
هيرمان
هيسه...
في
خطى ذئب البراري
”غريب أن
تهيم في الضباب!
دغل وحيد،
حجر وحيد،
لا شجرة
ترى شجرة أخرى،
والفرد وحيد
تماماً.
كان العالم
مليئاً بالأصدقاء،
مثلما كانت
الحياة سهلة لي،
لكن الضباب
جاء الآن،
ولم اعد
أرى أحدا.
حقاً، لا
أحد يمتلك الحكمة،
ممن لا يعرف
الظلام
الذي يفصله
عن الآخرين
بصمت وبشكل
محتوم.
غريب ان
تهيم في الضباب!
الحياة عزلة
لا أحد يعرف
الآخر،
والفرد وحيد
تماماً.
من
قصيدة ”الضباب“
***
من يستطيع
ان يرفع شمعة له؟
أرقام مبيعات
كتبه تضع كل كاتب اخر في الظل.قراؤه يعدون بالملايين، في
كل انحاء العالم، الان وفي الماضي. ولم ينتج اي كاتب اخر
باللغة الالمانية في القرن العشرين اعمالاً ترجمت الى العديد
من اللغات مثل هيرمان هيسه وبالتحديد الى 54 لغة.
استعبد جيلاً
بعد جيل، كان هو نفسه مفتوناً بالحياة، وتجرفه الحماسة لها،
لانه من تجربته لم يحصل ان نجح في مجابهة الحياة من موقف
متفرج يقف على بعد منها. كان ستيفان زفايج يعرف صديقه لوقت
طويل وبشكل كاف ليفهم انه لا يمكن ان ينتج الا شيئاً جديراً
بالاهتمام استناداً لانشغالاته المباشرة.
وكما يعرف
معاصروه ، لم يكن النظر فقط هو اهتمام هيسه، بل كان يريد
ان يكون في المعمعة،في الجزء الاكثف من الاشياء،وتتذكر اليزابيث
مان بورجيس، ابنة توماس مان الصغرى، كيف انها دهشت وهي طفلة
في سان موريتز حين عرفت ان الكاتب هيرمان هيسه متزحلق جيد،
بعكس والدها،توماس مان، الذي كان يبقى على الخطوط الجانبية
للحياة وكما هي،والذي،رغم انه لم يكن يقدر هيسه تقديراً
عالياً عند ذاك في عام 1931، خلال عطلتهم الشتوية المشتركة،فأنه
رشح اسمه لنيل جائزة نوبل،وحين منحت الجائزة في النهاية
لهيسه،في 1946،كانت اعترافاً بكاتب لم يخجل ابداً من التعبير
عن الانفعال الشخصي بوضوح كلامي عظيم.
كان ذلك
حين يصف المعاناة الروحية لتلميذ مدرسة، او حين يصور ارهاق
رجل مسن من العالم، وكان القارئ يستطيع متابعة الكاتب، وفي
بعض الاحيان بسهولة شديدة، الى الحد الذي تضلل فيه الكلمات
دارسي الادب الالماني.وفي الحقيقة، نادراً ما يولي القراء
له الانتباه الجاد الذي يولونه لغيره من الكتاب.
ومن يدري
فلعلهم لم يفكروا حتى بالذكرى الخامسة والعشرين بعد المائة
لميلاد الكاتب في الثاني من تموز عام 2002، لو لم يقم محبوه
المخلصون بواجبهم في الوقت المناسب:في مونتا جنولا في سويسرا،حيث
استقر في اواخر حياته،وفي الهند،بلد شغفه،وفي كالف، مسقط
رأسه،وفي جاينهوفن على بحيرة كونستانس،حيث كانت تقف اول
طاولات كتاباته.حين وصل الى شبه جزيرة هوري في صيف 1904،
كان هيرمان هيسه قد ترك الكثير وراءه.
وكان عليه
ان يبقى هناك لثمانية اعوام جيدة،حتى عام 1912،وفي النهاية،اصبح
ما اراد ان يكونه منذ طفولته”كاتباً “ يقدر على العيش في
مكان ريفي،متواضعاً ومستقلاً،وله وجهة نظر واضحة.وقبل هذه
الفترة بقليل كان قد حاز على اول نجاح ادبي له.
”بيتر كافيزند
“ القصة الكئيبة قليلاً عن شخص سوداوي،والتي مست وتراً حساساً
عند القراء.واستطاع هيسه ان يعالج تجاربه بنجاح... وكانت
مدينة تيوبنكن حيث عمل بائعاً للكتب،جزءً كبيراً من الكاتب
مثلما كان المعهد اللاهوتي في مولبرون، الذي لا يستطيع اي
سائح ان يزوره دون ان يتذكر مصير البطل هانز جيبنراث وأكمل
رواية”تحت العجلة “ التي تحكي قصة اعدام وموت طالب حساس،
خلال حركة جاينهوفن في 1904،وبطريقته الخاصة هجر هيسه تلك
الاماكن،رغم انها كانت لا تزال قريبة الوصول.اليوم،يستغرق
الوصول من بحيرة كونستانس الى مولبرون من ورتمبرك مجرد ساعتين.ومن
غير الصعب ايضاً ان نجد خلفيات الكتب، المعهد البروتستانتي
اللاهوتي،حيث التحق هيسه للدراسة وجرب ما عاناه بطله بعد
سنين.ولا زال التلاميذ هناك يحضرون لنيل شهادة انهاء الدراسة.ولا
زالت الصفوف الدراسية،التي لم تتغير ، في مواقعها فوق الدير
البندكتي.ولكي نبقى مع هيسه،ونتابع خطواته ، يعني ان نغير
ازمنة الافعال في كل مكان،كذلك نعيد اكتشاف الحاضر بالماضي:وطبع
هيرمان هيسه تحت رعاية خاصة بعد رغبته في الهروب الى مولبرون
في 1892 خوفاً من الطريق الذي كان يبدو خطراً بالنسبة له،
وهكذا انتقل من معهد الى معهد.
ولا حاجة
للقول ان الاصلاح الذي فرضه ولداه قد انتهى بالفشل ـ وبمحاولة
للانتحار ـ والمسدس الذي كان يلعب به الصبي البالغ اربعة
عشر عاماً لا زال يعرض في متحف مدينته كالف في الغابة السوداء،وهي
مدينة وجدها هيسه مألوفة جداً لحد ان يدير ظهره لها لكي
يحتفظ بالانطباعات،مدينة متنافرة قليلاً ولكنها مع ذلك ممكنة
التمييز،في قصائده،وفي”دميان “ او في”لعبة الكريات الزجاجية
“.
والكثير
مما نعرفه من كتب هيسه لا زال يمكن العثور عليه في كالف
اليوم،ولا زال المكان يمكن ان يبدو تلك المدينة الصغيرة
المطمئنة التي تصورها القارئ ضائعة تقريباً في الوادي العميق،وضيقة
كما جربها هيسه،قبل ان ينطلق نحو الفضاءات العريضة المفتوحة
التي بحث عنها خلف الجبال،في طقس بحيرة كونستانس الاكثر
اعتدالاً.
وليس هناك
مكان يكون فيه المعجبون بهيسه اكثر قرباً من كاتبهم افضل
من المتحف في جاينهوفن، فهو متحف هيسه الوحيد الذي يشتمل
على غرف عاش فيها الكاتب مرة. عاش هنا”حياة طبيعية،جادة
وقريبة من الطبيعة “ دون غاز او كهرباء.وهو والد اطفال،بدأ
بتجربة سعادة الحياة المستقرة بأحساس شديد بالحبس.والطريقة
الوحدة التي يستطيع فيها رب الاسرة الهروب من هذا هي ان
يستمر بالحركة، فوق البحيرة كثيرة الضباب،في مركب تجذيف
او منطاد.وفجأة سيطرت عليه”رغبة مجنونة حقيقية لا يمكن الشفاء
منها بالسفر “ .وكانت الرحلة التي انطلق بها عام 1911 تحمل
كل معالم الهروب،من جنوا الى سيلان وسو مطرة،مروراً بالشاطىء
الغربي للهند، حيث عاش جده،هيرمان كوندرت،باحثاً لغوياً،
اما امه ماري هيسه ، فقد ولدت هناك في مدينة ثالا سيري.وتعود
جذور انفتاح العقل،الذي اصبح في ما بعد صفة غالبة في شخصية
ابنها الى تاريخ العائلة.وجعلت اللغات العديدة التي يتقنها
جده،والتماثيل البرونزية للآلهة الغريبة على رفوف الكتب،
افكار الصبي تنطلق ابعد من تلك المناطق الى الفضاءات المفتوحة
التي تريد كالف ان تجدها في اختيارها ثالاسيري كي تكون مسرحاً
لاحداث افتتاح سنة هيسه.وكان من الواضح من البداية انه بأحتفالها
بذكرى كاتب اجتاز الحدود لانه كان يريد المحافظة على احترام
ثقافته هو، فأنها تحتفل بكاتب عالمي.
ولهذا السبب
ذهب الى سويسرا مبكراً،ومن هناك ناشد الفنانين والكتاب الوطنيين
في المانيا في بداية الحرب العالمية الاولى:
”أيها الأصدقاء،ليس
بتلك النغمات! “ وكان القطر الذي تدوي فيه تلك النغمات لا
يمكن الانفتاح عليه الا بالشكل الأدبي فحسب ـ كان المنفى
هو وطنه.”وعن طريق بيرن سافر الى مونتا جنولا في تيشينو
ليكتشف في اخر الامر المكان الذي يبحث عنه،مشهد يتناغم مع
روحه الحرة.
“ سيتجدد
التحاور مع كاتب حاز اعجاب القراء جيلاً بعد جيل لانه يحمل
في نفسه دائما”ً شيئاً من عدم الاستقرار “ يبقى مصدر الهام
الشباب التواق
* توماس
رايتشيل ـ يكتب لصحيفة ـ فرانكفورتر الكماينه زايتونغ، متخصصاً
في الريبورتاجات الثقافية ـ التاريخية.
نص ـ توماس
رايتشيل
ترجمة: حسين
حسن