حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

هل دولـة الشِّعْر زائلـة؟!

لطالما اهتمَّ الأدباءُ واللغويّون شعراءَ وكتاباً بالشعرِ والأدبِ كانَ هذا الاهتمام على تفاوتٍ بين منْ يعدُّهُ قضيةً أساسيةً يجبُ المحافظة على أصوليتها بذودِ المغرضين والعاجزين ممن احتلبوا من ضرعِ الغربِ عنها وبينَ منْ يسعى بنفسهِ مجتهداً مغرِّداً خارج السربِ الميممِ إلى قبلة لا عماد لها سوى التخبِّطِ في مصطلحاتِ الحداثةِ ومدعاةِ التجديد ورفضِ الأصالةِ... ولكي نبسط المسألة ونعرضها بشكلٍ أوسع أسوقُ لكم التالي:

- أولاً: فتح باب الشعر على مصراعيه ليلجَ فيهِ كلُّ مارٍ بهِ:

وقعَ في أذهان الناسِ مفهوم الشعرِ بصيغةٍ مُجْحَفةٍ فتسلَّلت الأقلام تسرحُ وتمرحُ باحثةً عن الشهرةِ بمسمّى الشعرِ دون أدنى درايةٍ بمفهوم الشعرٍ ودواتهِ, والقصور على المحاولاتِ الذاتية للتعبير عنْ رغباتِهم وأهوائهمِ إلى درجةٍ تصل إلى العبث بالشعرِ وتشويههِ..

وقدْ يدفعنا هذا إلى الحديث عن العامية وأثرها على الفصحى بشكلٍ عام, فلْندعْهُ آجلاً.. إنَّ اضطراب المشهد الشعري والصراعاتِ التي تحصل فيهِ من مهاتراتٍ حول الحداثة ومصطلحاتِها وما يسمى بقصيدة النثر ومقومات النقدِ الآتية من الغرب أنهكتِ الشعر والأعمال الأدبية إلى درجةٍ تحبط القايمين على ترسيخِ الأصالةِ الشعرية, كما أنَّ الجريَ واللهثَ خلفَ تطغيةِ الرواية على الشعرِ حديثاً وعقد المقارنةِ والترجيح بينهما رغمَ انفصالهما فنّياً أدَّى إلى ضياعِ الناشئةِ الموهوبةِ كتابةً وقراءةً في تحديد ما يختار ليبني قاعدةً راسخةً لهُ يشقُّ من خلالها طريقهُ كمبدع , وغيابُ ذوي الكفاءةِ عن المؤسَّساتِ الأدبيةِ والأقسامِ الأدبية في المؤسساتِ التعليمة والإعلام حيثُ كانَ هذا محطّةَ نفارٍ لأبناء المجتمعِ إنْ لمْ يكنْ محطّةً وهميّةً لإيصال الشعرِ مغلوطاً في مفاهيمهِ, أيضاً عدم مراعاةِ اللينِ والتأنٌّقِ في إصالِ مفهومِ الشعرِ وغياب الذوقِ الذي أدَّى إلى جفاف الشعر الفصيحِ وبالأخصِّ الموروث , معَ سذاجةِ الطباع المكتسبةَ وزيف الثقافةِ مدعاةً للتعاصرِ والمواكبةِ وهذا يسوقنا للحديث عن الإعلام..

- ثانياً: تشوّب الأذن العربية من نشازِ وسذاجة التعبير خلال الكلمةِ المغلوطةَ:

إنَّ القنواتِ العصريةَ والفضائياتِ أصبحت المنبعَ الرئيسى لاستقاءِ المتلقِّي بغض النظر عن المادة وحديثنا هنا عن الكلمةِ المستخدمة في التواصلِ بين المرسل والمتلقي والتي انحدرتْ إلى التفاهةِ حيثُ أوجدت هذه القنوات قاموساً ينسلخُ من العربيةِ والتي تأخذ الكلمة عكس معناها أحيانا مما أدَّى إلى لبس كثيرٍ من المفاهيم وفي هذه القنوات المكتظةِ بالبرامجِ الزائفة خطورةٌ على اللغة وقيمة الكلمة وفي هذا حديثٌ طويل, إذْ نجدُ العامَّةَ انحدرتْ خلف المغرياتِ وأصبحَ المرئي المجسد مطلبَها مما أخمل وخدّر ذهن العربي عن التفكير والتخيُّل والتذوق للجانب الروحي, وأفسد العلاقة بين المستمع والكلمة إذْ غدا لا يهمُّه منها سوى المعنى البسيط, حتّى أدَّى ذلك إلى سطحيةِ التعبير لدى كثير من الناس (والحديث هنا عاميةً أوْ فصحى).. وهذه القنوات ما كانت إلا نتيجةً للاستعمار استراتيجياً كان أمْ فكرياً , وتكفي الإشارة إلى قصيدة حافظ إبراهيم عن الفصحى والتي مطلعها:
رجعتُ لنفسي فاتَّهمتُ حصاتي = وناديتُ قومي فاحتسبتُ حياتي

ومنْ مساوئ الفضائيات صرفُ الناسِ عنْ العلمِ والتعلمِ والتأدُّبِ وكلِّ ما يثري المرءَ نفعاً حيثُ لا تجدُّ من يقرُّ ببيت المتنبي وخير صديقٍ في الزمانِ كتابُ" ويرونه ليس صديقاً بلْ عدوّاً يشغلهم عن اللهوِ واللعبِ.... إلخ.

- ثالثاً: العامية واللهجات والأثر من ذلك:

لعلّي أبدءُ بالحديث عن الكلمة العامية ذات الأصل العربي وهي ذات الحروف دون الحركات الأصلية لها مع زيادة حروفها أحياناً إنَّ هذا الشكل الذي أخذته الكلمة لهو إجحافٌ في حقِّها وتشويه للفصحى, وقدْ أصبح لكلِّ قطرٍ عاميته فمن هو في المغربِ العربي لا يفهم من هو في الخليج والعكس وهذا من أكبر مساوئ العامية , والذي يهمنا هنا هو اقتصار الناسِ على هذه العامية واستخدامها للتعبير عن حاجاتها ورغباتها وكتابة الشعر بها والتغنّي أيضاً والذي جعلها أكثر انتشاراً هو اكتظاظ الفضائيات بالبرامج التسويقية والترفيهيه والغنائية المتواصلة مع مشاهديها خلال العامية وللأسف هذه البرامج هي أكثر انتشاراً ومشاهدةً ,, وإنَّ ما تقوم به المؤسسات التعليمية ليذهبه مثل هذا رغم عدم كفاءة بعض المؤسسات, وللبيئة الدور الأساسي في تنشئةِ الأبناء وبما أنَّه مرَّت سنون جهلٍ على معظم الأقطار بسبب الاستعمار والحروب والأحوال الاقتصادية لا غرابةَ في وصولِ اللغة إلى هذا الحدِّ من الإهمال وإنْ كان هناك نهضة فإنَّنا لا نزال نعاني من الماضي القريب وما زال الأثر باقياً.. وإنْ تحدَّثنا عن الشعرِ هنا نجدُهُ أي في العامية أكثر انتشاراً وأسرع زوالاً والسبب في الانتشار الجمهور أمّا الزوال فهو عدم أصالتهِ فإنَّ الذوق العام قدْ هبط من قنّةِ الجمالِ وانسابَ ساذجاً في السفوح فاعتادت الناس على الرضى بالقريب التافهِ ونفرت من البعيد السامي في كلِّ شيءٍ وأسوقُ مثالاً على ذلك وهو: تجد الملايين تطرب خلف من تقول "أخصمك أه.. أسيبك لا" بينما تجدها تنفر حين تسمع "لستُ أنساك وقدْ أغريتني..".

- رابعاً: الأغراض الشعرية والقضايا العربية:

لا شكَّ أنَّ الأغراض الشعرية من أهمَّ مقومات الشعر وكلُّنا يعلم بها قديماً مع ما استجدَّ من أغراض وفي هذا وقفةٌ طويلة ,, إنَّ أي مجتمعٍ لا بدَّ لهُ من ذائقةٍ عامَّةٍ أوْ قضيّةٍ مهمّة تتتبَّعها خبراً وحديثاً كان نثراً أمْ شعراً ففي العصر الجاهلي نعلم بالأسواق ومنها عكاظ الذي عدَّ منطلقاً مهماً للشعر وما يتمُّ فيها من تبادل الأخبار وتناقل الأشعار والحكم عليها إذْ يعدُّ الشعر قضيّةً أساسية من قضاياهم, ثمَّ العصر الإسلامي واستخدام الشعر للذود عن الإسلام كونه ذا قيمة هامة تليهِ العصر الأموي وما استجدَّ في من هجاء عرف بالنقائض فالعباسي وكثرة المديح والتكسب واهتمام الملوك والأمراء والوزراء ثمَّ الأندلسي والوصف للطبيعة البديعة والموشحات وخفض بعد ذلك الشعر إلى المملوكي وأتى عصر النهضة وما فيه من مدارس كأبولو والبعث للبارودي والمجددين وشعراء المهجر إلى عصرنا هذا والذي أحدتم فيه الصراع بين الغرب والعرب والمسلمين خاصةً, لنصل إلى قضيَّتنا وهي فلسطين والتي توحّدت فيها كلُّ القلوب المؤمنةِ وإنْ كانت الأيدي هي أيدي الأبطال الذين يدافعون عنها إلا أنْ حولها التفاف المشاعر من شعراء وكتّاب, وأشير هنا إلى المغتربين في المهجر الذين هم أكثر حضوراً فكرياً وشعرياً.

 

بنـدر الصـاعـدي



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri