نيكول كيدمن عن "الساعات" وفيرجينيا وولف وكيدمن

على الممثل أن يكون مستعداً للفشل لكي ينجح"

بعض الافلام لا ينتهي عند اطلاقه في الصالات السينمائية ومن ثم عند نجاحه او فشله الجماهيري. كما ان الحديث عنه لا يرتبط بمناسبة معينة تبرره. تستحق هذه الافلام ان "نحتفل" بها وان نزورها مراراً اذا كانت تحمل في ثناياها احتمالات اكتشافات جديدة في كل مرة. قد يبدو هذا الكلام غريباً على الافلام التجارية التي تحتل الهامش الاكبر في صالاتنا والصالات العالمية غير الفنية. غير ان الوقت كفيل بين مدة­ اي سنوات­ واخرى ان يحمل لنا المفاجآت. غني عن القول ان مفاجأة هذا العام هو فيلم "الساعات" لستيفن دالدري المعروض في الصالات المحلية منذ نحو ثلاثة اسابيع. حُكي الكثير عن الفيلم وحاز الاعجاب في وسطه الطبيعي، اي النقدي والهواتي. ولكن اكثر ما قيل هو عن ممثلاته الرائعات نيكول كيدمن وجوليان مور وميريل ستريب. وهذا ليس بغريب بالنسبة الي مخرج قدم قبل ثلاث سنوات "بيلي ايليوت" مستنبطاً من ممثليه، الطفل جايمي بيل في مقدمهم، آداءات عالية. لاسباب عدة متداخلة، تركز الاهتمام حول كيدمن، برغم ان البطولة تقاسمتها الممثلات الثلاث. انما كيدمن هي التي حازت الاوسكار، ربما لانه ترشيحها الثاني على التوالي بعد "الآخرون" العام الفائت. وربما لان هذه الممثلة حققت في خلال السنوات الثلاث الاخيرة نجاحاً سريعاً واثبتت انها ممثلة بحق من خلال افلام مثل "مولان روج" و"الآخرون" و"فتاة عيد الميلاد". انها في اختصار مفاجأة، في حين ان اداء ستريب المتفوق ليس بمفاجأة بالنسبة الى ستريب صاحبة السجل غير المسبوق في عدد الترشيحات. كذلك لم تكن مور مختلفة تماماً كما ان دورها في "بعيداً من الجنة" سرق الاهتمام فنالت ترشيحاً للاوسكار عنه. يُضاف الي كل ذلك.، ان كيدمن جسدت في "الساعات" شخصية الكاتبة الاميركية فيرجينيا وولف التي شكلت لوقت طويل لغزاً للقراء والمهتمين نتج عنه خوف من الاقتراب منها. المفاجأة الحقيقية كانت ان كيدمن قاربت الشخصية ببساطة وبعفوية وبجرأة حتماً فكانت تلك المقومات جواز سفرها الى نجاح حقيقي. وفي حديثها عن الشخصية وكيفية لعبها، يتأكد ان نجاحها لم يكن وليد صدفة، بل هو ثمرة جهد حقيقي.
الانف البلاستيكي لعل ما لفت الانظار اكثر من براعة الاداء ربما هو الانف المصنَّع الذي لبسته كيدمن طوال الفيلم ليتحقق الشبه الخارجي بينها وبين وولف. قيل الكثير عن الانف ليس فقط لانه بدا طبيعياً وجزءاً من ملامح كيدمن، ولكن لانه ينم عن جرأة الممثلة. كيدمن في عرف النجومية، استغنت عن عامل اساسي من مقومات نجاحها هو جمالها. ضحت بالصورة التي يعشقها الآلاف، وكأنها ارادت من ذلك ان تحول الانظار الى ما هو اعمق واصدق ونجحت من دون شك. على ان كيدمن واجهت تحديات اكبر واصعب من الانف الاصطناعي كما تقول في حوار لمجلة "فيلم ريفيو" (العدد 628): "شعرت انني ببساطة غير ملائمة للدور. ثم جاء ستيفن واقنعني انني على العكس من ذلك تماماً وانني استطيع ان احمل الشخصية واجسدها. هو من اختارني وارسل السيناريو لي من خلال وكيل اعمالي. بعد قراءته، شعرت انني ملائمة اكثر للدور الذي لعبته جوليان مور. لم تكن فيرجينيا وولف قوية الحضور في حياتي. قرأتها خلال سنوات الدراسة ولكنني لم اتفاعل معها مثلما فعلت مع الاخوات برونتي مثلاً. كانت دائماً بعيدة المنال. ثم حين اختارني ستيفن لدورها، قلت في نفسي: حسناً، اذا كان يعتقد انني استطيع القيام بالدور، اذاً ما علي الا ان اكون شجاعة وان اصدقه واثق به. بعدها، بدأت اقرأ. قرأت السيدة دالواي وبعض رسائل وولف. وقرأت السيرة التي كتبها لي هارميون عنها. احسست عندها ان هناك شيئاً فائق الروعة، غير عادي لا يمكنني ان ادير ظهري له هكذا ببساطة. عندها فكرت ان أرمي بنفسي الى المشروع واذا فشلت اكون قد فشلت. هذا ما ينبغي على الممثل ان يقتنع به؛ يجب عليه ان يكون مستعداً لأن يفشل. وقد كان من الممكن بالفعل ان افشل." غير ان فكرة الفشل، وان كانت الممثلة تضعها في الحسبان، الا انها تقاومها بالوسائل كافة. لتلك الغاية، عزلت كيدمن نفسها في كوخ في احدى ضواحي لندن، ساعدها الانف على ان تبدو شخصاً آخر لدرجة انها استطاعت ان تتجول من دون ان يلاحقها المصورون البابارازي. كما تعلمت ان تكتب بيدها اليمنى بدلاً من اليسرى واتقنت اللكنة الانكليزية ببراعة كبرى وهو ما كانت بدأته في فيلمها السابق "الآخرون". حين تصف كيدمن كيفية مقاربتها الدور في الحوار نفسه تقول: "كان الامر اقرب الى الاكتشاف، اكتشاف كيف ستتسرب الشخصية الى تحت جلدي وكيف سأتقن نبرة صوتها. ليس الامر بمثابة خيارات صحيحة، بل هو تجريب ومحاولات متكررة الى ان تبدأ الاشياء بالتراكم. ساعدني على ذلك كثيراً المخرج ستيفن الذي يأتي من خلفية مسرحية ويؤمن بالمقاربة التجريبية للشخصية. كنا نجرب معاً عدة اشياء الى ان نكتشف الامثل. ثم قمنا ببروفات للماكياج، وبدأت اتجول بلباسها وهيئتها وانفها الى ان وجدتها." برغم كلمتها الشهيرة عند تسلمها جائزة "الكرة الذهب" التي دعت فيها الكتاب الى "الكتابة اكثر للنساء لأننا مخلوقات مهمة"، لا توافق كيدمن على اعتبار "الساعات" فيلماً عن النساء: "انه فيلم مهم للجميع لانه يتحدث عن حكمنا القاسي على خيارات الآخرين، عن العاطفة وقبل اي شيء عن التأثير العظيم للادب. حين تجلس جوليان مور في سريرها وتقرأ السيدة دالواي التي كتبت قبل اعوام طويلة، هي تتأثر بشكل عميق. افكر حين ارى المشهد انه لهذا السبب يجب ان نقرأ لنعيد اكتشاف انفسنا واكتشاف قطعة ادبية لم يؤثر فيها الزمن."
مع استمرار جنيها ثمرات "الساعات"، تحمل كيدمن في جعبتها خمسة مشاريع سينمائية اخرى، بعضها منتهٍ وبعضها الآخر على وشك ان يبدأ تصويره: "دوغما"، "البقعة الانسانية"، "ولادة"، "الجبل البارد" و"زوجات ستيبفورد". "لا اقوم بخيارات محددة، بل اترك نفسي للعمل ليجذبني. اعتقد ان ما انا عليه اليوم نتيجة غريزة ما. اترك نفسي للتيار، اذا شعرت بأن شيئاً يشدني بقوة اليه، اشعر انني يجب ان اذهب اليه." في وصفه الفيلم، قال المخرج دالدري انه "عن الاحساس بالقيود والتوق الى التحول والشعور بانك في المكان الخطأ تمارس الدور الخطأ." هل ينطبق ذلك على كيدمن؟ "حتماً" تقول وتتابع: "احسست خلال الفيلم انني في جلسة علاج. اعتقد ان حياتنا وعملنا تتداخل في مرحلة ما. من الصعب ان نحدد كيف واين ومتى ولماذا. نشعر بوجودها وهذا كافٍ ونعبر عنها وهذا المطلوب. احياناً نصل الى مرحلة في حياتنا تتدفق الاشياء فيها من داخلنا ولانستطيع ان نوقفها. وفي احيانٍ اخرى تكون الحياة جافة."

 

المستقبل - الجمعة 25 نيسان 2003 - العدد 1282


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri