
آلاستور
أو روح العزلة لشيللي
الإنسان
واليأس والطبيعة
ترى
ما الذي دفع في العام 1916, شاعراً شاباً لم يكن قد نشر
سوى قصيدة واحدة, وبالكاد تجاوز الرابعة والعشرين من عمره
الى كتابة تلك القصيدة التي سوف تعتبر من يومها واحدة من
أكثر قصائد الشعر الانكليزي تعبيراً عن نوع فجائعي من الرومانطيقية,
مع ان ذلك الشاعر لم يكن أول الرومانطيقيين في ذلك الحين
ولا أهمهم؟
الشاعر
الذي نعنيه هنا هو بيرسي بيش شيللي,
رفيق
اللورد بايرون ومواطنه.
أما
القصيدة فهي "
آلاستور
أو روح العزلة". وأما سطورها التي أهاجت القراء الشبان وجعلتهم
يندفعون في سلوكيات مقابرية كئيبة, لا تخلو مع هذا من أقصى
درجات الجمال والابداع, فلعل أقساها وأكثرها مرارة ذلك السطر
الذي يرثي فيه الشاعر عالماً "تعيش فيه أعداد كبيرة من الديدان
والوحوش والرجال العاديين,
بينما
ثمة أرواح فذة تقضي راحلة تاركة وراءها اليأس الشاحب والهدوء
الثلجي".
اسم
آلاستور الذي يرد في عنوان القصيدة,
مستقى
من كلمة اغريقية تعني "
المنتقم"...
كما
انها في الوقت نفسه تشير الى وحش أسطوري يقضي وقته مشرداً
في الآفاق لا يلوي على شيء ولا يعرف أبداً ماذا يريد.
ومن
الواضح هنا,
ان
شيللي انما استخدم ذلك الحيوان الرمز للتعبير عن ذاته المتطلعة
الحزينة الوحيدة.
وهذا
ما يرجعنا هنا الى السؤال الذي به افتتحنا هذا الكلام.
أما
الجواب فيمكن العثور عليه,
في
سيرة شيللي نفسه,
أكثر
مما يمكن العثور عليه في القصيدة:
ان
شيللي كان يدرك منذ سن المراهقة انه مصاب بمرض سيقضي عليه
لا محالة وهو,
بعد,
في
سن الشباب.
ومن
دون أن يبعث به ذلك الى وهدة اليأس والصمت,
حرك
فيه كوامنه الشعرية ودفعه باكراً الى الكتابة كترياق.
وشيللي
حين نشر قصيدته الأولى المعروفة "
الملكة
ماب"
في
العام 1813,
كان
لا يزال غير مدرك تماماً عميق أزمته وحتمية الموت الذي سوف
يناديه في الواقع في العام 1822.
ولكن
-
ويا
لسخرية القدر! -
لم
يمت شيللي من جراء مرضه الدائم,
بل
غرقاً...
وفي
وقت كان منكباً فيه على كتابة قصيدة له عنوانها "
انتصار
الحياة".
وكان
ذلك في العام 1822,
بعد
ست سنوات من نشر "
آلاستور".
إذاً,
كتب
شيللي "
آلاستور
أو روح العزلة"
وهو
تحت تأثير شعوره العميق بموته المقبل.
ومن
هنا رومانطيقيتها المقابرية الطافحة بالتأرجح بين التطلع
الى أسمى علامات الجمال والفن,
وبين
الغرق في وهاد الوحدة والتشرد والموت...
بل
علينا أن نلاحظ هنا كيف ان هذه القصيدة نفسها تنتهي بموت
الشاعر,
بطلها,
إذ
يغرق في يأسه بعدما عجز تماماً عن العثور على المثل العليا
التي كان يبحث عنها,
جائباً
البلدان والأماكن,
سابراً
أغوار الناس وعتمة الليل.
ذلك
ان هذه هي في الواقع أجواء هذه القصيدة,
التي
يمكننا أن نعود الى مسرحيات اسخيلوس لكي يطالعنا النموذج
النمطي الذي على شاكلته صاغ شيللي روح الانتقام التي حمّلها
الى شاعره الجوال.
ان
روح الانتقام والتجوال هذه,
هي
في نهاية الأمر روح الشر القلقة الضائعة,
التي
عبر وصفها يصف لنا الشاعر في حقيقة الأمر حكاية حياته كشاعر
شاب وحيد منعزل.
ان
هذا الشاعر كما تصفه لنا القصيدة كان أمضى طفولته كلها غارقاً
في أحلامه وفي ضروب الفن,
مغتذياً
من كل ما هو حسن وسام في نتاجات الماضي...
ويصور
لنا الشاب الفتي هنا ناهلاً ايمانه المطلق من الجمال وقادراً
على فهم روعة الكون وحكمته.
والفتى
كان قد ترك داره لكي يتجه الى المناطق الأكثر بعداً وعزلة...
الى
عوالم مجهولة لم يكن له عهد بها من قبل...
كما
كان يعرج في طريقه على آثار العصور الغابرة يزورها ويتملى
من جمالها ويتأملها تاركاً اياها تملأ فؤاده بالحبور والمتعة...
غير
ان فتانا كان,
على
رغم ذلك كله,
مصاباً
في عمق أعماقه بتطلع يجعله,
في
رؤية فريدة الى الكون يشعر,
فجأة
بالحاجة الى أن يعثر في تضاريس الحياة نفسها مجالاً لتحقيق
أحلامه,
والحاجة
الى روح شبيهة بروحه تقاسمه تطلعاته.
وهكذا
يتحول بحثه عن الجمال والفن وتألق الطبيعة وزهو الماضي,
الى
بحث عن حلم محدد...
وهو
الآن يذرع العالم كله بحثاً عن هذا الحلم...
لكن
بحثه لا يؤدي به دائماً الا الى الفشل...
هو
الذي لم يكن ليدرك منذ البداية ان ما يحلم به ويسعى الى
العثور عليه انما هو موجود في داخله.
وهو,
إذ
يعجز عن ادراك هذا,
يستبد
به ذلك اليأس القاتل...
وينتهي
به الأمر الى الموت...
الموت
الذي -
كما
أشرنا -
كان
شيللي يتنبأ به لنفسه.
يغلب
على هذه القصيدة لشيللي ذلك الطابع السردي الغنائي الذي
سيميز كل شعره منذ ذلك الحين.
ولا
سيما اعماله التالية التي كتبها,
وبكثافة
مدهشة خلال سنوات قليلة مثل محاورة "
جوليان
ومادالو"
و"
النبات
ذو المشاعر المرهفة"
و"
أدونيس"
و"
ابيبلسكيدون"..
وهي
أعماله التي صنعت له شهرته,
تماماً
كما صنعتها أعمال له غير شعرية مثل "
ثورة
الاسلام"
وترجمته
لـ"
مأدبة"
أفلاطون.
غير
ان الأساس في "
الاستور
أو روح العزلة"
ليس
بالطبع,
شكلها
الفني,
بل
تلك السوداوية البائسة التي تطبعها,
والتي
كان لا بد لها منذ ذلك الحين من أن ترتبط بأكثر درجات الرومانسية
سواداً.
فهنا,
في
هذه القصيدة,
ليس
ثمة استقرار...
وليس
ثمة من أمل.
صحيح
ان شاعرنا الفتي كان يحمل هذا الأمل,
خلال
الجزء الأول من القصيدة,
حين
انطلق في هذا العالم يبحث وكله يقين من أن بحثه سيؤدي به
الى نتيجة...
لكنه
بالتدريج يدرك ان ذلك كله من دون طائل.
والأدهى
من هذا انه يدرك هذا "
الواقع",
ليس
انطلاقاً من الأحداث الخاصة التي تطبع تجواله وبحثه,
وانما
ارتباطاً بشرط انساني عام يقول له -
ولنا
-
ان
كل هذا البحث من دون جدوى,
لأن
الكون هو هكذا...
وليس
ثمة استثناءات في اللعبة كلها.
ومع
هذا يتعين ألا يغرب عن بالنا هنا ان مواصلة الشاعر الفتى
لبحثه حتى لحظاته الأخيرة,
وعلى
رغم ادراكه ان ذلك كله سيفضي به الى الموت,
انما
يتضاءل ما في سماتها من حزن,
في
كل مرة يدنو فيها الشاعر خلال ترحاله من الطبيعة...
وكأنه
يريد أن يقول لنا في كل لحظة من اللحظات,
انه
اذا كان ثمة من أمل في لحظة ما,
فإن
هذا الأمل مرتبط بعلاقة الانسان مع الطبيعة.
وعلى
هذا النحو -
اذا
ما ادركنا هذا الطابع المميز في رومانسية شيللي -
ستتضاءل
في أنظارنا كآبة الموت المتربص بنا في نهاية الأمر,
بالنظر
الى ان الشاعر حين مات,
انما
مات وسط الطبيعة.
مات
وهو يتأملها ويتمنى في الوقت نفسه التحامه بها.
وما
الموت هنا,
في
نهاية الأمر,
سوى
التحام بالطبيعة.
وليد
بيرسي بيش شيللي في بلدة تقع في ضاحية ساكس في العام 1892
وتلقى
تعليمه في إحدى كليات جامعة أوكسفورد.
وهو
نشر أول كتاب له وكان بعد في الثامنة عشر وألحقه بكتاب ثان,
من
الواضح ان اخته اليزابيث ساعدته في كتابته.
وهو
في العام 1911
طرد
من أوكسفورد لإلحاده,
فتزوج
للمرة الأولى وبدأ سلسلة جولاته بين البلدان والنساء.
وهي
جولات ارتبط خلالها بالكثير من الرومانسيين ولا سيما باللورد
بايرون,
وألف
خلالها الكثير من كتبه كما نشر الكثير من قصائده.
إبراهيم
العريس - الحياة - 2004