
ممر...
إلى القارة السوداء
المرأة "
آخر " يغري بالتماس معه على قاعدة الإنخطاف بالأنثوي، فهي
محل الإنفعال، كما وصفها إبن عربي، ذات تولّه، بما هي ميراثه
النبوي، وعشقه الإلهي، حسب تعبيره، فهكذا يعمل فعل الخيلولة
البشري ليؤسس متكآته الطوباوية، حتى يستسلم إلى استنتاج
ذكوري شخصي، مرده خبرة حسية بالضرورة، ازاء كائن يهب الوجود
بغامض حضوره، معنى شعريا قوامه الوعي والمتعة. ألم يقر نيتشة،
بأن الحياة امرأة!؟
وبالتأكيد،
لا يتفسر هذا " الآخر " المتمادي في تشظيه، عبر صيغة أحادية
البعد، فالشاعرة كوجود، وليس كتصنيف حاد الحواف الجنوسية،
لا تختصر مفهوم المرأة الخالصة، وبالتالي لن تكون منتهى
ذلك " الآخر" . لكنها بالضرورة أحد الممرات السرية إلى تلك
القارة السوداء، كما وصفها فرويد، ذات حيرة نفسية.
إذا، فالشاعرة
مفتاح لذات تحضر بنص عميق الإنغراس في التاريخ، تريده مستقلا،
أو خالص النوايا. وبإغوائه الأنثوي تقترح تصميما مضادا لعالم
مغاير، بما هو حياتها المعاشة وليس الافتراضية، الأمر الذي
يفرض على الدرس الألسني مهمة الكشف عن الأسس التاريخية والاجتماعية
والنفسية لعملية إنتاج ذلك النص، للوصول إلى شكل الكائن
الجديد، الماكث خلف تشكيلته الخطابية.
هذا النص
الشعري الأنثوي هو خطاب متعدد الأبعاد، ينهض على بنية فكرية،
وهو صادر بالضرورة عن ذات فكرت فيه وأنتجته ضمن بنية تفكير
أنثوي، كما يتوضح من تماسه بتاريخ الأفكار، أي في الأوهام
الإتصالية، وفي الصدى المنفلت من كل تحديد تاريخي، حسب تعبير
فوكو، بمعنى البحث الاستنباطي وليس التقريري المباشر، عن
افتراضات تشكله من وراء قصدية تلك الذات المتكلمة، والوقوف
على نشاطها الواعي، وما كانت ترغب في قوله، ولم تتمكن، ليستعاد
ضمن بنية التجليات اللاشعورية.
ولا شك أن
محايثة الأنثوي بالشعري، هو المدخل إلى فتنة هذا " الآخر
" البشري من حيث علاقته بفتنة التعبير اللغوي، أي الإحتفال
بالمتخيل الجسدي الفكري عبر جمالية الخطاب الشعري، بما يولّد
كنص شعري من أنوثة مضاعفة، مدبرة في أصلها التكويني من مزيج
الكتابة والجسد، ومؤكد لسلطته بسطوة الأنثوي، كحيلة عاطفية،
أو استعارة هي مشروع الشاعرة الحضوري، أو أوتوبيوغرافيتها
الفاقعة.
هكذا تتأهل
الشاعرة لتمثيل ذلك " الآخر " ولكن ليس بزعم كلياني، ربما
لأنها كائن ذاتوي النزعة، أي من أولئك الذين لا يهابون الألم
الإنساني، ولا تغريهم المنافي الموضوعية ، إذ لا تجهل، ولا
تريد أن تنفى من جسد تعيش فيه، فهي من الذوات الفردية التي
تسكن المناطق الأكثر تعذرا على التجاوز، بتعبير جاك دريدا،
وتعيش الحياة، كما تنم ملفوظاتها، كحركة معاكسة للحكاية،
بما هي الصيغة الأفقية لحراك الكائن، حيث يتصعّد الجسد مكانا
مضادا لمنفى النص.
إذا، هي
تعين على فهم الكيفية التي تعمل بها تلك " العضلة الناعمة
" في ديالكيتيك الإمحاء المتبادل بين المرأة والرجل، من
حيث إلحاحها على ضالة إيروسية، قد تتناساها لحظة الإنفعال
بمنفاها الحقوقي، ولكنها لا تتخلى عنها بحال عند تناصها
بمطلق الديني واحتمائها بالصوفي، وحتى في التجادل الحسي
بمخترعها المثلي الوسيط، أي ذلك الحيادي، الذي يتمرد على
فعل التأنيث كرد على أسطورة الذكوري، لتجاوز الإعتيادي،
ذهابا إلى العشق المحرم.
وبالنظر
إلى تماسها بأعظم اختراع إنساني وهو اللغة ، يضاعف لها اللسان
قدرة تمثيل المرأة بمنسوب قابل للتصعّد، لأن المنزع الإيروسي
كإشباع ( روحي/جسدي ) يتحقق عبرها، ففي وجودها الأنطوقي،
كما يتمثل نصا شعريا، تختزن أقصى طاقة ممكنة لإرادات المرأة
الشعورية، وإعتقاداتها العاطفية، ومبتغياتها الحسية، فالنص
الشعري الأنثوي يهب مقابله الذكوري شفرات معيارية هي بمثابة
المفاهيم الحقوقية والنفسية والشعورية لذلك الكائن.
ولأنها لا
تتحرك بمعزل عن الحب الذي تجهد لتوأمته بإغوائية الشعر،
تحقق ضمن ذلك المعمل ( الشاعرة ) الكيمياء البشرية بكل معانيها،
فالحب بالنسبة للمرأة/الشاعرة ليس فكرة افتراضية، أو مجرد
خلفية يمكن أن تتسير الحياة على احتمال حدوثها، إنما هو
الفاصل الطوباوي الأجمل من حياة واقعية مديدة، وشرط وجود،
أو هو كل حياة المرأة، حسب مقولة مدام دي ستايل، بالنظر
الى أن المرأة، حسب الخبرات الحسية للعاشقين، لا تبلغ كمالها
الأنثوي، أو أقصى تطرفاتها الإنسانية إلا عندما تحب، وهنا
سر الوله المودي بها إلى الرهبنة، أو منع ذاتها من التداول،
فهي كذات عشقية مغالية في النرجسية لا تهب نفسها إلا لذات
تشبهها، تستحقها، أو تموت دون ذلك.
هذا ما تعتقده
بوطيقيا الأنوثة، فالحب المصعّد إذن هو الذاكرة، وبالضرورة
هو أوتبيوغرافيتها، ووثيقة حضورها، وتاريخها، وهو ماء الحياة
وروحها، أو هذا ما يحاول النص الأنثوي التأكيد عليه بنبرة
واحدة، ومن حناجر مختلفة تاريخا ومكانا وعرقا، فهنالك قبيلة
أنثوية ممتدة تتوارث مكنوناتها عبر نظام شفرات إيروسية،
ومتعاليات نصية، بمثابة البوطيقيا المدبرة من لهفة إيروسية
أصيلة يراها جورج باتاي بمثابة الإقرار بالحياة حتى الموت.
إذا، هي
لا تؤمن بنص خارج ذلك الإلحاح الإيروسي، مهما انتمت إلى
قضايا وعناوين حقوقية، فالعالم بالنسبة لها مكان فائض الذكورة،
وهو بحاجة إلى لمسة إستئناسية منبثة من شعرية الأنثوي، شخصية
وعبر-جسدية بالضرورة، لأن جسدها هو عين صفاتها، فالمرأة
التي تتقدم ناحية السرير متخففة من كل ملابسها عدا قلادة،
كما تفعل البشتونيات مثلا، لا تقوم بفعل التعري الإغوائي
بمجانية، بقدر ما تنجز فعلا شعريا بامتياز، على اعتبار أن
القصيدة تفعل وتعاش، وقد تستحيل إلى نص مكتوب، يستحيل بفعل
التراكم إلى خطاب لا تحدّه الألفاظ بل يتجاوز ذلك المؤطر
العباراتي إلى دلالات فكريه، وفلسفة جمالية ليتأسس على مزيج
من الصورة البصرية، والتمثلات الإيمائية، والتعبير الحركي.
هكذا هي
المرأة شاعرة في كل حركة من حركاتها، إيروسية في كل سلوكياتها،
في اتكاءتها، في طريقة لبس وخلع ملابسها، في تمايلها، في
كلامها، بل حتى في شكل موتتها، والعكس، أي كل شاعرة هي بالضرورة
مشروع إمرأة تنفني جسدا وروحا لتلتقي بشروط كمالها، إذا
ما تجاوزت لغتها المختونة، وكفت عن تهريب ذاتها من النص.
هنا يكمن
سر مصادقتها لأنا مقهورة، مستدعاة على الدوام في النص الشعري
الأنثوي تحت مظلة لغوية من الكآبة الكثيفة، لمنع ذاتها من
التداول، وللتجابه الحاد مع أنوثة باهظة تسلمها على الدوام
إلى حس مفرط للإنجراح، وإلى نزعة مازوخية متأصلة تراها هيلين
دوتش ضرورة لتطور الأنوثة عند معشر النساء بوجه عام.
إذا، قد
تختصر الشاعرة المرأة، أو تستعير مستوجباتها الإنسانية خصوصا
عند النظر إلى المكانة التي تطالها اللغة في المجتمع، وورطة
علاقتها بمفهومي السلطة والأيدلوجيا، في عالم متشكل أصلا
بالممارسة الإجتماعية، وبما هي - أي اللغة - خطاب أيضا تتبناه
المرأة كشكل حضور، وكممارسة تتحرك داخل جدل البنى والمؤسسات
الإجتماعية، أي كصيرورة اجتماعية متحركة، مشروطة بمتطلبات
لغوية وأخرى من وراء نظامها أو خبراتها اللغوية، بمعنى أن
نشاطها اللغوي ليس مجرد انعكاس تلقائي للممارسة أو شكل التناظر
المبسط ما بين اللغوي والاجتماعي، إنما يمثل أحاريك حيوية
لا تنفصل عن تلك الصيرورة.
وبتحليل
الصلة ما بين النص الشعري الأنثوي كنتاج وبين شروطه وسياقاته
المتعددة يتحقق ذلك التقدم حتى خارج الحدود المتعينة والبنى
المعرّفة، من خلال محاولاتها بالشعر لأنسنة اللغة كرد فعل
على تذكيرها ، بما هي ضرب من " الفعل والحركة والفكر والتفكير
والوعي واللاوعي والتجربة والعاطفة " بمفهوم جاك دريدا.
وهكذا يجد
نصها حراكه في حيز الحرية، على اعتبار أن الكتابة مشتقة
برأي رولان بارت من حركة دلالية تصدر عن الكاتب، وتلامس
التاريخ بشكل محسوس، وإن لم يصحح نصها الشعري خطأ تاريخيا
مفجعا، لكنه بالتأكيد يحفظ لتلك الذات الشاعرة حيوية الحضور،
ويهبها شهوة الحياة، من خلال نص، أو فن يشتهي الحياة بتعبير
نيتشة.
ويبدو أن
لسان المرأة أو لغتها المرحّلة اليوم كنسق من العلامات إلى
سياق الكتابة الشعرية، هي مهمة الشاعرة لإعادة المرأة إلى
الكتابة،حضورا بها إلى قلب الحياة، ففي النص الشعري الأنثوي
تتجلى تلك الرسالة عبر الدعاوى الحقوقية، والحضور العاطفي،
حيث التصعيد الصاخب لذلك الهاجس والوصول به إلى مرقى القيمة،
وهو ما يفسر مراوحة ذلك الكائن المقهور ما بين الإحساس بالدونية
أو التواري في هامش الحياة عبر ميكانزم " عقلانية النفي
" وما بين سعار البارانويا الصريحة في ذلك النص.
ومن هنا
جاءت المحاولة لتمديد هذا الكائن على أرض الواقع بدل القذف
به في متاهات التاريخ، أو هوس التدليل والشروحات، فمعيارية
هذه المحاولة الإستكشافية، لا تعتمد المجادلة أو المفاضلة
بأي اتجاه، فتاريخ المرأة الشعري هو تاريخ الإنسان، وعلى
ذلك جاء الجهد توظيفيا لمركبات منهجية بخبرات شخصية، بعيدا
في دلالاته الإنسانية والإبداعية، لوعي ذلك " الآخر " الذي
لا يكف عن وصف مهمته بالشاقة بالنظر إلى كونه إمرأة، وأيضا
للوقوف على الشكل الذي يبدو فيه الرجل كآخر مذكر في مرآة
الأنوثة، فلا وعي للرجل بنفسه، كما يقرر بويتنديك، ما لم
يدرك كم من ذلك الأنثوي فيه، أو كم يحتاج من ذلك الفيض ليكون
رجلا طبيعيا.
مقدمة كتاب
"سادنات القمر - سرذانية النص الشعري الأنثوي" الصادر عن
دار الانتشار العربي.
المثلي
كرد على أسطورة الذكوري
كما تحتمي
بالمطلق كمثال أو كمهرب روحي، تبث الشاعرة، نداءاتها ناحية
المرأة بصراحة لافتة ومتطرفة تعبيريا، إذ تتبدى كعنوان جريء
للمثلية، لتوازي فعل الحب بفعل الشعر، عندما ينتفي الرجل
أو ينفى، حيث تتطلب قصيدة الحب، برأي وندي ملفورد محبا ومحبوبا،
على اعتبار أن الحب في إحدى دلالاته الوجودية هو الرغبة
في الإرتماء إلى آفاقية "آخر" عندما تضيق "الأنا" بهواجسها،
وتتعب من الحديث عن الحب كموضوع، أو تستهلك ثيمة غيابه،
ويتوضح هذا المنزع نصيا عندما تصف جويس منصور مثلا، بمشهدية
بورنوغرافية، امرأتين لهما عيون مجانين:
رفعتا تنورتيهما
ملابسهما
الداخلية
زبانياتهما
وتداعبتا
بالفخذ، وربلة الساق والركبة
وهذا المشهد
الموصوف شعريا، الذي يشبه، من الوجهة التشكيلية، لوحة "رقة"
لايجون شيلي، ليس مجرد موضوع شعري تتلذذ الشاعرة بتسطيره
لإحداث الصدمة الجمالية، بقدر ما هو نزعة أصيلة في النص
الشعري الأنثوي، إذ يتكرر هذا المشهد بدلالات ثقافية وإجتماعية
ونفسية وفنية كتنويعات على ثيمة مركزية، تعكس أصالة ذلك
الصوت المثلي، وعمق انغراسه في النص الأنثوي، ففكرة "العيش
كمثلية" ليس مجرد عنوان لكتاب تتحدى به الشاعرة الأفر -
امريكية شيريل كلارك مجتمعها، بقدر ما هو تعبير عن إعتقاد،
وسلوك، وطريقة حياة.
أما الخنوثة،
كما تحضر ضمن تصورات الفكر الفلسفي، فهي فكرة تعكس أصلا
تمام الوجود، مثلها مثل الروح وكافة العناوين الوجودية الأصيلة،
وتتعدى دلالاتها المظهر الجنسي إلى رمز الأزلية، وقد استدعاها
يونغ مثلا بتحليل تعادلي للجسد الواحد المتوج برأسين كما
بدت في دلالات التماثيل التي تشير إلى كائنات ملتبسة تعكس
في الأصل وحدانية كل شيء في الطبيعة، فالخنثية، برأي غاستون
باشلار" ليست متوغلة في حيوانية مبهمة منذ أصول الحياة الغامضة،
انها ديالكتيك القمة. انها تظهر لأنها تنبثق عن الكائن ذاته
تعظيما للأنيما والأنيموس، انها تحضر التأملات الشاردة المشتركة
التي يقوم بها ما فوق المذكر وما فوق المؤنث".
ويبدو أن
جانبا من النص الشعري الأنثوي يتأسس على مسافة من المعنى
الأخلاقي للجسد، أو لا يقره، إذا ما أخضع هذا المنجز لقراءة
جمالية لا إنتقائية أو محتشمة، ففي الشعر العربي القديم
كما في كل الثقافات هنالك حالة من التباوح الحسي، الذي يتجاوز
حتى الإيروسي إلى البورنوغرافي، وقد تبدى ذلك المنحى ضمنيا
وصريحا رغم صرامة التابوات، كما جسدته مثلا أم الضحاك المحاربية
بقولها:
شفاء الحب
تقبيل وضم وجر بالبطون على البطون
ورهز تذرف
العينان منه وأخذ بالذوائب والقرون
إذا، فالمثلية
أو السحاقية ليست مجرد موضوع شعري بالنسبة للمرأة، أو حالة
استعراضية لعادة من عادات الحداثة، وما تؤكده مدرسة التحليل
النفسي يشير إلى أنها حالة من الفشل في الإنتقال إلى الغيرية
الجنسية، لأسباب وتداعيات مختلفة، ففي هذا المنحى التعويضي
الفارط في التحدي الأنثوي تتوضح زاوية هامة من إلتباسية
كينونتها الشعرية، فالمثلية كما يعبر عنها شعريا فعل أنثوي
بامتياز يسري في النص الأنثوي مرة بصيغة مناداة ومعاضدة
جمعية، وأخرى بنبرة إستسرارية شديدة الخصوصية.
وربما يكون
هذا هو الرد الأنثوي على أسطورة الذكوري، كما تتمثله أدريين
ريتش، التي طالما حلمت بصاحبتها قصيدة، وتمنت أن تؤاخيها
علنا لتعلنا حبهما على الملأ، فهي ترى أن المثلية أمر مفروض
على المرأة بالقوة، ومن وراء وعيها أيضا، وكانت ريتش التي
تزوجت سنة 1952 قد طلقت زوجها سنة 1970 لتصاحب امرأة بديلة
وتتغني بتلك الصحبة شعرا، حتى غدت أشهر شاعرة مثلية في أمريكا:
يدك الصغيرة
تعادل يدي تماما
الإبهام
فقط أكبر بعض الشيء، وأطول
في هاتين
اليدين
أستطيع أن
أثق بالعالم
وبمثل هاتين
اليدين
يمكن أن
أقاوم ما لا يتقى من العنف
هذه هي طريقة
الشاعرة للثأر من الرجل، حيث تخلّق كائنها، أو قرينها الوسيط،
المدبر بوعيها وإحساسها، الذي لا يمارس إهانة المرأة، أو
تهميشها، أو الحظ من قدرها النفسي والجسدي، ولا يحيلها إلى
لعبة ذكورية، فهنا اضطرار من طرف أنثوي للاسترجال كما وصف
هوراس حضور سافو مثلا، وحيث تشبه الشاعرة ماري وورتلي مونتاغو
غرمها بالجسد المثلي بفاكهة يانعة لا تتطلب جهدا كبيرا لتتساقط،
لتعزز اعتقاد الشاعرة جودي غران بهذا الشأن كما روجت له
في كتابها "التفاحة الأعلى" أوكما يلخصه خطاب جويس منصور
الملتبس بعشقية مثلية أو ربما مخاطبة ذاتية مموهة:
أحب جواربك
التي تثبت ساقيك
أحب مشد
خصرك وردفيك الذي يسند جسمك المترنح
تجاعيدك،
نهديك المتهدلين، شكلك الجائع
شيخوختك
في مواجهة جسدي الفارع
فساتينك
التي تنشر رائحة جسدك النتن
كل هذا يثأر
لي أخيرا
من رجال
لم ينتظروا شيئا مني
وربما يكون
ذلك التحدي العلني جانبا من الرد الجمالي، ضمن دائرة الحقل
الأدبي في ظل وجود أدباء يجاهرون بالشذوذ ويعلنون تفوق الجسد
الذكوري جماليا على جسد المرأة كاسخيليوس، واندريه جيد،
وتنسي ويليامز، وأوسكار وايلد، ليصل إلى تطرفات الدعاوى
المثلية، او السحاقية بمعناها وواقعها كممارسة جسدية، أي
عشق المثيل، كما اعترفت به مثلا فرجينا وولف التي تحدثت
بصراحة في مذكراتها عن ذلك المنحى، من خلال علاقتها بالأديبة
فيناسكافيل ويست، ومحاولتها مع كاترين مانفيلد، أو ذلك الذي
أعلنته رائدة الشعرية التعبيرية آمي لويل (1874 - 1925)
التي أغرمت بالممثلة اليانورا دوس بمجرد أن رأتها على المسرح
فكتبت فيها أول قصائدها، كما هامت بالممثلة أدا روسل.
ومنذ جرأة
المناجاة البوحية التي اجترحتها سافو ناحية بنات حلقتها
"ثياسوس" صارت كل شاعرة تحمل شيئا من السافوية بشكل أو بآخر،
وهو الأمر المتحقق كمثال شعري أنثوي عند عفرا بين (1640-1689)
التي ترملت في سن الخامسة والعشرين، وكانت تلقب نفسها "الأستريا
التي لا تقاوم" وقد أقرت - شعرا - بأنه من رجل أثارها جنسيا
كما فعلت المرأة، وكذلك بالنسبة لسور خوانا إينيس دي لاكروث،
التي تعرضت للجلد من قبل الكنيسة، وأيضا عند آنا سيوارد
(1747-1809) التي كتبت قصائدها لصديقتها هونورا سنيد، وكذلك
معلمة التاو الصينية وو تساو (القرن التاسع عشر) فهي حسب
كينيث ركسروث أعظم شاعرة مثلية.
وبالنظر
إلى ما تشترطه وحدات إي خطاب تبدو تلك التعاقبات والتماثلات
مندرجة في سمة موحدة، ترد مجتمعة إلى نبع واحد له جاذبية
التأصيل، وتمثيل الهاجس، مع ضرورة التخلي عن جاهزية الأشكال
كأوهام اتصالية، عند محاولة المكوث داخل هذا النص كخطاب،
للتفريق بين مستويات التشابه اللساني والمنطقي وبين التجانس
العباري، فعلية بنت المهدي لم تتشبب بجاريتها زينب إلا بعد
أن حرمها أخوها الرشيد من التعلق بغلامها "طّل" حيث قالت
بيتها الشهير:
وجد الفؤاد
بزينبا وجدا شديدا متعبا
وفيما يعتبر
ذلك التوجه إحياء أو عودة لسيرة السلف الشعري حسا وتعبيرا
وسلوكا، إلا أن شكل الإقتداء الأدبي والسلوكي لا يمثل حقيقة
الخطاب الشعري الأنثوي إلا من الناحية المظهرية، فهنالك
جيل يفاخر بإستنسابه لسافو مثل جين ميلر مثلا، وبصورة أوضح
وأكثر فصاحة تعبيرية صديقتها الأمريكية يونانية المولد أولغا
بروماس، إحدى دعاة " السافوية " المتمثلة لنزعتها المثلية
كما يتبدى في مجموعتها "هذيان" وأيضا "الإبتداء بحرف الأو"
كما يتبدى في مقاطع من قصيدتها "الجميلة النائمة":
لسانان يتقاسمان
الوقت
...
أحس بعضات
كالقنابل
...
دم، ودموع،
وملح جسدينا
فمّانا قبالة
بعضهما كما الحلم
طعمك يشحذ
لساني كآلاف الصدفات
إذا، لا
ينبغي النظر إلى كل تلك التجميعات والاتساقات المظهرية كوحدات
طبيعية وبديهية وشمولية، كما يحذر فوكو لتحرير الخطاب من
أوهامه، فتلك العبارات المبعثرة في الزمان والمكان تؤكد
هذا المنزع، وعلى واحدية المرجع، كما تحيل إلى وحدة موضوعية
في ذات المكمن بأشكال مختلفة للتجربة الفردية والاجتماعية،
كما يبدو من نمطية الترابط والتسلسل لنظام مفاهيمي عاطفي
متناسق وثابت التوجه، وقد لا تكون سوى حالة من التمازج بين
الحس الذكوري والأنثوي في الذات المبدعة لإحداث التوازن
في عملية الإبداع، كما يميل غاستون باشلار.
وهكذا يتوضح
ذلك المنحى الجريء بشكل مبالغ فيه عند سوزان ميتشل مثلا
في مجموعتها "ايروتيكون"، ولاريسا زبوروك بمجموعتها "أيسولاتو"
فالشاعرة كما يسجل التاريخ تجد متعة قصوى في التخاطب الوجداني
مع قرائنها على شكل رسائل متبادلة، غالبا ما تطال حافة تمجيد
الحب المثلي، أو المناداة به في أقل الأحوال، كما خلدته
سافو ابتداء فهذا التراسل الخفي، المؤكد عليه بتجانسات عبارية،
شأن شعري يتأتى في المقام الأول من إنتماء النساء المشترك
لمتطلبات الأنوثة وانقيادهن الغريزي لمجرات تأثيرها.
وقد استغل
الشاعر بيير لويس هذا المنزع الإستيهامي، فألف أكذوبة شعرية
تحت مسمى " أغاني بيليتس " ونسب مترجماته المفبركة لشاعرة
بنفس الاسم، لينّصبها آلهة للسحاق بجانب أفردوديت آلهة الجمال،
إذ ادعى أنها عاشت في القرن السادس قبل المسيح، وقد اكتشفها
باحث مختلق أيضا باسم غوستاف هايم، تماما مثلما نسب إلى
ليلى العامرية بعض الشعر للمبالغة في تجسيد أسطورة صحراوية
جامعة للعشق العربي، لتأكيد بنية طباقية للرغبات والمثل.
والتاريخ
الأدبي يحتفظ بسجل طويل في كل الأزمنة والثقافات لشاعرات
قاربن المحظور المثلي مثل ماتيلدا بيتام ادواردز (1836-1919)
وكريستينا روسيتي (1830-1894) وادنا فنسنت ميلاي (1892-1950)
وأيضا السا غدلو (1898-1986) وشاعرة العصر الفكتوري الانجليزية
شارلوت ميو (1879-1928) واليهودية غرترود شتين (1874-1946)
التي الهمت ماتيس وبيكاسو، وقد سطرت حكايتها مع اليس توكلاس،
والفرنسية بولين ماري تارن المعروفة برينيه فيفيان (1877-1909)
التي أحبت ناتالي بارني، وكذلك الأمريكية انجلينا ويلد غريمكه
(1880-1958) والروسية ماري مادليني (1881-1944) والأسبانية
غلوريا فيورتيس، واليوغسلافية جيلينا لينغولد.
ويبدو أن
المرأة الشاعرة ترى في مقابلها الأنثوي ما لا تراه في الرجل،
وتؤكده بإلحاح تعبيري مصعّد، ففي نص لعالية شعيب " ملح على
ثديي يرتعش " قبل أن تستتاب، تحرض قرينتها على ملامسة شبقة
للحم الوردي، وتقول " رأت في عيني المرأة المشتعلة، ما لم
تره في عيون كل الرجال، الذين سال لعابهم على شمع ركبتها
من قبل. رأت رغبة امرأة لإمرأة " تماما كما تفاخر الشاعرة
أودري لورد ( 1934 – 1992 ) التي تصف نفسها بالمثلية السوداء،
بانطباع أثر كل من عاشرتهن من النساء على جسدها، واكتشافها
عبر تلك الزوايا المهملة من أقاليمه ما لا يمكن التنبه إلى
مكامنه.
على هذا
الهاجس المثلي خاطبت الشاعرة قريناتها، حتى املي دكنسون
تغزلت بصدر صاحبتها المتلألئ، بعد أن صاحبت سوزان غلبرت
وكتبت فيها الكثير من القصائد، إذ يبدو أن الحيادي أو المثلي
يقود الحساسية الشعرية إلى الأقاصي، أو تجاوز الإعتيادي
إلى العشق المحرم، حتى أن أرنست كريس يميل إلى أن الإبداع
ما هو إلا مثلية جنسية سالبة، لكنه يبقى هاجسا مؤرقا ومواربا
حتى وإن تفصّح داخل النص، كما يبدو مثلا في قول الشاعرة
الجاهلية أم النحيف:
مهفهفة الكشحين
محطوطة الحشا كهم الفتى في كل مبدى ومحضر
لها كفل
كالدعص لبده الثرى وثغر نقي كالأقاحي المنور
وهو ذات
المأزق الذي واجهته موريل روكيسر (1913-1980) التي لم تقر
بعلاقتها المثلية إلا قبل فترة قصيرة من وفاتها. أما اليزابيث
بيشوب (1911-1979) فقد أعجبت بالشاعرة ماريان مور وصاحبتها،
قبل أن تقابل في البرازيل لوتا دي ماسيدو سواريز، لتعاشرها
ستة عشر عاما، وكذلك ماي سونسون (1919-1989) وأيضا كرايستوس
المتحدرة من أم ليتوانية، والحاصلة على جائزة سافو.
وكما تمنت
سافو أن تموت حزنا على فراق صاحبتها، وتفصمت آمي لويل على
حافة الليل بعد أن غاب وجه معشوقتها، لم يكن من المستغرب
أن تعيش كاثرين لي باتيس (1859-1929) وفية لذكرى عشيقتها
كاثرين كومان، التي صاحبتها في علاقة لمدة خمسة وعشرين عاما،
وعندما أصيبت كامون بالسرطان، وأصرت باتيس على تطبيبها حتى
توفيت سنة 1912. وفي العام 1922 نشرت "البرسيم الأصفر" الذي
يحكي حكايتهما، وقد كتبت عبارتها الرثائية الشهيرة "يبدو
أن الكثير مني قد مات بموت كاثرين كومان لدرجة أني لا أدري
إن كنت بعدها حية بالفعل أم أني أتوهم".
إذا، فالمشهد
الغرامي الموصوف شعريا بين امرأتين ليس مجرد موضوع شعري،
أو صيغة جمالية مصعّدة من صيغ المنتجات الغربية المعولمة
الصادمة، لأن التاريخ الأدبي كمرجعية يسجل للحركة الشعرية
النسوية توسعا لهذا التيار بشكل فارط، حيث الوفرة من الأسماء
المهمومة بممازجة الحقوقي بالمثلي، تماما كما هو الحال في
ترهيف الخط الفاصل بين العشقي والصوفي، بل بين كل التخوم
التي يطاها النص الشعري الأنثوي.
هكذا تمادت
الشاعرة في تصعيد المثلية لتقرنها بالحقوقي، لتجعل منها
قضية نسوية بامتياز، بل وتفسح لها صوتا في النص الشعري،
كما تبنتها باولا غن ألن، الحقوقية المولودة لأبوين لبنانيين،
وأيضا بيكي بيرثا التي تصف نفسها بالمثلية الهزازة السوداء،
وكذلك كلير كوس، وجيويل غوميز، وميني بروس برات، ومارلين
هاكر، وهنالك جوان لاركن التي أعدت مع ايلي بولكن أول أنطولوجيا
للشاعرات المثليات، وشيري موراغا أول شيكانية تنشر شعرا
مثليا في كتابها "الحب في زمن الحرب" وأيضا ليسلي نيومان
المعروفة اليوم كواحدة من أكثر الشاعرات المثليات إنتاجا
وتنويعا، صاحبة العمود الشهير "خارج الخزانة ولا شيء ألبسه"
والمعروفة أيضا باهتمامها بالمثليات اليهوديات، وكذلك ماي
سارتون (1912-1993) التي سردت حكاية حبها لجود ماتلوك في
ديوانها " عسل في خلية " كما جسدت حياتها في فيلم بعنوان
"ماي سارتون - بورتريه شخصي".
حتى آن سكستون
التي ارتبطت بنساء كثيرات تحوم حولها الشكوك، وعلى الأقل
هنالك قصيدة "غناء لسيدة" من مجموعتها "قصائد حب" كانت تشف
عن ميول أو تجربة حسية مثلية، والتي تقول فيها:
في يوم الأثداء
والأفخاذ الصغيرة
ينقر النافذة
مطر رديء
مطر يجيء
ككاهن
كنا كزوجين،
في منتهى العقل والجنون
رقدنا كملعقتين
في حين كان يهطل
المطر المشؤوم
على شفتينا
وعيوننا
السعيدة وأفخاذنا الصغيرة
"الغرفة
قارسة البرد بالمطر" قلت
وأنت الأنوثة
أنت، بأزهارك
تتلو التاسوعات
لمكحلي ومرفقيّ
فأنت نتاج
محليّ وقوة
يا أوزتي،
وكادحتي، يا وردتي الصوفية الغالية
لسوف يوثق
القاضي سريرنا
بينما تدلكيني
فأنتصب كالعجين
كاتب وناقد
من السعودية.
محمد العباس
/ كاتب وناقد من السعودية - 21.11.2004 - خاص بالإمبراطور
-
m_alabbas@hotmail.com