حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ثريا النص

(قراءة في شعرية العنوان)

يعد العنوان إشارة أولى تدل على طبيعة الأثر الكتابي الذي ينضوي بشكل او بآخر تحت بطاقة تعريفية تقدم للمتلقي مفتاحا يلج من خلاله الى طبيعة السؤال الافتراضي الذي يقدمه العنوان فلا يمكن حصر العنوان في مجال ضيق يقتصر على غلاف الكتاب وان كان هذا المجال قد ارخ لحقب ثقافية طويلة في أدبنا العربي وانما يتجاوز العنوان حدوده كلما كان المبدع على وعي تام بضرورة تجانس العمل الإبداعي الذي يبتعد عن اللغة البراغماتية ليصل الى حدود اللغة الشعرية، وقد عني العرب عناية واضحة بدلالة العنوان على طبيعة المحتوى ففي مجال النقد الأدبي تبرز العنوانات التي أرخت وصنفت في آن واحد لحقب ثقافية كان الكاتب فيها بعيدا عن التصنع في صياغة العنوان مثل كتاب فحولة الشعراء للاصمعي او الشعر والشعراء لابن قتيبة او طبقات فحول الشعراء لابن سلام وغيرها

من المؤلفات التي آثر مؤلفوها ان يكونوا على درجة عالية من الوضوح في صياغة العنوان ولم يكن السجع في كتابة العنوان الا مؤشرا لتدهور ثقافي اصاب البنية الثقافية العربية في ادق مفاصلها مما ابعدها عن طبيعة العنوان المفترضة الى طبيعة جديدة يحكمها السجع اساسا قبل ان تحكمها طبيعة العلاقة بين العنوان والمحتوى قد يكون كتاب الأستاذ محمود عبد الوهاب (ثريا النص.. مدخل لدراسة العنوان القصصي) كتابا مثيرا للجدل والانتباه في آن واحد. فقد حاول الباحث شد الانتباه الى ركن كتابي يمكن وصفه بالمهمل بشكل او بآخر فضلا عن صعوبة تحديد طبيعة استجابة معينة يمكن للقارئ تمثلها وهو بصدد تصور مجموعة من العنوانات التي تحتفظ بها الذاكرة على مدى سنوات القراءة وان كان القارئ غالبا ما يقفز العنوان ليستقر في فناء النص مباشرة ص5. وان كنا لا نجد مبررا لمثل هذا القفز الذي يحدده المؤلف الا انه يمثل اشارة انطباعية اراد من خلال تقديمها التذكير بان عمله هذا قد لا يعني القارئ المستهلك الاول والاهم للكتاب لانه لا يقدم له اضافة الى المتن الشعري او السردي الذي هو بصدد قراءتهما وانما يبقى العنوان (المهمل) يسير بعيدا عن خصوصية التجربة الابداعية.

لقد قسم الباحث كتابه الى اربعة مباحث تسبقها اشارة اولى وتختمها اشارة اخيرة والمباحث هي: بنية العنوان، الاكتشاف والاختيار، وعي الدلالة، انتاج الدلالة.

لقد كان الحديث عن بنية العنوان مدعاة للدخول في تعريفه، وهو الامر الذي جعل التعريف يسحب الباحث الى عملية تأصيل مختصرة للعنوان في الثقافة بوجه عام، فضلا عن التأصيل الفيلولوجي للفظة (عنوان) وهو ما يثير اسئلة عدة حول عنوان المبحث ذاته (بنية العنوان) وبين التأصيل الذي حاول فيه الباحث ان يقدم استعراضا تاريخيا من جهة ومقارنا من جهة ثانية، كما ان محاولة فهم العنوان العربي للمنجز القصصي او الابداعي بصورة عامة (لان مبحث بنية العنوان لم يقتصر على المنجز القصصي) من خلال منظومة فكرية مختلفة ارتبطت بحركة ثقافية كان الوسط الثقافي العربي بعيدا عنها، جعلت هذا الفهم مشوبا بالخلط بين تأويلية ايكو وتفكيكية دريدا.

لقد بدأ الباحث يصدر احكاما حول طبيعة العنوان الحديث قبل ان يقدم فهمه الخاص، فيقول: (غير ان العنوان الحديث بدأت تتحكم باختياره موجهات مختلفة تأتي في مقدمتها مهيمنة تتمثل في بروز شديد لاحد انساق النص على بقية انساقه الاخرى يعمد الكاتب بقصدية الى اختيارها وبلورتها على مستوى العبارة عنوانا لعمله، ومن هنا جاء اتصاف العنوان في النصوص بالحديثة بالانغلاق النسبي) ص16، ثم يختار عددا من العنوانات النقدية التي لا يلحظ فيها القارئ بروزا لنسق على اخر مثل اختياره لكتاب الاستاذ حاتم الصكر (البتر والعسل) فلم يكن البتر والعسل الا حكاية تراثية قام الصكر بتحليلها في كتابه الذي حمل الاسم نفسه، كما ان اختياره لكتاب الدكتور محسن أطيمش (دير الملاك) يثير استغرابا اكبر فما هو النسق الاكثر بروزا في دراسة محسن اطيمش في كتابه الذي جعل عنوانه المكان الذي كان يسكن فيه اثناء دراسته في مصر، وحتى اذا استبعدنا طبيعة المكان فدير الملاك لا يشير الى محتوى الدراسة النقدية التي قدمها الدكتور اطيمش.

يؤكد الباحث على دور الترجمة في انحراف دلالة العنوان والمقصود هنا الترجمة غير الدقيقة كما في قوله: (ان امثلة انحراف دلالة العنوان الاصلي عن مجالها بسبب الترجمة ليست بالقليلة، منها على سبيل المثال ترجمة عنوان (the sisters) وهي قصة قصيرة لجويس بـ(الشقيقات).. في حين تصور القصة امرأتين اثنتين ومن ثم يقيم الباحث على الترجمة غير الدقيقة تصوره الذي يقول فيه: (ان السبب الحقيقي في انحراف دلالة العنوان المترجم لا يمكن في غالب حالاته في خصوصية النظامين اللغويين، المترجم عنه والمترجم اليه بقدر ما يكمن في المفهوم السائد والجانب للصواب ـ عن العنوان هذا المفهوم الذي يجعل من العنوان بطاقة تعريف هامشية او قشرة خارجية تنحصر وظيفتها بحفظ النص وتأطيره من الخارج تأطيرا شكليا مما جعل عددا من المترجمين على قدراتهم العالية يتخففون من اشتراطات دلالة العنوان عن ترجمته على غير ما نراهم عليه من حرص وامانة في ترجمة متن الكتاب) ص28. ان انحراف دلالة العنوان تتعلق هنا بالمثنى الذي لا يوجد في اللغة الانكليزية خلافا للغة العربية، غير ان مثل هذا الخلل في الترجمة لا يمكن ان يعد انحرافا في الدلالة وحتى لو سلمنا بذلك فانه انحراف وقتي سرعان ما يزول بقراءة المتن، الا ان الاستاذ محمود عبد الوهاب يجد ان للعنوان اهمية كبيرة من خلال تأكيده على خطورة انحراف الدلالة وهو ما لا تقدمه عملية القراءة التي تولي اهمية كبرى للمتن بغض النظر عن طبيعة العنوان لان القارئ قد يرغب حتى بوجود عنوان مترجم الى اجتراح عنوان يجده اكثر تعبيرا من العنوان الذي وضعه المؤلف.

ان البحث عن بنية العنوان لا يمكن ان يقف عند الحدود الشكلية للعنوان وانما يجب رصد ذلك في تضاعيف المتن، هذا اذا قبلنا بان العنوان جزء من المتن، اما اذا نظرنا الى العنوان من زاوية طباعية فانه يظل متقدما على المتن وغير داخل في تضاعيفه وانما يجب ان يقرأ من زاوية اسم المبدع الذي يكون جنبا الى جنب مع عنوان المنجز طباعيا، كما ان البحث عن بنية العنوان يتطلب البحث عن بنى العنوانات الاخرى سواء اكانت للمبدع ام للفترة الزمنية المشتركة التي كتب بها نصه فصياغة العنوان تتأثر بالاجواء الثقافية السائدة في فترة معينة شأنها شأن الموضوعات التي يتناولها المبدع فأسم الوردة عنوان روائي لعمل لا يمكن لنا ان نتخيل ظهوره في بواكير العمل الروائي مثلما لا يمكن لنا ان نجد عنوانا روائيا مثل الاخوة كارامازوف يظهر في الالفية الثالثة ويلفت انتباه القارئ.

لقد قام الباحث بعملية استقراء واسعة لعدد من كتاب القصة والرواية محاولا التعرف على الظروف المحيطة بطبيعة اختيار عنوان لعملهم اذ حاول الباحث من خلال هذا الاستقراء التأكيد على مقدمة انطلق منها وهي ان كتابة العنوان بشقيه (الاكتشاف والاختيار) تعد عملا ثانيا تكون صلته واهية بطبيعة المنجز، او قد يكون ارتباط العنوان بالمنجز عملا آليا فرضته ظروف التطور الثقافي الذي جعل من العنوان هوية لابد من ان يقدمها المنشأ غير ان استقراء الاستاذ محمود عبد الوهاب ظل متوافقا مع ما يريد المبدع قوله، متناسيا ان مثل هذا الفصل بين العنوان والمتن لا يمكن ان يعد فصلا حقيقيا، لانه يمثل عند بعض الاجابات التي قدمها المبدعون عملية لا صلة لها بالعملية الابداعية، فبعضهم يقول: (انا في كل الاحوال اضع اكثر من ثلاثين عنوانا للقصة الواحدة.. حيث اجري عليها عملية المفاضلة.. وحين ترسو القناعة على احدها واخطها على الفراغ في اعلى الصفحة الاولى من القصة، حينها فقط اتنفس الهواء) ص42. فاذا اردنا قراءة هذه الاجابة من زاوية اهمية العنوان وارتباطه بالعمل القصصي لوجدنا ان القاص في اجابته يجد ان العنوان يمثل جملة اختيارات قد تكون وفرتها اجواء القصة بشكل ما الا انها لا تعني ارتباطا حقيقيا بالقصة، فالعنوان على هذه الشاكلة من الاختيار يمثل استجابة لظروف النشر والتوزيع فضلا عن ضرورة ان يكون العنوان حافلا بمثير ملائم يلفت انتباه القارئ ويحقق رغبة الناشر، وهو الامر الذي يحيلنا الى تجربة امبرتو ايكو الذي لم يصل الى عنوان روايته (اسم الوردة) الا بعد انصياعه لرغبة الناشر الايطالي الذي لا يفضل عنوانا بوليسيا او اسم علم تعنون به الرواية فقد اراد ايكو ان يكون عنوان روايته اما (دير الجريمة) وهو عنوان بوليسي او (ادسو مالك) باسم بطل الرواية وهو اسم علم فالعنوان قد لا يكون اكتشافا او اختيارا وانما يكون مفاضلة غير ان روائيا اخر لا يفترض المفاضلة وانما ينسجم مع الملاءمة، وليس الاكتشاف او الاختيار فعنوان رواية فؤاد التكرلي (الرجع البعيد) يمكن ان يكون مثالا للملائمة وذلك في قوله:

(الرجع البعيد كما اتذكر اخذت مني وقتا طويلا وانا افتش في نفسي وخارجها عن عنوان لها وفي احد الايام عصرا كما اتذكر وكنت انهيت جزءا كبيرا منها، كنت استمع الى تلاوة القرآن فاذا بالاية الكريمة (أاذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد) هزتني الكلمات هذا وتلقفت العنوان بكل تلهف واسرعت اسجله) ومما يؤكد مبدأ الملائمة في عملية اختيار العنوان قول القاص مهدي عيسى الصقر: (الا انني اكتشف احيانا بعد الانتهاء من مسودة العمل. ان العنوان الذي خطر في بالي في البداية ما عاد ملائما).

وقد اوصلت هذه الاستقراءات المنقوصة الاستاذ محمود عبد الوهاب الى اصدار حكم يفرق فيه بين العنوان المكتشف والعنوان المختار كما في قوله: (ان السمة الفارقة والحاسمة بين العنوان” المكتشف “ والعنوان” المختار “ تنحصر في احتفاظ العنوان المكتشف بنسقه اللغوي من ظهوره حتى وضعه على القصة عنوانا ثابتا لها، بينما يخضع العنوان” المختار “ لسلسلة من عمليات التغيير والتعديل حتى يقر في عبارة نهايته للعنوان) ص45، فلماذا لا يكتشف القاص اكثر من عنوان ليقوم بعملية التغيير والتعديل عليه، وما هو المانع الذي يحول دون ذلك اذا كان التغيير والتعديل ينطبقان على عملية الاختيار فعلا بل ان الاكتشاف الذي اراده الباحث لبعض العنوانات كان مجرد افتراض ذاتي سرعان ما تنكر له المبدع، ففي مبحث وعي الدلالة يورد الباحث نصا للتكرلي يتناقض مع النص الذي ذكرناه سابقا يقول فيه: (لم يكن عنوان القصة” او الرواية “ من اجل الدلالة عليها” اذ ان الارقام تكون في هذه الحالة اكثر دقة وسهولة “ بل من اجل اضافة” شيء ما “ الى المحتوى بحيث لا يمكن للقارئ” وللناقد بالطبع “ ان يترك العنوان جانبا حين يريد ان يحلل القصة او يكتب عنها، خذ” المجرى “ او” الطريق الى المدينة “ او” الرجع البعيد “ ان اختياري بعد عناء احيانا ـ يتضمن الاشارة الى اللباب، الى روح الاقصوصة ليس مغزاها.. كلا.. بل سرها الخفي) ص55. فما ذكره الباحث في مبحث” الاكتشاف والاختيار “ محاولا اضفاء صفة غرائبية على طبيعة العنوان، عاد لينفيه في مبحث وعي الدلالة من خلال تأكيده على حضور المهيمنة التي (هي موجه ذو اثر كبير في اختيار القاص لعنوانه، وفي هذه الحالة يتوجب عليه ان يعي تماما الدلالة التي تكون الاكثر سطوعا والاقوى استجابة للعنونة غير ان اختيار العنوان لن يؤتي نتائجه الا بعد الملاحظة والفحص والموازنة لوضع تلك الدلالة في عبارة العنوان).

واضح من النص ان دور الاكتشاف والاختيار قد تلاشى مع بروز المهيمنة مما يعني عدم وضوح وعي الدلالة في ذهن الباحث بصورة كافية، او قد يكون الباحث اراد ان يعبر عن تجربته الشخصية بوصفه قلما وليس بوصفه ناقدا يحاول ان يؤصل لخطاب نقدي منسجم فاستقراء كتاب القصة الذي اكد الاكتشاف والاختيار في مبحث (الاكتشاف والاختيار) اصبح الان يعتمد المهيمنة التي (تبقى احدى الركائز ذات الاهمية التي يعتمدها العنوان في الحالات الاكثر شيوعا) غير ان الامر يتخذ شكلا اخر اذا قرأنا العنوان وارتباطه بالمهيمنة من زاوية ثانية تعتمد على فهم مغاير يعد القاص هو المؤول الرئيسي لعمله وهو ما يجعل بحثه عن عنوان لعمله ينطلق اساسا من هذا التأويل دون حاجة الى افتراض مسميات متخيلة اساسا ـ فضلا عن ان العنوان اذا عد اختصارا لمضمون العمل القصصي وان كان اختصارا مخلا ـ فانه من جهة ثانية مؤشر لمسيرة ذلك العمل، غير ان مسيرة العمل لا تجعل العنوان يحمل توضيحا كافيا منذ البدء كما اراد الباحث حين قسم او صنف عنوانات (الفكرة) الى عنوانات دالة على موضوعة فلسفية وتاريخية وسياسية وكان مثل لهذا الفصل في الموضوعات يقدم ايضاحا كافيا وملزما للقارئ عند القراءة.

 

عصام العسل - (الصباح)



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri