أصوات جديدة في الشعر
الروسي
 |
 |
|
إيلينا
نيفزغليادوفا |
بوريس
ريزي |
ليس ثمة
في الشعر الروسي المعاصر مدارس حقيقية او حركات او اتجاهات
فكل ما بعد الحداثويين، والتفكيكيين والأسلوبيين الذين سيطروا
على مسرح الشعر منذ مدة وجيزة لعبوا دورهم وهم ينداحون بكل
امان ليغدون من الماضي. ولعله أمر جيد ما قاله بلوك في مقالته
الشهيرة <<بلا إلهة وحي، بلا وحي>> ان تقسيم
الشعر الى مدارس وحركات كان علامة لتراجعه.
يعتمد الشاعر
في قصيدته على سياق أسلوبي معين. هكذا كانت الحال في زمن
بوشكين (<<مدرسة الدقة الإيقاعية المتناسقة>>)
وايضا في مرحلة الرمزية عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية
العشرين. كان بمقدور الشاعر يومها على الرغم من اتباع النظام
الشعري السائد، مع قليل من التعديلات، الإصرار على خصوصيته.
أما الآن فعلى كل من يكتب التعامل مع ماضي قرنين متعدد الأصوات
من الشعر الروسي. لهذا السبب تعلن اصالة الشعراء المعاصرين
عن نفسها قبل اي شيء آخر من خلال طريقة استعارتهم ولجوئهم
الى أعمال الآخرين. واللافت ان الشعراء يجدون انفسهم داخل
منطقة محتلة تجبرهم على التناغم مع أصوات شعرية أخرى.
شعراء شبان
اما أول
الشعراء الذين ارغب في الإتيان على ذكرهم فهو ايفان دادا.
يمكن قراءة عمله كمتابعة للتيار الذي مال الى تعاطي الشعر
مع الاشياء والمواقف المأخوذة من الحياة اليومية، ذاك التيار
الذي ظهر في روسيا مع بداية القرن العشرين. يعمد دادا بشكل
متواز على ذكر ما يبدو انها مشاهد جد عادية قد تبدو مملة
مثل: جدران طليت على عجل بضربات فرشاة خشنة، سلك كهربائي
عار يتدلى منه مصباح، بنادق قديمة، علب سم جرذان، مناظر
الاقاليم الروسية. يصف دادا في احدى القصائد البديعة تجربة
المنع من السفر الى الخارج، ممارسة شائعة خلال النظام السوفياتي
القديم: <<لا يسمح لك بالسفر الى الخارج/ أنت تدفئ
هذه البلاد كما يفعل العصفور بعشه>>.
ديفيد راسكين:
شاعر آخر يتميز بالموهبة والاصالة ممن يعكسون في شعرهم مشاهد
وظواهر استخدمت سابقا كمفردات للقصائد الليريكية: منظر طبيعي،
على سبيل المثال، في بداية الشتاء، الثلجة الاولى. الى ذلك
يستخدم راسكين في وصفه للطبيعة مقارنات غير عادية، كلمات
واشباه جمل مأخوذة احيانا
من الحياة
المعاصرة للكاتب. <<كمشبك ورق ازرق مصنوع من الفولاذ
الذي لا يصدأ/ تبدو دلتا النهر الامبراطوري. مثل مشبك ورق
خاص بالمكتب...>> يوحي راسكين من خلال شعره انه لا
معنى للحياة، الحياة الخاوية، الرتيبة، والتي بلا لون. على
هذه الدرب يستعمل تشكيلة واسعة من الظلال والتدرجات الدقيقة
في عرضه <<للاّ لون>> الذي يدركه! ثمة في عمله
مروحة من الصور المفعمة بالحياة حتى لتكاد تغدو ملموسة بل
محسوسة مع انها قد تكون عصية على التعبير التشكيلي. يبدو
ان قصيدته <<نافورة تحت المطر>> تتجاوز تقريبا
كل المصطلحات التي استخدمت في عمليات الوصف للنافورة التي
نظمها الشعراء الروس السابقون.
<<...
انزاح قوس قزح، ووحده الوحل الجليدي بقي وكأن الأوراق المتساقطة
العفنة تلطخت بصخر الغرانيت. جداول الماء لم تزل تنحرف مختالة
فخورة، لكن لدى امتزاجها بالمطر لا يبقى منها جدول محدد
المعالم.
يا له من
منظر حزين! الانابيب الصدئة لم تزل تتحمل ضغط كبريائها السابق.
لكن الاوراق العفنة المبعثرة في الحديقة غدت جرداء تماما.
الضغينة والغيظ يتناميان وحتى وسط حركة الامواه، يبقى افراطهما
محسوسا>>.
وننتقل الآن
الى الشاعر الكسندر تانكوف فهو مثابة نقيض كامل لراسكين.
فهذا الشاعر الذي يتمتع بإحساس حاد انفعالي غالبا ما يمارس
الحياة بشكل محموم ويحمل الى قارته <<الحمى والشفقة،
الحمى والشفقة، الحمى والشفقة>>. في شعره تبدو الاشياء،
كما في مرض الطفولة، ذات وضوح خاص، متميزة ومحمومة وكأنها
في شبه حالة هذيان. هذا الهذيان لا يجمعه شيء <<بالهذيان
الشعري>> ولا تمليه الافكار والمشاعر الملموسة او
الحسية لكن يوحي به الايقاع وحده. بالامكان دائما شرح الحالة
الانفعالية لتانكوف بواسطة عناصر فورية الوضوح للقارئ. <<يا
إلهي، بأي هراء نغمي ثُقب القلب...>>. هذا ما يقوله
تانكوف في شجرة التبولا المصفرة الورق خريفا. كلمة <<مثقوب>>
تعبر بشكل جيد عن وجهة نظر الشاعر عن العالم: احدى الكلمات
المتكررة والتي تحضر باستمرار في شعره هي فكرة الجمال الذي
يثقب الفؤاد نافذا الى اعماقه.
لن أتوانى
عن ذكر اسماء اخرى مهمة مثل الكسندر فرولوف. انه يكتب ببراعة
عن مواقف ومواضيع يومية شديدة التنوع، بعضها حزين والآخر
فكه. يعمد في احدى قصائده الى مقاربة ساخرة للاستمارة التي
كان على كل موظف سوفياتي ملأها مع تقدمه الى وظيفة جديدة:
لم أُدان بجريمة ما، ليس لي اقارب في الخارج، الخ. وينحو
في قصيدة اخرى الى ابراز، ضمن ايقاع مقلوب فيلما عن يوم
العمل <<التطوعي>>، الذي كان ينظم سنويا ايام
الدولة السوفياتية على شرف لينين، ملمحا من خلال ذلك الى
<<أن تاريخنا يجب ان يبدأ بالدوران الى الخلف>>.
الى ذلك نرى فرولوف في قصيدة له يعمد الى تبيان كيف انه،
منذ الطفولة كان يلجأ الى الخلط بين كلمات معينة لا رابط
بينها وانما ثمة تقارب بين لفظها. وهكذا فإن المواضيع التي
يختارها فرولوف لقصائده دائما ما تأتي مفاجئة.
بالنسبة
للشاعرة فيرنونكا كاباستينا فإن ما يميز شعرها ويضفي عليه
سمته الخاصة هو التصوير السيكولوجي الدقيق. مع ان بطلة القصيدة
الليريكية لكاباستينا دائما ما تغرق في همومها، يعوزها الوقت
والمال، الا انها تحتفظ بحريتها الروحية وتكون مستعدة للتخلص
من اسر اللجام ورفس الارض لتطير حتى في ظل ظروف غير مؤاتية.
ويساعدنا في هذا المجال ديوانها <<بسبب القمر>>.
تقول في احدى قصائدها:
... ونحن
نخمن من هو الملام في كل هذا،
لا تنسَ،
يا صديقي انه خلفنا مباشرة
ثمة حبات
عنب الثعلب تنمو وتنضج
وتأخذ من
خلال تحديقها بنا الريان بنا مقاسنا.
أما الشاعر
دنيس واتيشيدز فهو الاصغر بين من اتناولهم من الشعراء. وربما
لهذا السبب يمثل القلق الروحي بل العزلة ايضا الموضوع الرئيسي
لمختلف الدواوين الثلاثة التي اصدرها، رغم توزع قصائده كذلك
على مواضيع فرعية متنوعة. يطرح شعره اسئلة مثل: لأي هدف
أُرسل الى هذا العالم؟ ما الذي قدر له لانجازه؟ يحاول داتيشيدز
عبر مختلف الاشكال الاجابة عن اسئلة كهذه لنفسه، مهما يكن
تبدو الحياة وكأنها <<تخفق>> او <<تومض>>
باستمرار في لا وعيه دون ان تتجسد بشكل ناجز.
من جهتها
نرى اناستازيا سكوريكوفا تركز في ديوانها الاول على انواع
المواقف السيكولوجية التي تحصل ضمن ظروف او مواقف الحياة
اليومية، من مثل القيام بنزهة على الاقدام ضمن شوارع المدينة،
او اثناء لعب الورق صيفا في منزل بالريف، او خلال احتثاء
القهوة مع صديق. انها تدرك كيف تقطف لحظات المواقف العادية
التي يفترض بأشخاصها القيام خلالها بتضحيات ذات مغزى.
الشعر الآخر
كل الشعراء
الذين ورد ذكرهم يعملون في وظائف بعيدة عن ميدان الأدب.
راسكين مثلا مؤرخ ويعمل في مؤسسة الارشيف التاريخي المركزي،
وتانكوف مهندس مدني في حين ان فرولوف يعمل مهندساً معمارياً،
ولا شك ان قدومهم من مهن بعيدة عن الشعر له دلالته. وكأننا
ازاء سلالة ارستقراطية قديمة ادخل الى عروقها دفق من دم
ديموقراطي. وهنا لا بد من ذكر ان اثنين من شعراء بطرسبرغ
المشهورين تنحيا عن اعمالهما في الهندسة من اجل الشعر وهما
الكسي بيورين، رئيس قسم الشعر حاليا في احدى الصحف المهمة،
واليكسي ماشيفزكي، رئيس استديو خاص بالشعراء الشبان واستاذ
ادب. ويستحق كل هؤلاء الشعراء ان يؤتى على ذكرهم في اي كتاب
يصدر عن التيارات الحديثة في الشعر الروسي، ومع ان كل واحد
منهم كتب العديد من الدواوين، رغم ذلك لم يعرهم النقاد سوى
القليل من الاهتمام. ويعزى ذلك، وإن بشكل جزئي، الى كونهم
ينظمون قصائد معقدة لا يمكن فهمها دون إلمام جيد للقارئ
بالعلوم الإنسانية. فالشاعر بيورين، بشكل خاص يتميز بميله
القوي لاستعمال اشارات او احالات ثقافية: <<أنبني
لحقيقة اني، من الداخل،/ أرى نور الثقافة الذي يملأ هذا
المكان>>. <<الحنين الى ثقافة عالية>>
(اذا شئنا استعمال عبارة ماندلستام) يمثل الفضيلة الاساسية،
وفي نفس الوقت، النقيصة الرئيسية في شعر بيورين. وهكذا بأن
ابتكاريتة تؤدي، وان بشكل غير متعمد الى تشكيل عائق امام
القراءة ويتحدث بيورين بذاته عنه بشكل جميل عن هذه المشكلة
داخل قصيدته <<اللحظة>>: شيدت نصبا، بالكاد
يحس به،/ من قبل ذائقة الغالبية وغرور الافراد المنعزلين...>>.
ولا بد
من الايتان على ذكر ميكايل سانيليكوف (موسكو)، الكسندر ليونيتياف
(من فولغو غرادويتيم في موسكو)، وبوريس رايزي الشاعر الذي
قضى بشكل مأساوي في عمر السادسة والعشرين لكن دواوينه لم
تزل تصدر من جديد.
في الحقبة
التي اعقبت مرحلة السوفيات، بدا للبعض ان الشعر الروسي انقسم
الى فئتين. فقد عمد النقاد في بعض المجلات الاكاديمية المشهورة
للاشارة الى ظاهرة اسموها <<الشعر الآخر>>،
وقصدوا بذلك الاشكال الجديدة للشعر التجريبي الذي ظهر في
اوساط <<الاندر غراوند>> في موسكو ولينيغراد
عشية انهيار الاتحاد السوفياتي.
كما يقول
الناقد انطون نستيرون بقي شعر <<الاندر غراوند>>
المتخفي، بالنسبة لاكثرية القراء مثابة <<أرض غير
مستكشفة>>. ويعزى السبب، بشكل جزئي ربما، الى ان <<النقد
الذي تلا مباشرة الحقبة السوفياتية لم يمتلك الادوات المكنية
المطلوبة لتحليل نصوص كهذه. وكما قالت الشاعرة اولغا سيداكوفا
<<يحتاج الشعر الآخر، المختلف، الى فقد آخر>>.
ترجمة: فوزي
محيدلي - السفير