حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

شعر في زجاجه

مختارات للشاعر الصيني لاي بو

في ليلة منذ نحو أسبوع، خرجت من باب مطبخي إلي الشرفة وفي يدي كأس خمر، كان القمر هنالك فوق شواشي الشجر وقد شابته حمرة وحالت دونه غيوم، جلست علي المقعد ووجدت تفكيري متجها بطبيعة الحال إلي لاي بو LIPO.

وبالتحديد إلي الأبيات الأولي من أشهر قصائده 'وحيدا وأشرب تحت القمر':

وحدي ودنّج الخمر والزهر المحيط

وحدي بلا ندمان أشرب

أرفع للبدر كأسي أدعوه للشرب

وبه وبظلي نكون ثلاثة.

أكن ل لاي بو الشاعر الصيني من عهد أسرة تانج Tang الذي عاش بين 701 و 762 حبا كبيرا ليس مرده إلي عظمته كشاعر وهو كذلك وإنما لأنه كان فوضويا بلغ أقصي حدود الفوضي، قضي معظم حياته يسعي إلي الحصول علي وظيفة في البلاط، وإن كنت لا أغامر حين أقول إنه كان يفتقر إلي السمات اللازمة لذلك، كما يتضح من قصيدته القصيرة:

وجلست أشرب لم ألاحظ حلول الغسق

حتي امتلأت طيات ثوبي بالبتلات المتساقطة

سكران قمت وسرت حيث يجري نور القمر

كانت الطيور قد ذهبت

ولم يبق من الناس إلا القليل.

ما هكذا يكون رجال الدولة في الحقيقة. في التاسعة عشرة من عمره بدأ يهيم علي وجهه وبينما هو في العقد الرابع انتابته علي حين غرة نوبة من الطاقة جعلته ينضم إلي حملة عسكرية قام بها الجيش علي جنوب الصين، ونظرا لبعض الشكوك السياسية التي أثيرت حوله زج به في السجن ثم أفرج عنه ثم مات.

يبدو أن لاي بو قد قبض علي واحدة من أخص خصائص الخمر..

وهي انتصارها المؤقت علي الفقد والخواء، كما في قصيدته القصيرة 'فراق عند حانة في ننكينج':

ريح، من حقول القطن

وبنت تصب الخمر تدعوني إلي الشرب

وأصحابي آتون من المدينة ليودعوني

وبينما يتجرع كل منهم كأسه أقول له

سل النهر أن يجري إلي الشرق

لو أن بوسعه أن يسافر

أبعد مما يستطيع حب الصاحب.

الشعر والخمر متداخلان بالطبع. ألم يقل روبرت لويس ستيفنسون (شاعر وروائي اسكتلندي ولد 1850 وتوفي 1894، المترجم) إن 'الخمر شعر في زجاجة'؟ وهل شعرنا في أي زمن بنقص في الشعراء المولعين بالزجاجة والكأس؟ أليست الخمر واحدة من أكثر الاستعارات انتشارا في الشعر؟ إن بوسع الخمر أن تمنح حالة من الامتلاء والرضا شبيهة بتلك التي ينالها الشاعر من الوحي الشعري.

حتي إن كيتس يقول إن مجمل تاريخ الوجود البشري المنصب في دماغه يكن له الإجلال 'كما لو أن الخمر طروبا، أو إكسيرا رائقا لايباري، شربته فنلت الخلود'.

والمساواة بين الخمر والوحي مركزية بشكل أساسي في الشعر الإسلامي. وإنني هنا واقف علي أرض زلقة، فالإسلام يحرم شرب الكحوليات، حتي أن بعض المصادر تؤكد أنك حين تري مفردة الخمر في قصائد هذه الثقافة فعليك أن تعتبرها بلا استثناء مفردة مجازية. لاشك أن الشاعر الدرويش العظيم (جلال الدين ال رومي) كان مشغولا بحب الله وبالسعي المشبوب إليه عبر الرقص والشعر وأي شيء من شأنه أن يصل به إليه.

وهو يحذر من أن 'ثمة ألف نوع من الخمر قادرة أن تهيمن علي عقولنا'، وأن 'أي خمر تعلو بك، وتحكم كالملوك، وتنتقي الأنقي، ومن لا يداخله خوف'، ويتضح جليا حين يقول في موضع آخر 'فانهلوا من شراب الأولياء' انه لا يتحدث عن شراب كاليفورنيا تشاردوني. مع ذلك لا جدال أن الشعراء الاسلاميين يتناولون في قصائدهم أحيانا الخمر الحقيقية.

لكن دعونا نرجع ثانية إلي لاي بو والحديقة والمقعد والقمر. في القصيدة التي يتكلم فيها لاي بو عن رفقته لظله وللقمر، نجد أنه يغني ويرقص فرحان بكل ما حوله إلي أن ينال السكر منه ويرحل صاحباه: ظله والقمر. 'ومع ذلك' هكذا تنتهي القصيدة 'هما صديقان بوسعي الاعتماد عليهما. اثنان بلا مشاعر ولا أي شيء، ليت يوم يجمعنا نحن الثلاثة من جديد ، في غياهب درب التبانة'.

مختارات

عن توفو

علي قمة جبل قابلت توفو

في أغسطس والشمس حارة

تحت قبعته القش العريضة

رأيت وجهه حزينا.

في السنين التي تلت فراقنا

شحب وجهه وأنهكت قواه

قلت لنفسي 'يالتوفو من عجوز مسكين

لابد أنه عاد من جديد

إلي العكوف علي الشعر'.

أغنية نهر الخريف

يرتعش القمر علي نهر أخضر

وفي نوره تطير طيور مالك الحزين

يسمع الشاب شابة تقطف الكستناء:

في الليل، هاهما يتمشيان إلي البيت

وهما يدندنان.

وحيدا وأشرب تحت القمر

أخرج بدن خمري بين الزهور

لأشرب وحدي ، بلا أصحاب.

أرفع للبدر كأسي أدعوه الي الشراب.

وبه، وبظلي، نصير ثلاثة.

لكن القمر لا يشرب.

وظلي يقلدني في سكون.

سأرحل والبدر والظل

فرحان حتي انتهاء الربيع

أغني فيرقص البدر

وأرقص، يرقص ظلي.

نقسم بيننا فرحة الحياة.

سكاري، يسلك كل منا طريقا.

أصحاب إلي الأبد،

ورغم أننا جميعا جوالون

لكننا سنلتقي من جديد في درب التبانة.

أغنية الشرب في الخريف

لنغرق أحزاننا القديمة

نسكب في أجوافنا دنان الخمور

في الليل الجميل.

كيف يواتينا النوم والقمر بهذا السطوع؟

أخيرا غلبنا الخمر وانطرحنا في عراء الجبل..

وسادتنا الأرض ملتحفين بالسماء.

اعتراف

خمر في كأس من ذهب

وفتاة في الخامسة عشرة

حاجباها داكنان وشبشبها أحمر.

صحيح أن كلامها أخرق لكن ما أحلي غناها.

أكلنا معا وسكرنا إلي أن كمنت بين ذراعي.

وخلف ستائرها المنقوشة بزهور اللوتس

كيف كنت سأرفض إغراء دعوتها؟

إلي توفو من شانتنج

تسألني كيف أقضي وقتي..

أوي إلي جذع شجرة

وأصغي لحفيف ريح الخريف في شجر الصنوبر

ليل نهار.

خمر شانتنج لا يسكرني

وشعراؤها أضجروني

أفكر فيك طول الوقت

كما يجري نهر 'وين' إلي الأبد.

 

* توفو شاعر صيني قديم

* التقديم لألتسير هايت والقصائد

* مترجمة من الإنجليزية عن ترجمة الشاعر سام هاميل.

 

ترجمة وتقديم: أحمد شافعي



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri