوصت) منظّراً لهذا التيار.

وإذا كان لابد من القول باختصار، فإن الحداثة الثانية قد انطلقت من نقطة معاكسة تماماً لتيار "غريب" ففي لغة الشعر، حلّت الصعوبة محل السهولة، وانغلاق المعنى محلّ وضوحه، والتجريد محلّ الملموس. وأدير الظهر للشعر الشعبي. من جهة أخرى، تم التوجه نحو مفهوم الشطر، والتلاعب بالكلمات، والارتباط بالشعر القديم وإن كان بشكل ضعيف. يأتي الشكل أولاً بالنسبة لأنصار الحداثة الثانية.

يوضح (جمال ثريا) هذا الأمر على النحو التالي: "نحن لا نقول إن الشعر شكل فقط. نقول لعل الشكل هو الأهم. من أجل توضيح هذا، إننا نبحث عن تغيير يمكن توقعه للشكل فيما إذا بقي كل شيء كما هو وفق منهج مجرّد. نحن نعطي أهمية للشكل، ونجد هذا ضرورياً." (بوسطة الأحد ـ ص 41 ـ 1958)

عند بروز الحداثة الثانية كانت السريالية مؤثرة. لنتذكر تعريف أندريه بريتون للسريالية: "هي آلية نفسية صافية يستفاد منها لطرح سيرورة عمل الفكرة الحقيقية عبر الكلام أو الكتابة أو أي شكل آخر. وهي ظهور الفكرة خارج رقابة العقل والأخلاق بكل أشكالها، والقلق الجمالي... تؤمن السريالية بتلاعب الفكرة التي لا تراعي المصلحة، وبالقوة اللا محدودية للحلم، وبأنها واقعية عليا لأشكال الإيحاءات المعينة غير المهتم بها حتى اليوم".

تفريغ العقل، أو على الأصح، إدارة الظهر لسيرورة عمل العقل المنطقية هي من الخصائص الأوضح للحداثة الثانية. في البداية، حملت انطلاقة "الغريبيين" آثار السريالية، ولكن أنصار الحداثة الثانية أيدوا السريالية بشكل أوعى، واستخدموا بمهارة الاستفادة من التوجهات اللاواعية للسريالية ورمزيتهم المُغناة بالإيحاءات وعناصر الحلم والخيال والسخرية. ويجب اعتبار النماذج التي تحمل تأثيرات الحروفية نتاجاً للبحث الشكلي.

هل الحداثة الثانية شعر هروب؟ هل يُؤخذ الوسط السياسي بعين الاعتبار؟ نعم، ولكن عندما يوضع الوضع الاجتماعي المعاش بعين الاعتبار، ألا يمكن القول إن الحداثة الثانية قد غذتها صراعات الفرد مع المجتمع والغربة وتعكر القيم الراسخة وانحلال العلاقات بين الناس والعالم الخارجي؟ هل يكفي استبعاد العمل السياسي لحركة الحداثة الثانية المتغذية بالتيارات الفكرية المعاصرة (الوجودية مثلاً) لمهرها بمهر التيار الفني الرجعي؟ بقي القول إن النماذج المتطرفة المصادفة عند انطلاق كل تيار أو عند تطوره، والنتاج المنحل للمقلدين واللاهثين وراء التجديد من أجل التجديد لا يمكن أن يكون سبباً لاعتبار التيار سلبياً.

مع أن تيار الحداثة الثانية استمر بعد عام 1960 بالتخلص داخلياً من محاولات البحث الشكلانية، والبحث المستهدف تأسيس بناء شعري استناداً إلى تخيلات جديدة وجهد في إيجاد الأشطر.

محاولات أنصار الحداثة الثانية لإيجاد لغة خاصة بالشعر باتجاه إيجاد إيحاءات بعيدة أثرت بالشعر التركي عموماً. أصبح الهدف ليس اللامعنى، بل التقاط معان جديدة.

مع دخول عام 1965، وبصدور أشعار ناظم حكمت في مجلة (ون/ الجهة) وبدء نشر كتبه تباعاً بعد أن كانت ممنوعة منذ عام 1936 انتهى تيار الحداثة الثانية. وكانت أهم أسماء التيار قد انفتحت على المضامين الاجتماعية، وذهبت وراء صياغات جديدة أصلاً. استوعبت الشعر الاجتماعي العائد مجدداً التجارب السابقة كلها، ولم يدخل المرحلة من حيث انتهى، بل من النقطة التي تم التوصل إليها.

IX

لا ترى تعقيدات مشابهة على صعيد التيارات الأدبية في تطور القصة والرواية. لعل هذا ناجم عن كون الشعر فناً يلعب فيه الإلقاء دوراً أكبر من الذي يلعبه في القصة والرواية. تسرد القصة والرواقية واقعاً فردياً أو اجتماعياً. وأساساً هما سرد إلى حد ما. لهذا السبب فإنها تتطور على خط واحد، ولكنه عريض ارتباطاً بتفسيرات الواقعية. وهذه مرحلة تغنى بمحاولات بحث مختلفة بتفرعات خطوط وبراعم جديدة.

وكما ذكرت سابقاً، فقد تبنى الواقعية فنانون يرتبطون بالأدب القومي مباشرة مثل (ر سيف الدين) وأسماء اتخذت لها مكاناً ضمن هذا التيار فيما بعد، مثل (قوب قدري قرة عثمان أوغلو) و(خالدة أديب أضوار) و(رفيق خالد قراي). ويكمن الفصل في زاوية رؤية الواقعية وفهمها ويحددها اختيار الموضوع، وشكل السرد، وزاوية الرؤية. انطلاقاً من هذا، يمكننا الحديث عن مجموعات ترتبط بمفاهيم مختلفة للواقعية، وعن خطوط متوازية تتطور في حلقات مترابطة.

لنلخص هذا التطور باختصار آخذين التسلسل الزمني بعين الاعتبار:

بدأت الطبيعة مع (ناظم نابي زادة) وشوهدت في بعض أعمال (حسين رحمي غوربنار)، واستمرت مع روائيين أمثال (بكر فخري)، (صلاح الدين أنيس). والرواية النفسية التي شاهدنا أول مثال عليها عند (حمد رؤوف) كان متبعو نهجها فنانون مثل (جميل سليمان)، (بيامي صفا)، (صَمَتْ آغا أوغلو). لابد من التوضيح أن هذا الأسلوب هو أحد الأساليب الرئيسية للواقعية، والبارز بعد تطور التحليل النفسي وعلم النفس. مع أنه ثمة مكان هام للتحليل النفسي في واقعية عصر الجمهورية التي بدأت في الروايات الأولى لـ (زيا أوشاقلي غيل) و(خالدة أديب أضوار) مثل (سفية طالب هاندان) و(قوب قدري) ومن الطبيعي أن تشبه القصص والروايات التي تتبع النماذج الغربية الواقعية المتطورة في الغرب بالتوازي معها.

يمكن ربط هذا التأثير إلى حد ما بخروج الرواية خارج اسطنبول، وانفتاحها على الأناضول. ولا يخفي أساساً (ناظم نابي زادة) الذي قدّم أول النماذج على هذا النهج أنه أراد تقيدم نموذج للأدب الواقعي. ولكن كان يجب الانتظار عشرين عاماً ليأتي نتاج مشابه هو "الباشا الصغير ـ 1910" وكتبه (أبو بكر هاظم تبة يران). مع أن الباشا الصغير ليست رواية من التيار الطبيعي. ولكنها الرواية الثانية التي تناولت القرية بعد "قرة بيبك". وإذا تركنا قصةً أو اثنتين جانباً، فإن الدرجة الثالثة لهذا السلم هي "قصص البلد ـ 1917" لرفيق خالد قراي، وتستمر "السلسلة ـ اللامدجن ـ 1932" عبر الواقعيين الاجتماعيين، وكتاب المعاهد القروية. وفي هذه الأثناء نُشاهد أمثلة غير عميقة بواقعية عاطفية وسطحية للأدب الأناضولي والوطني.

يجب البحث في البنية السياسية الكامنة وراء هذا المشهد السلبي الذي تعكسه قصص وروايات تيار الأدب القومي في القصة والرواية أيضاً، كما في الشعر، فتحت سمة الهزيمة والتشاؤمية باب التمسك بالمشاعر القومية والوطنية بوصفها تحرراً. وقد دعم مسؤولو تلك الفترة هذا الموقف. تبرعم التمرد في الأناضول مقابل أوساط الانحلال والخيانة لاسطنبول في سنوات الاحتلال غذى هذه العاطفة جيداً (بروز ردود فعل قوية لدى بعض الأوساط في فترة نشر رواية "اللامدّجن" ناجمة عن استعراض خواء هذا الحلم، وعدم رحمة اللاتوافق مع الواقع.) وقوي هذا الشعور بالانفعال لتأسيس تركيا جديدة مع إعلان الجمهورية، وبعد هذا الإعلان.

"إذا أردنا الاختصار، في الفترة التي بقي الفنان فيها مدعوماً ومحمياً من الدولة، تهرب من الاقتراب من الواقع الذي لا تستحبه الحكومة، واكتفى بنوع من واقعية الماء العذب." (جودت قدرت).

تم تجاوز هذه الواقعية في إحدى نقاطها في بدايات عهد الجمهورية. وهذه الأعمال هي تلك التي تناولت مواضيع الماضي القريب، والمجتمع العثماني في فترة المشروطية. والنتاج المقدّّم على هذا الصعيد هو "ليلة الحكم" و"صوضوم غومورة" ليعقوب قدري، و"ليلة خضراء" لرشاد نوري غولتكين، و"بقال من سينك" لخالدة أديب أضوار.

نقطة الانعطاف الأساسية في القصة والرواية هي نفسها في الشعر في مطلع الثلاثينيات. قدم (صبري إرتم) النماذج الأولى للقصة الواقعية الاجتماعية تلك التي نشرها في "الشهر المصورة ـ 1928" والتي نشرها أيضاً في جريدة "ملحق وقت ـ 1930 ـ 1931" ونشر صباح الدين علي العائد من ألمانيا في "الشهر المصورة" أولى قصصه في هذا الاتجاه.

لا يمكن القول إن (صدري إرتم) والشباب المتحلقين مثل (بكر صدقي قولوط) و(رشاد أنيس آيغن) في جريدة "وقت" وإن صباح الدين علي قد طبقوا الواقعية الاجتماعية بنجاح في تلك الفترة. وإذا كان الفريق الأول قد حقق موقفاً نقدياًَ، ولكنه لم يستطع تجاوز الملاحظة. أما واقعية صباح الدين علي، فقد حملت آثار الرومانطيقية.

وبموقفه المعتمد على الملاحظة، وسرده المجرّد، يجعل (دوح شوكت إسانضال) لا يرتبط بأي من الخطين. ولكن اضطراره للصمت بسبب موقعه السياسي في القصص التي نشرها بعد عام 1925 وحتى عام 1942، دفعه خارج التطورات الأدبية. إذا وضعنا بعين الاعتبار موقفه اللغوي المبتعد عن "التعلق بالخصوصية الأدبية" ومفهومه للقصة الذي يعرض الموقف أكثر من الحدث، واقترابه من الشخصيات التي يعرضها بمحبة، سنجد هذا الصمت خسارة لقصة النهج الواقعي,. وحين عاد إلى كتابة القصة عام 1942 بعد تركه الأمانة العامة لحزب الشعب الجمهوري، كان قد تم تجاوزه. طور (صباح الدين علي) نهج الواقعية الاجتماعية، وجلب (سيعد فائق) مفهومه للقصة بتناوله الفرد المثقف أكثر من القضايا الاجتماعية متوجهاً إلى عالم الرجل الصغير بإحساس.

في سنوات الحرب العالمية الثانية، قدم (رشاد أنيس) و(صميم قوجاغوز) و(ا بلبشار) و(جودت قدرت) نتاجاً للنهج الواقعي، وفي أثناء ذلك، ظهر (بد الحق شناسي حصار) بقصصه المثالية ذات التوق إلى الماضي، والفردية. وفي الفترة المعاشة، ظهر إلى السطح المناهضون للاجتماعية، ومناقشات الإصلاح الزراعي، وأدت إلى الانقسام في الحزب الواحد. ومن الطبيعي ألا يبقى الأدب خارج الأحداث الاجتماعية والسياسية. وفوق هذا، فإن الجيل الجديد لا يرى السلطة والدولة أمراً واحداً، ويستطيع معارضة السلطة. وبدأت هذه المعارضة في القرية، وانطلقت منها، وهذا ما أدى إلى طرح القضايا الاجتماعية كلها في تركيا تلك المرحلة. في السنوات التالية التي شهدت الانتقال إلى التعددية الحزبية، وفي مطلع الخمسينيات يلاحظ أن التوجّه نحو القرية أصبح موقفاً عاماً.

لن نستطيع اعتبار هذا التوجه تياراً أساسياً، ولكنه فتح مساراً في النهج الواقعي الاجتماعي، وانتشر على يد فناني المعاهد القروية، والكتاب ذوي النشأة القروية أو القريبين من القرية بتقديمهم نتاجاً متعاقباً. في كتابه "قريتنا ـ 1950" الذي جمع فيه (حمود مقال) ملاحظاته عن القرية، دفع كتّاب المعاهد القروية الذين قضوا سنوات تعليمهم كلها تقريباً بالعمل في ساحة الأدب عبر الشعر إلى إنتاج نماذج مماثلة. ويتبع هذا في عامي 1954 ـ 1955 أعمال ذات رؤية اجتماعية للقرية مثل (أورهان كمال) "فوق هذا الأراضي الخصبة") و(شار كمال) " محمد النحيل صفيحة" و (ال طاهر) "صاغردرة". ومع بداية 1960 ظهر أدب غني، تناول القرية في القصة والرواية مبدعون مثل (رشاد أنيس) و(ال بلبشار) و(صميم قوجاغوز) و(إلهان طاروس) و(أورهان هنجرلي أوغلو) (طالب أبا يدين) و(صنع الله أريصوي)، و(نجاتي جوملي)، (قير بايقورت).

أُطلق على نتاج هذه المرحلة اسم خاطئ هو "رواية القرية" وانتقدت على الأكثر من زاوية الشخصيات المقولبة. واعتبر استخدام خصائص الحديث المحلي في بعض القصص والروايات، وإفساح المجال للهجات خطأ. وفي الحقيقة أن القوالب المتكررة في تلك الأعمال تجددت، وطرحت حلولاً رومانطيقية بعيدة عن العلمية إلى حدّ ما لقضايا القرية والقرويين. ولكن الأمثلة السيئة أو القصور الناجم عن عدم تطوير زاوية الرؤية لم تكف لوصم الأدب المتناول موضوع القرية بالسلبية. وفي هذه الأعمال، لم يكتف بدخول القرية والقروي بأبعاده الحقيقية إلى أدبنا، بل تم تحقيق نقلة على صعيد النهج الواقعي الاجتماعي. بعد عام 1960 عُمل على إدراك الواقعية الاجتماعية بزاوية رؤية أوعى بالارتباط مع تطور الأوساط الفكرية، وهذا ما أعاد تقييم المخزون الأدبي ليتجاوز ذاته.

قبل أن ننهي الحديث هنا، يجب أن نتحدث عن جيل بدأ بتقديم نتاجه بين عامي 1950 ـ 1960.

ومبدعون أمثال (نزيهة مريتش)، (وسف أطلغان)، (وسعت بنر)، (ريد إدغو)، (دمير أزولو)، (أوناط قوطلار) (إردال أوز)، (دنان أوز يالتشنر) الذين يمثلون محاولة بحث جديدة متأثرة بالوجودية والسريالية وما شابهها من تيارات معاصرة، وتقنيات الرواية الفرنسية الجديدة، وتيار الوعي، وولد هؤلاء كردة فعل مناهضة للأدب الواقعي الذي لخصناه أعلاه. ولكن هدفهم لم يكن إنكار الواقعية، وترسيخ مفهوم فني خارج الواقعية، بل ضرورة الإتيان بتفسير جديد للواقعية. ويلّخص (دنان أوزيا لتشنر) هذا على النحو التالي: "يمكن إكساب أدبنا أسلوباً سردياً خاصاً بأسلوب يمكننا أن نسميه (واقعية جديدة) من أجل إبراز وجوه الواقعية كلها. وكان لابد من البدء من الشكل. يجب تقديم تعقد الوعي مع اللاوعي بوجهته النفسية التي يؤثر فيها اللاوعي تدريجياً، وليس من زاوية التصرفات وعلاقات الإنسان مع نفسه، ومع الأشياء والناس والمجتمع الذي في محيطه، عبر المقاطع والمشاهد وإمكانيات السرد المختلفة. من الواضح أن الشخصية أو الشخصيات المطروحة عبر موقف كهذا في حادثة ما، ستطرح الواقع بشكل أشمل."

ولكن هذه المبادرة المتطورة بالتوازي مع الحداثة الثانية اقتربت من مشاكل الشخصي في محيط "الأنا" دائماً لعدم استطاعة محاولة "تناول الشخصية وإعادة خلقها من جديد تجاوز حدود "الخاص"، ولم تنجح، لأن الواقعية أحادية الطرف، وجزء واحد، وتُرسم بشكل متكامل. وهذا يؤدي بالكاتب إلى أسر الشاعرية وإلى الإنغلاق على الذات. عبثية المعاش، والتعاسة الناجمة عن تحديد الشروط الخارجية للغرائز، والتعاسة التي يولدها عدم فهمه تاريخه كأداة، تؤدي إلى مفهوم حرية مرتبط بعدم معرفة الإمكانات المختارة، وتقييد التصرفات، ونتيجة لكل هذا: تمرد مجرد.. هذه هي النقطة التي تم الوصول إليها.

وكما قلتُ عند تقييم كل مبادرة جديدة، فهذه أيضاً مرحلة. وإذا كنا اليوم نفهم الواقعية بشكلها بوصفها واقعية الإنسان الفرد، وواقعية وجود اجتماعي، وعلاقات الإنسان مع الأشياء والناس من حوله، فإن هذا نتيجة للمراحل المذكورة.

([1]) ـ العاشق: شاعر شعبي ارتجالي يلقي أشعاره برفقة الطنبور، يقابل الزجّال في بلاد الشام..

([2]) ـ وردت مفردتا () و(شب) بالعربية والفارسية..

([3]) ـ الشاعرية: تيار أدبي شكلاني...

 

ت. أشرف جيل - الآداب الاجنبية - 2004



.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri