حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

تجريب

"إنّ أحد أجمل الأشياء هو أن تبقي تلميذاً طوال حياتك".
إلياس خوري

إلى نور

يُقالُ "أو" كما قَرَأْتُ: "الناقدُ في أحد تعريفاته رسولٌ موفدٌ من حقل الفلسفة إلى حقل الأدب، بهذا المعنى يغدو النقد الأدبي فرعاً من علم الجمال، له صلة بالمنطق، ونظرية المعرفة، ونظرية القيم"

إلى هذا الآن أنا لم أقم إلا بنقل أثر من فضاء القول/ الكلام / الصوت /اللسان إلى فضاء الصفحة البيضاء؛ نقلاً آلياً؛ بمعنى أني قمتُ بترهين الأثر بالكتابة الخطية. مع فقهي، في الوقت نفسه، أن حصول الأثر ذاته كان من فضاء القراءة. لذلك أقولُ أو أكتبُ الآن معتبراً اعتباراً ضرورياً، غير جدلي، أن <أو> الوسطية، بين الفعلين - في الجملة الفعلية البدئية "يقال <أو> كما قرأتُ" - هي معادلٌ تامٌّ بين فعل القول وفعل القراءة التي تحضر بحضورها الكتابة، بصرف النظر عن الاختلاف الحاصل بين النطاق النحوي للفعلين: مضارع/ ماضي. فبالانتباه إلى الجملة البدئية ذاتها في ذاتها أدرك، في التو، اختزالها مضموناً حياً لمقولة "الغراماتولوجيا" Grammatology عند ديريد. ذلك أن القول للسماع، وقراءة اللسان، أيضا، للسماع، وقراءة العين للكتابة باعتبار الكلام <أو> الكتابة "أثراً". مع التأكيد مجدّداً على أن <أو> تقولُ بجوهر التماثل.

والجملة الفعلية البدئية، هي، أيضا، تختزل مقولة "الاختلاف" التي قال بها ج. ديريدا؛ حيث تتضمن-الجملةُ- في الوقت ذاته أدوات تفكيك ذاتها من الداخل. كيف يكون ذلك؟

إن الفعل البدئي: "يُقالُ" جاء مبنياً للمجهول، للاموجود والموجود، في الوقت ذاته، كـ"أثر" خطّيٍّ. إذ المَبْنَى مَسْكنٌ يتوطّن فيه إذن، "الآخرُ" الغائبُ المخفيُّ في المعلومِ؛ باعتبار أنّ الأخير "أثر خطيّ". فيما "الأنا" ممثلاً بـ"تاء الفاعل" المتصلة، المنفصلة في الوقت ذاته؛ نراه رأي العينِ، معلوماً وموجوداً وحاضراً خطياً ووجودياً وعِلّياً وعُضوياً في فضاء الفعل "قَرَأْ / تُ". الذي، هو، معلولٌ بالسكون بفعلِ "العلّة الفاعلة" التي هي إتصالُ "تاء الفاعل" بالفعل؛ بعد أن كان الفعلُ، في "علّة ذاته"، مُحرّراً مبنياً على الفتح. نلاحظ أيضاً أنّ حرفَ (الألف) هو الذي تتمُّ فيهِ وعليهِ إجراءاتُ التسكين والتحريك، إذ هنا، أي، بخصوص (الألف المهموزة <أو> المهموز) قد تمّ التسكينُ بفعل فاعلٍ؛ إما عضْوي أو خارجي مؤثر سلباً أو إيجاباً. أما تحريكُ المخصوص ذاته، أيضاً، إنما يحقّق حركة الفعل، وكمال صورته الذاتية، حيث كلّ أحرف الفعل متحركةٌ "قَرَأَ". لكن ألا تنمّ صورةُ الفعل ذي الأحرفِ الثلاثة المتحركة على الثبات؟ وبنحو آخر، أليسَ غياب الفاعل العُضوي إنما من شأنه أن يُطيلَ فترةَ مكوث الماضي في ذاته؟ ثمّ ألا يحقّ لنا التساؤل هنا، داخل البنيان الحرفي للفعل، عن خصوصية حرف (الألف) لكونه أوّلاً تجري عليه العملياتُ السكونية والحركية باستمرار، ولكونه أيضاً، مُمكنُ التَمثّلِ بالعدد (واحد)؟ لكن، وعلى أية حالٍ، فإننا نرى أن "قرأتُ" - باعتبارها وحدةً- حاملةً للاختلافاتِ فيها: للعلة والمعلول، للسكونية والفاعلية. وهذا، بالضبط، يحيلنا إلى مقولة سوسير القائلة بأنْ: "لا وجودَ في اللسان لغير الاختلافات". عوضاً عن أنّ الفعل البدئي "يقالُ" هو فعلُ مضارعٍ يَقولُ بحصول الحركة والصيرورة، وأمّا فعل الماضي، مجرّداً باعتباره معلولاً بالسكون "قرأْ / تُ"؛ فقائلٌ بالثبات الحاصل من جراء إتصال الأنا الفعلية العضوية فيه. إذن ألا نستنتج من ذلك أن "الأنا العضوية الفاعلة" المرتبطة بالماضي، إنما بحركيتها السالبة تعمل على التكريس والتثبيت؟! وتقول بتطبيق عكس ما عناه غرامشي من دور "المثقف العضوي"؟! لكن من منظور مقابل: أليس، المعنى من " قَرَأتُ " ينطوي على حصولِ حصيلة معرفية تحقق مستوى من التنوير المُولّد لأفكارِ وعمليات التغيير؟

حسنا، لكن لأعد إلى ما كنتُ بصدده؛ إلى البداية -أعني إلى القراءة في الفضاء الكائن بين الفعل البدئي "يُقالُ"، وبين الأداة <أو> داخل الجملة البدئية. إنّ الفضاءَ الحاصلَ بين الفعل وبين الأداة، إنما يسمح، وعلى نحوٍ من الاختيار، بحصول وجود الحضور لغيابين هما:

الأوّل: غيابُ "الآن"؛ بحيث يمكن أن تُقالَ أو تُكتبَ الجملةُ على هذا النحو: (يقالُ "الآن" أو كما قرأتُ "الآن")، وهذا الحضور إنما يُحدّد القولَ والمعنى بالزمنية، بالآنية.

الثاني: غيابُ "دائماً"؛ بحيث يمكن أن تُقال أو يُكتب الجُملةُ البدئية على هذا النحو، أيضاً:(يقالُ "دائماً" أو كما قرأتُ)، وهذا الحضور، أيضاً، إنما يقول بالديمومة.

الثالث: غياب"سابقاً"، من الجملة التي تقول بحضور الغياب الثاني، في الصياغة أعلاه. بحيث يمكن أن تقال أو تكتب الجملة ذاتها على هذا النحو (يقالُ "دائما"، أو قرأتُ "سابقاً"). وسنلاحظ، أيضا، في هُنا الجملة - باعتبارها مكاناً- حملَها فيها للمزدوج دائما/سابقاً، إذ المحمول هو الزمان؛ ذلك أن "دائما" تقول بالاستمرارية والديمومة في الحاضر، فيما "سابقاً" تقول بالحصول الثابت والجاهز في شكل كتلةٍ تاريخية يمثلها الماضي تُؤْخَذُ على محمل القراءة في احتمالات الارتهان الفجّ أو التجاوز الغائي.

إن الغيابَ في ضوء التفكيك، عند دريدا؛ أو- إن شئنا- في ضوء "الزمان والوجود" عند هيدغر، لهو الحضور متخفياً، لهو التموضع في حضور غائب <أو> غياب حاضر. فهل ما أجريناه -الآن- على الجملة الفعلية البدئية المكتوبة بأصولِ نحوٍ وأدواتِ وكلمات وحركاتِ "اللغة العربية" يبرز مقدرة وإمكانية التفلسف باللغة العربية في اللغة ذاتها، على نحو ما تفلسف هيدغر باللغتين اليونانية والألمانية فيهما، باعتبار الأولى، كما هو يرى، لغةً أوليةً "مقدسة" جَسّدَتْ أعظمَ المعاني الفلسفية، و كشف فيها الوجود باكراً عن نفسه. وبوصف الثانية هي اللغة الوحيدة القادرة، على ممارسة الكشف الفلسفي الحقيقي، والتي لا يمكن لفعل تفلسف أصيل إلا أن يمرّ ويعبّر عن نفسه بها ومن خلالها(*). و مثلما ما سار على نحوه، متأثراً بهِ، الفيلسوفُ الفرنسي جاك دريدا. الذي اشتق هو الأخر مقولاته النقدية كـ"الاختلاف" و "الغراماتولوجيا" من خلال اللعب باللغة في داخل اللغة. لكن، وعلى أية حالٍ، نحن نؤمن، وعلى نحو شمولي، بأن "اللغة مسكن الوجود"؛ لذلك، فإننا نعتبر أن الإجراء التطبيقي على الجملة الفعلية التي بدأنا بها الكلام/الكتابة "يقال أو كما قرأتُ"، إنما يأتي في إطار حقيقةٍ قال بها هيدغر، وهي أنّ "اللغة مسكنُ الوجود"، وأنه " حيث تكون لغة يكون عالم؛ ذلك العالم المتغير أبداً. عالم القرارات والمشروعات والعمل والمسؤولية، وعالم العسف والصخب والعطب والضلال أيضاً".

(*) ينظر: مارتن هيدجر، التقنية-الحقيقة - الوجود، ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح(بيروت: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص 7. (مقدمة المترجمين).

 

نصر جميل شعث / فلسطين - خاص بالإمبراطور - 05.12.2004 -
naser_j79@hotmail.com



.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri